ياسر رزق يكتب : الخامس من يونيو.. الموافق العاشر من رمضان

السبت، 03 يونيو 2017 - 07:42 م

لا أحب يوم الإثنين، ولا رقم خمسة، ولا شهر يونيو.


شعرت بغصة حين وجدت اليوم والرقم والشهر يجتمعون معا هذا العام، مثلما اجتمعوا منذ نصف قرن فى سنة 1967.

لكن سرعان ما تبدل شعورى حين اكتشفت أن التاريخ الهجرى الموافق هو العاشر من رمضان!

لعله من تصاريف الأقدار أن تتواكب ذكرى 5 يونيو مع ذكرى 10 رمضان فى يوم واحد هذا العام بالذات، لندرك أن الإحساس بالهزيمة أو النصر، لا يرتبط بيوم بعينه ولا بمناسبة تاريخية، إنما هو حالة بيد الإنسان يراودها وتراوده، ويسمح لها أو لا يسمح بأن تلازمه، حسبما شاءت إرادته وهمته، وحسبما كانت درجة ثقته بنفسه وإيمانه بوطنه.

لك يوم غد أن تختار، إما أن تشعر بأنك مهزوم، حتى لو أعقب الهزيمة نصر، أو أن تشعر بأنك منتصر، دون أن تغفل أسباب الهزيمة.

عن نفسى.. فضلت الخيار الثانى!


•  • 
خمسون عاما مضت على عدوان الخامس من يونيو 1967.

كان اسم العملية العسكرية هو «اصطياد الديك الرومى».

كان لابد من تدمير مقدرات الدولة المصرية الحديثة الثانية، التى أحيت فكرة القومية العربية، وساندت حركات التحرر الأفريقية، وقاومت الاحتلال الاستيطانى الصهيونى، وواجهت سياسة الأحلاف، وقادت مع الهند ويوغوسلافيا حركة عدم الانحياز.

كان لابد من إجهاض أنجح التجارب التنموية فى العالم الثالث (1962 - 1967) ، وإيقاف خطط التصنيع الثقيل وبرنامج صناعة الطائرات المقاتلة والصواريخ متوسطة وبعيدة المدى وارتياد الفضاء.

كان لابد من القضاء على الجيش المصرى بحيث لا تقوم له قائمة، فلا يمثل خطراً بعدها لإسرائيل وأطماعها التوسعية فى الأرض العربية.

كان لابد من إسقاط جمال عبدالناصر، لتكون رأسه الطائرة رادعاً لكل من يفكر من العرب فى أن يرفع رأس أمته.

كان الهدف من كل ذلك هو كسر إرادة الشعب المصرى.

جاء عدوان يونيو كمؤامرة متكاملة الأركان لكنها كأى مؤامرة، لم يكن ليكتب لها النجاح، إلا لأننا أعطيناها الذريعة، ومكناها من النفاذ، وهيأنا لها أسباب الفوز!

الأخطاء ـ بل الخطايا ـ عديدة وراء هزيمة الخامس من يونيو.

أهمها ـ فى رأيى المتواضع ـ أن المغامرة غلبت حسن تقدير الموقف، وأن انجراف العاطفة تغلب على حكمة العقل.

أغلقنا خليج العقبة، انسياقا وراء دعاوى النظام السورى وقتها بأن إسرائيل تستعد لضرب سوريا وأن نظام عبدالناصر تخلى عن مسئولياته القومية، وبرغم أننا نعلم أن قرار الإغلاق هو إعلان للحرب، فضلنا أن نتلقى الضربة الأولى، فكانت قاصمة.

خضنا الحرب بجيش مجهد، بعض تشكيلاته الرئيسية تتمركز فى اليمن، وتخوض فى مستنقع حرب لا يبدو منه مخرج رغم مرور 5 سنوات على قيامها.

كان على رأس القوات المسلحة قادة وقيادات، لا يتمتعون بالجدارة والمقدرة والعلم العسكرى، بقدر ما يحظون بالثقة وألفة رفقة الثورة.

كان الصف العربى فى أضعف حالات التماسك، وكانت الجبهة الداخلية أسيرة دعايات ترفع من شأن النفس على غير حقيقة، وتقلل من قدر الخصم على غير أساس.

كانت الطائرات على الممرات بلا حظائر، فاصطادوها. وكان النظام منساقاً بلا عقال، فاصطادوه!


<  <  <


احتلت سيناء بأكملها، ومعها غزة، ومعهما الضفة الغربية لنهر الأردن، بما فيها القدس وبلدتها القديمة التى تحوى المسجد الأقصى وطريق الآلام.

هزيمة عربية مروعة، تكسر أمما لمدة قرون. لكنها رغم فداحتها ومرارتها لم تكسر إرادة الشعب المصرى ولا الأمة العربية.

وفى التاسع من يونيو تنحى عبدالناصر القائد الجريح عن منصبه متحملا مسئولية الهزيمة، وبعدها بساعات خرج الملايين يبتلعون العلقم ويلعقون الجراح، وهم يهتفون بعودته إلى السلطة، معبرين عن وعى يفوق كل تصور، ورغبة عارمة فى ألا يحقق العدوان غرضه وهو كسر إرادتهم وإسقاط زعيمهم.

لم تستسلم القوات المسلحة للهزيمة.. فبعد أقل من 3 أسابيع، أحبط رجال الصاعقة هجوما شنته وحدات مدرعة إسرائيلية جنوب بورفؤاد عند منطقة رأس العش بغرض احتلالها، ونجحوا فى تدميرها، ليبقى للجيش المصرى موطئ قدم على أرض سيناء.

بذلك.. بدأت حرب الثلاث سنوات، بمرحلة الصمود، ثم الدفاع النشط، ثم الاستنزاف، ومعها إعادة بناء القوات المسلحة من نقطة الصفر، تدريباً وتسليحاً ورفعا للكفاءة القتالية والاستعداد القتالى، وكانت ضربة البداية هى إسناد قيادة القوات المسلحة لقادة أكفاء، قادرين، يتمتعون بحسن التخطيط والتنظيم ومهارات القيادة، وأيضا بالانضباط والاتزان الانفعالى.


<  <  <

كانت أسرتى، واحدة من قرابة نصف مليون أسرة، أجبرت على هجران بيوتها فى مدن القناة، مع عدوان يونيو، لا أذكر ـ ولم تكن ذاكرتى قد تشكلت ـ أحداث تلك الأيام.

لكن أيام حرب الاستنزاف وما بعدها تظل أقوى ما تحفظه ذاكرة طفل، احتفر وجدانه، بنعيق صفارات الإنذار، وطنين الغارات، ودوى الانفجارات، وقتامة اللون الأزرق على النوافذ ولمبات الإنارة، ورمادية المخابىء فى بدرومات المنازل، وانسداد مداخل البيوت بجدران طوب، واستهلت صفحات قاموسه اللغوى بمفردات: عدوان.. تهجير.. نكسة.. فانتوم.. سكاى هوك.. دماء.. شهداء.. استنزاف.. بحر البقر.

كانت الناس تحصل على الجاز واسطوانات الغاز بالكوبونات، وتقف بالساعات طوابير أمام الجمعيات للحصول على كيلوجرام واحد من الأرز أو السكر أو عبوة زيت، لم يكن هناك سوبر ماركت تشترى منه ما تشاء، ولا محل بقالة يبيع سلعاً أساسية، كانت أردية الصيف وأقمشة «كاستور» الشتاء بالبطاقات، كان التيار الكهربائى ينقطع ساعات طوالا، فإذا جاء يعود للانقطاع تحسبا لغارة وحذراً من إنارة ترشد طائرات العدو.

صبر الشعب ووقف خلف جيشه يتحمل، يدفع قروشاً أو جنيهات حسب مقدرة الأسرة، للمجهود الحربى أو سنوات الجهاد.

لم ينقلب الخوف من الغارات - وهو شعور إنسانى - إلى ذعر من العدو، وإنما صار بركان غضب ـ وكانت أغانى الصمود تصدح عقب كل غارة، تبشر بالفجر الآتى، والعودة إلى شط القنال على كف النهار.

كنت أرقب أمى وجاراتها يقضين الوقت فى أعمال الإبرة و«الكانفاه»، ثم يضعن المشغولات فى الأدراج، فلن يكون لها مذاق ولا رونق، إلا إذا علقت أو فرشت فى الدار، المهجورة، بعد النصر والرجوع.

لم تنكسر إرادة الشعب، ولم تنهزم عزيمة الجيش، ولم تساور الجماهير أى شكوك فى أن يوم المعركة المرتقبة آت، وأن نصر الله قريب.

<  <  <

أرسى عبدالناصر قبيل رحيله أساس البناء الجديد للقوات المسلحة، ورفع أنور السادات القواعد من الجيش.

تسلم السادات من عبدالناصر حائط الصواريخ، وبدأ إعداد خطط الحرب حسب تطور إمكانات وقدرات القوات المسلحة.. تعدلت الخطة «جرانيت» إلى خطة «المآذن العالية»، ثم الخطة «بدر».. خطة حرب العاشر من رمضان.

تطعمت القوات المسلحة بالمعركة طوال حرب الاستنزاف، وتدربت على عبور قناة السويس فى أكثر من موقع مشابه داخل الوادى. واختير لقيادة القوات المسلحة وقيادة التشكيلات التعبوية والتكتيكية أصلح القادة وأكثرهم كفاءة.

كل شىء جرى حسابه بميزان الذهب.. كيف ستعبر القوات بالقوارب وفوق المعابر، كيف سيتم التعامل مع مواسير النابالم المنصوبة على طول الشاطئ الشرقى للقناة لتضخ الحمم فوق صفحة القناة وتشعل المياه نيرانا تحرق العابرين، كيف سيتم اجتياز الساتر الترابى الذى يرتفع بطول 20 متراً وبزاوية ميل 80 درجة ليمنع أى محاولة لتسلقه، وكيف سيتم شق الثغرات فيه لتنفذ منها الدبابات والمركبات شرقاً، كيف سيتمكن أفراد المشاة من قتال القوات المدرعة المعادية وتدميرها والاستيلاء على النقاط الحصينة لحين عبور الوحدات والتشكيلات المدرعة.

كيف سيتم تنسيق عناصر معركة الأسلحة المشتركة بين الطائرات والمدافع والتشكيلات البرية وأيضا السفن الحربية على شاطئ المتوسط.

قبل كل ذلك.. كيف سيتم إخفاء النوايا، كيف يمكنك أن تضلل العدو، وأن تبدأ الفتح الهجومى دون أن يعرف أنك تبدأ الحرب، كيف تستطيع أن ترسل مدمراتك إلى باب المندب قبل الحرب بشهر، لتغلقه فى ساعة الصفر، وتحت أى غطاء سترسلها.

والأهم.. كيف ستنسق مع الجانب السورى خطة العمليات، ويومها، وتوقيتها ليندلع الهجوم فى نفس اللحظة.. ما هو اليوم الأنسب للهجوم وعلى أى أساس، والتوقيت الأمثل لبدء العمليات فى هذا اليوم، هل مع أول ضوء أو آخر ضوء، أو فى منتصف النهار ولماذا؟


كل شىء كانت له إجابة وخطة ومقدرة على التنفيذ، تظللها إرادة غلابة لتحقيق النصر وتحرير الأرض، وإيمان بالله، لا يزعزعه امتلاك العدو لنحو 13 قنبلة ذرية.. كان يمتلك وقتها هذا العدد، وكنا نعلم، وكان تصميمها على القتال أقوى من القنابل الذرية.

<  <  <

ستة أيام استغرقتها عملية يونيو 1967، وست ساعات أفقدت العدو توازنه يوم العاشر من رمضان.

قبيل حلول الساعة الثانية من بعد الظهر، كانت القاذفات الثقيلة المصرية تحلق فى منطقة ما شرق الدلتا تطلق صواريخها على مراكز القيادة والسيطرة للعدو فى قلب سيناء، وفى الساعة الثانية وخمس دقائق، كانت 222 مقاتلة وقاذفة مصرية تعبر القناة شرقاً فى توقيت متزامن تندفع إلى أهدافها المحددة من مواقع صواريخ وقواعد جوية ومراكز قيادة وتشويش وحرب الكترونية.

ومع عبور الطائرات.. هدرت المدافع بعدد أكثر من ألفى قطعة مدفعية، تطلق داناتها على النقاط الحصينة لخط بارليف واحتياطات العدو، بمعدل 175 دانة فى الثانية الواحدة ولمدة 53 دقيقة.

وتحت ستر التمهيد النيرانى.. بدأت طلائع المشاة فى اقتحام القناة، وتساقط الحصون والنقاط القوية، وفى الثامنة مساءً كان لنا 80 ألف جندى من 5 فرق مشاة على أرض سيناء.

فى اليوم الثالث للحرب.. نجحت قوات الفرقة الثانية المشاة المعززة باحتياطى الجيش الثانى المضاد للمدرعات فى تدمير الهجوم المضاد الإسرائيلى وتدمير اللواء المدرع (190).. وخرج موشيه ديان وزير الحرب الإسرائيلى يعلن انها حرب ثقيلة بأيامها ودمائها، بينما كانت رئيسة الوزراء جولدا مائير تستغيث بالرئيس الأمريكى نيكسون وتطلق نداء «أنقذوا إسرائيل».

تواصلت الحرب وأشتد القتال ولم يستطع الجسر الجوى الأمريكى الذى زود إسرائيل بأكثر مما فقدته من طائرات ودبابات، وبأحدث مما كانت تحوزه من معدات وصواريخ، أن يقلب مسار المعركة لصالح إسرائيل.

كان لمصر خمسة رءوس كبارى على الشاطئ الشرقي، ولم تنجح الثغرة التى أقامتها إسرائيل عند الدفرسوار بفضل الصور الجوية التى زودتها بها الأقمار الصناعية الأمريكية وطلعات طائرات التجسس «إس.آر-71» على جبهة القناة وما وراءها، إلا فى إقامة رأس كوبرى واحد مضاد.

تمسكت القوات المسلحة بالأرض على طول خط المواجهة شرق القناة بعمق ما بين 12 كيلومتراً و15 كيلومتراً داخل سيناء، وصمد الجيش الثالث يقاتل الثغرة.

أعدت القيادة العامة للقوات المسلحة الخطة «شامل» لتدمير الثغرة بقواتها تدميراً شاملاً، وكان المخطط ان تنفذ الخطة فى شهر ديسمبر، لولا تدخل الولايات المتحدة، فانسحبت إسرائيل بقواتها من الثغرة فى يناير 1974 فيما عرف باتفاق فك الاشتباك الأول ثم إلى ما وراء المضايق عام 1975 بعد اتفاق فك الاشتباك الثانى.

واستكملت مصر بالسلام ما أنجزته الحرب، فانسحبت إسرائيل مما تبقى من سيناء على مراحل فى أعقاب توقيع معاهدة السلام فى مارس 1979 وحتى اكتمل الانسحاب فى 25 أبريل 1982، وتحررت آخر حبة رمل مصرية فى طابا يوم 19 مارس 1989 بعد ماراثون فى التحكيم الدولى.

فى حرب رمضان، حققت قواتنا المسلحة الظافرة نصراً مؤزراً، كانت بشارته فى يوم العاشر من رمضان، حينما نجح رجال المشاة فى عبور القناة واقتحام حصون خط بارليف، الذى قال الخبراء السوفييت أنه يستحيل على التدمير إلا بقنبلة ذرية.

وحينما أذاع الراديو البيان رقم (7) عن القيادة العامة للقوات المسلحة عصر يوم العاشر من رمضان، يعلن نجاح قواتنا المسلحة فى عبور قناة السويس على طول الشاطئ الشرقى، احتبست أنفاس المصريين، لتهدر سماء مصر بعد الدقيقة التى استغرقها البيان بهتاف «الله أكبر»، الذى تلاقت أصداؤه دونما اتفاق مع نفس الهتاف الذى يصدر من الرجال العابرين لتحرير سيناء.

مازلت أذكر ذلك اليوم المجيد، والفرحة تقفز من عيون الكل، تفيض على المآذن والكنائس والحقول والمصانع وتغمر كل بيت.. ونسى الناس موعد الإفطار، فقد شبعوا من قوت النصر، بعد صيام 6 سنوات عجاف.
<  <  <
غداً.. نستحضر دروس نصر العاشر من رمضان، ونستعيد العبر من هزيمة الخامس من يونيو.

نفخر بذكرى عبور الهزيمة وتحقيق الانتصار، وندرك أنه لولا أننا انتصرنا بالسلاح ما كنا استكملنا تحرير الأرض بالسلام، ونعلم أنه لو لم تكن مصر قادرة على استعادة ما تبقى من أرض سيناء بالقتال، ما نجحت فى استعادتها بالتفاوض.

وبروح النصر الذى مسح مرارة الهزيمة، أرى خلاصة دروس يومى 5 يونيو و10 رمضان فى 7 إشارات لعلها تغير طريقنا للمستقبل.

< الجيش الوطنى القوى الحديث المحترف، هو الضمان لحماية التنمية وصون مقدرات الشعب، سيما فى منطقة مضطربة تتقاذفها مخططات وأطماع.

< صلابة الجبهة الداخلية وتماسك الجيش والشعب هى الدرع الحقيقية لأى وطن.

< القائد الحكيم هو الذى يحسن تقدير الموقف، فلا ينجر إلى مصائد، ولا ينجرف إلى مغامرات، ولا يقتاد إلى مستنقعات، لكنه لا يتردد حين يُكتب علينا القتال، أن يبادر ويستبق ويجهض.

< امتلاك القوة الرادعة، هو الذى يمنع الحرب ويحفظ تراب الوطن وأمنه من أى أطماع.. فالضعف يغرى بالعدوان.

< استعادة الأوطان العربية واستنهاض جيوشها الوطنية، مصلحة وطنية مصرية قبل أن تكون مصلحة قومية للأمة بأكملها.

< السياسة الخارجية الرشيدة، والاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع القوى العظمى والفاعلة دوليا، هى خط الدفاع الأول عن الأمن القومى لدولة بحجم مصر.

< الأمل درع لوجدان الشعوب والإرادة هى سلاحها. فلنحتفظ بالأمل الذى كان سبيلنا لقهر الهزيمة، وبالإرادة التى كانت أداتنا لتحقيق النصر.

<  <  <

آباؤنا من جيل أكتوبر أصحاب نصر العاشر من رمضان هم الذين استردوا لمصر العظيمة كرامتها. ومسئولية هذا الجيل أن يجعل من مصر العظيمة بلداً عظمى.

الرجوع الى أعلى الصفحة