ياسر رزق يكتب : معنى أن يرفق ويحنو

ياسر رزق السبت، 10 يونيو 2017 - 07:29 م

غداة ثورة 30 يونيو، صدر بيان الأول من يوليو باسم القوات المسلحة، يعطى مهلة ثانية وأخيرة للرئيس الأسبق محمد مرسى مدتها 48 ساعة، للاستجابة لمطالب الشعب الذى خرجت جماهيره الغفيرة إلى الشوارع والميادين فى كل أرجاء البلاد، تهتف بسقوط حكم المرشد.


تضمن البيان فيما تضمن عبارة نحتها الفريق أول عبدالفتاح السيسى قبل ذلك بسنوات.. سمعها منه رفاق السلاح مبكراً، وسمعها زملاؤه ومرؤوسوه وهو يرقب إرهاصات ثورة 25 يناير، ويضىء إشارات الإنذار بدنوها، ويضع تلك النذر فى تقرير شهير كتبه فى تقدير موقف عن الحالة العامة للبلاد قبيل انفجار الثورة بتسعة أشهر كاملة.

تلك العبارة سمعتها وغيرى منه فى الأسابيع الأولى التى أعقبت ثورة يناير، وكان بعضنا يلتقى اللواء أركان حرب السيسى لأول مرة.

كان أكثر ما لفت انتباهنا فى تلك اللقاءات أن القائد الشاب الذى يدير المخابرات الحربية، لا يتحدث عن الأمن بنفس الاستفاضة التى يتحدث بها عن العدالة الاجتماعية، ويتكلم عن حق طبقات الشعب الكادحة الصابرة، فى أن تحيا بكرامة تحت شمس بلادها، بنفس القدر الذى يتكلم به عن مصر العظيمة التى يتمنى أن تستعيد مجدها، وأن تسطر لنفسها تاريخاً جديداً فى مستقبل قريب.

كنت وكنا نخرج من لقاءاتنا مع القائد الشاب، ونحن نتنسم من حديثه ونبراته وإخلاصه ووطنيته الفياضة، عطراً أخاذاً فارقنا منذ حرب 1967.

وأخذت نوازعى تراودنى عن قلمى لأكتب عن هذا القائد وأحاديثه التى تكشف عن طراز جديد من القادة أبناء مدرسة الوطنية المصرية، ووصلت إلى نقطة وسطى أن أكتب عن الجنرال الشاب صاحب الرؤية والبصيرة والحلم دون أن أذكر اسمه.. وقد كان!


• < <

وفى بيان الأول من يوليو، سطر السيسى العبارة التى رددها فى مجالسه الخاصة كثيراً، وسمعتها الجماهير فى هذا اليوم لأول مرة: »إن هذا الشعب الكريم لم يجد من يرفق به أو يحنو عليه«.

وجدت الجماهير ذلك الرجل، يوم الثالث من يوليو، وتأكدت يوم السادس والعشرين من يوليو، واستدعته ليقود البلاد وهى تتطلع إليه كرجل الأقدار الذى ظلت تنتظره عقوداً طوالاً.

لكن عبارة «من يرفق ويحنو»، تحولت إلى سلاح فى يد أعداء الشعب من الإخوان وحلفائهم الذين ساءتهم تلك الرابطة الفريدة التى جمعت السيسى بالجماهير، فأخذوا يتحينون كل مناسبة، للنيل منها، وتصوير الإنجاز على أنه سراب، والإصلاح على أنه عقاب.

وصارت العبارة مادة يلوكها الذين عاشوا يحتقرون الجماهير ويستذلون الكادحين، فحاولوا أن يقطعوا الطريق على كل بادرة تعطى معنى الرفق والتكافل الوطنى، وحسبوا أن الحنو على الشعب يمكن تطويعه ليصبح تهاوناً فى حق الشعب ومال الدولة.

على النقيض.. كان هناك من يظن أن بيد السيسى المستحيلات الثلاثة عصا موسى وخاتم سليمان ومصباح علاء الدين، فيقدر فى طرفة عين أن يغير الأوضاع ويبدل الأحوال.

لم يكن بيد السيسى واحد من تلك المستحيلات، لكن كانت عنده حقائق أقوى، قادرة مع فروق التوقيت البشرى، أن تصنع معجزات، وهى الحلم والرؤية والهمة وهذا الشعب العظيم.

< < <
ربما لا يعلم كثيرون أن السيسى كان المحرك وراء قرارين لإصلاح حال الطبقات المتوسطة ودون المتوسطة والفقيرة، قبل توليه منصبه.

القرار الأول صدر فى سبتمبر عام 2013، وهو رفع الحد الأدنى للأجور من 700 جنيه إلى 1200 جنيه وكان حينئذ نائباً أول لرئيس الوزراء ووزيراً للدفاع.

وأذكر فى ذلك الوقت، أن وزيراً بارزاً التقيت به بعد ساعات من القرار، وكان يستهول قيمة الزيادة، وأسرَّ لى بأن القرار لم يكن ليصدر، لولا إصرار الفريق أول السيسى.

أما القرار الثانى فقد صدر فى مارس 2014، وكان يمكن أن يرجأ لحين إجراء الانتخابات الرئاسية التى كان متوقعاً أن يفوز بها السيسى باكتساح، وكان يتعلق بزيادة معاش الضمان الاجتماعى بنسبة 50?.

< < <
حينما تولى السيسى المسئولية قبل ثلاث سنوات مضت، كان فى يديه برنامج للعدالة الاجتماعية، يقوم على رؤية شاملة اختمرت فى ذهنه وصاغها فور أن لبى النداء وقرر الترشح للرئاسة، وتضمنتها ملفات «الحلم المصرى» التى حوت برنامجه لمدة 4 سنوات.
أذكر أننى كتبت كثيراً فى أعقاب تولى الرئيس المسئولية، عن أفكار وتصورات رأيتها تسهم فى تحقيق العدالة الاجتماعية، وأذكر أن الرئيس تفضل  وشرح لى رؤيته اثناء رحلة على طائرة هليكوبتر إلى مدينة الجلالة منذ 18 شهراً، وملخصها «سمكة لمن لا يقوى على الكسب، وسنارة لمن يقدر على العمل».


العدالة الاجتماعية فى نظر السيسى هى كوب ماء نظيف لكل مصرى، مأوى كريم فى منازل لائقة محاطة بالحدائق، والخدمات، والملاعب والمدارس، فرص عمل مناسبة للشباب توفر لهم مصدر الرزق، وتقيهم مذلة التعطل والبطالة، وتحد من معدل الإعالة داخل الأسرة فترفع مستوى معيشتها.

هى توزيع الخدمات والمرافق بعدالة بين أقاليم الدولة، مع التركيز على المناطق المهمشة والمحرومة.

هى القضاء على كارثة «?يروس سى» التى تنهش أكباد المصريين وتقتلهم بلا رحمة خاصة الفقراء ورقيقى الحال.

هى أيضا عدم تصدير المشكلات لأجيال قادمة، لتتحول إلى أزمات تستعصى على أى حلول.

< < <
مع كل هذا.. كان الشاغل الأول للسيسى هو توفير الحماية لفئات اجتماعية معدمة.

فأنشأ مظلة معاش «تكافل وكرامة» بعد شهور معدودة من توليه منصبه، بحيث يحصل كبار السن وعائل الأسرة ممن لا دخل لهم على معاش شهرى 350 جنيها، ويحصل المعاق فى الأسرة على نفس المعاش، وتحصل المرأة المعيلة التى تعول أطفالاً منتظمين فى الدراسة على معاش شهرى يتراوح بين 325 و600 جنيه حسب عدد الاطفال.

وفى مطلع هذا العام، تم ضم الأطفال اليتامى إلى هذه المظلة، ليحصل الطفل الذى يعيش مع أقاربه على 350 جنيها شهريا حتى يبلغ سن 18 عاما.

وابتداء من الشهر المقبل، ستزداد قيمة معاش تكافل وكرامة بمبلغ 100 جنيه لكل مستفيد، وستتسع مظلة المعاش لتغطى مليونًا و700 ألف أسرة، بجانب 1.7 مليون أسرة يغطيها معاش الضمان الاجتماعى.
بنفس القدر كان أصحاب المعاشات أيضا موضع اهتمام من جانب الرئيس، فأمر فى العام الماضى بزيادة الحد الأدنى للمعاش التأمينى من 375 جنيها إلى 500 جنيه، وزيادة المعاشات بنسبة 10?

ثم قرر هذا العام زيادة المعاشات بنسبة 15? ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 630 جنيها من يوليو المقبل.
< < <
كانت بيوت الصفيح  والعشش المحرومة من المياه والصرف والمنازل المنشأة على حواف الهضاب أو سفوح الجبال والمهدد سكانها بالموت فى كل لحظة، أو ما تسمى بالعشوائيات الخطرة، فى قلب هموم السيسى واحتلت صدارة تفكيره.


وبالفعل.. شرع فى تنفيذ برنامج شامل لإنشاء 180 ألف شقة لائقة لسكان تلك العشوائيات، كانت باكورتها فى «الأسمرات» وخلال عام واحد، لن نرى هذه العشوائيات، وسيجد قرابة مليون مصرى من سكانها لأول مرة بيتا، يحفظ كرامتهم، وينقل حياتهم إلى مستوى لائق.


ويواكب الانتهاء من هذا البرنامج، اكتمال أكبر مشروع لإنشاء ما يزيد على 600 ألف وحدة سكنية فى مشروع الإسكان الاجتماعى، وتم بالفعل استلام 212 ألف وحدة منها فى مختلف محافظات الجمهورية، وبحلول منتصف العام المقبل سيكون ما بين مليونين إلى 3 ملايين من أبناء الأسر المتوسطة ودون المتوسطة المصرية قد حصلوا على شقق جديدة لائقة، فى قلب تجمعات سكنية مجهزة بكل أنواع الخدمات.


لم يكن من العدل بعد ثورتين، أن تحرم أسر مصرية من شربة ماء نظيف وهى تعيش على ضفاف النيل أو تعيش أسر فى القرى محرومة من أبسط خدمات الصرف الصحى.


لذا.. تم تدشين مشروع قومى طموح نجح فى الوصول بمياه الشرب النقية إلى 96? من الأسر المصرية، وإدخال خدمات الصرف الصحى إلى 16? من القرى المصرية بعدما كانت النسبة 10? منذ 3 سنوات، ورفع النسبة إلى 40? فى غضون عامين.


ليس هدفى فى هذه المساحة، هو حصر ما تم فى مجال العدالة الاجتماعية، سواء فى التعليم أو الصحة أو الخدمات أو المرافق، ولا عدد المشروعات التى تم إنشاؤها لتوفير فرص العمل، سواء المشروعات القومية أو القلاع الصناعية الجديدة فى سيناء وصعيد مصر، ولا إعادة سرد الجهود المضنية التى بذلت لمجابهة الجشع والقضاء على الاختناقات فى الأسواق وبعضها طبيعى ومعظمها بفعل فاعل.


لكن يكفى أن أقول إن المشروعات القومية الكبرى فى مجالات الطرق والتشييد وإنشاء المدن الجديدة والموانئ والمطارات وغيرها، وفرت خلال السنوات الثلاث الماضية ثلاثة ملايين فرصة عمل، فتحت أبواب الرزق لأكثر من 12 مليون فرد من الأسر المصرية، بجانب ما توفره أساسا من بنية أساسية وبيئة ملائمة لجذب الاستثمارات، التى تستهدف منها زيادة معدلات تشغيل المصريين، وزيادة ايرادات الدولة بما يمكنها من الإنفاق على خدمات التعليم والصحة وغيرها ورفع مستوى معيشة الأسرة المصرية.


< < <


أما الإجراء الأكثر تعبيرا عن العدالة فى تقديرى، فهو حملة الـ 15 يوما التى أطلقها السيسى ضمن حربه على الفساد والظلم الاجتماعى، لإزالة التعديات على أرض الدولة، واستعادة حق الشعب من لصوص الأراضى وواضعى اليد الذين ارتكنوا على غيبة قانون وغيبوبة محليات وخراب ذمم، فاستولوا لأنفسهم ولأبنائهم على ما هو من حق كل المصريين.


أعاد السيسى بهذه الحملة التى ستتواصل حتى تنجز مهمتها بالكامل، الاحترام لسيادة القانون والهيبة للدولة والمهابة للقرار وأرسى المبدأ الذى لابد أن يسود فى بلد الثورتين وهو أن أرض الدولة لابد أن توزع ثمارها بعدالة على الجميع، وأن مال الشعب ليس نهباً لطائفة من المغامرين والمتنفذين والفاسدين.


< < <


هناك من يقول إن كل ذلك ملموس ومقدَّر، والقائلون منصفون وهناك من يقول إن كل ذلك لايزيل وطأة الغلاء ولا يبدد المعاناة التى تعيشها غالبية الأسر المصرية، والقائلون محقون. وهناك من يتساءلون أين الرفق والحنو مع الإجراءات الاقتصادية الصعبة كرفع سعر الكهرباء والوقود وتحرير سعر الصرف الذى أدى إلى ارتفاع أسعار السلع، وأصحاب السؤال معذورون، لأنهم لا يعرفون أن تلك الإجراءات الصعبة التى بدأت منذ عامين ضمن برنامج مدته 5 سنوات، تحمى -رغم مشقتها- من طريق أصعب ومصير مظلم.. لا يدركون أن من يغمض عينيه عن الإصلاح بدعوى الرفق والحنو، أشبه بمن يحجم عن تقديم العلاج لأحبائه من مرض عضال، بحجة أن الأقراص مُرة والحقن مؤلمة والشراب غير مستساغ!


برغم ضرورات الإصلاح -الذى لا غنى عنه- تستطيع الدولة إنقاذ الأجيال القادمة من ميراث دين يتفاقم، ولتقدر على الوفاء بالتزاماتها فى المعاشات والأجور، ولتتمكن من تطوير المرافق والخدمات لتحسين حياة المصريين.. لم يكن ممكنا أن تترك الفئات متوسطة الحال ومحدودة الدخل أسيرة لإجراءات اقتصادية صعبة وأخرى مكملة، وأن توضع الأسر المصرية تحت طائلة الغلاء دون معاونة تخفف عنهم آثاراً مؤقتة لتلك الإجراءات فى عام المصاعب الاقتصادية.


من هنا صدرت قرارات الثالث من رمضان، لترفع المعاشات 15?، وتزيد من قيمة معاش كرامة وتكافل، وتضيف علاوتين جديدتين، منهما علاوة غلاء إلى دخل العاملين بالدولة من الخاضعين وغير الخاضعين لقانون الخدمة المدنية، ليزداد بحد أدنى من 130 جنيها وحد أقصى 260 جنيها شهرياً، ورفع حد الإعفاء الضريبى إلى 7200 جنيه سنوياً، بما يعنى زيادة أخرى فى دخل العاملين.


< < <


وأظن الأيام المقبلة ستحمل أخباراً سارة أخرى فى إطار حزمة تحسين أجور ودخول طبقات الشعب، وتخفيف وطأة الغلاء عنه، وزيادة نصيب الفرد من السلع فى بطاقات التموين.


ربما لا تمضى شهور كثيرة، حتى يلمس الجميع أن المسار العسير الذى نجتازه، هو الدرب الوحيد لبناء حقيقى للدولة التى نريدها والمجتمع الذى ننشده، وحينئذ سيعلم من لم يكن يعلم معنى عبارة «أن يرفق ويحنو».

الرجوع الى أعلى الصفحة