الكاتب الصحفى ياسر رزق الكاتب الصحفى ياسر رزق

ورقة وقلم

يـــاســــــــــر رزق يكتب: بعض مما سمعته من بطل ثورة يونيو .. وقائع أخطر 4 أيام غيرت التاريخ

ياسر رزق الجمعة، 30 يونيو 2017 - 06:44 م

أحب أن أعود إلى أوراقى كلما حلت ذكرى يوم، لحسن حظى وحظ معاصريه أنهم عاشوه، هو يوم الثلاثين من يونيو 2013.

بالعودة، أدقق تواريخ، وأرتب مشاهد، وأسترجع نصوص أقوال، برغم أن الذاكرة تحفظ أكثر مما هو مدون، وتستعيده بالصوت والصورة، بالنبرات والألوان والظلال والحركة، مثلما الوجدان يختزنه بمذاقه الفريد و»عطره الأخاذ« وانفعالاته التى تعيد الحيوية لقلوب أضنتها الأيام.

أعشق الكتابة عن ثورة 30 يونيو وما سبقها وتلاها، وأعشق الكلام عنها أكثر، حتى مع أولئك الذين يعرفون أدق تفاصيلها.. تماما مثلما يعشق رفاق الأيام الحلوة اجترار ذكرياتها التى لا تعوض، وهل هناك أحلى ولا أروع ولا أعظم فى حياة أبناء هذا الجيل، من يوم 30 يونيو؟

عفو الخاطر أكتب، شذرات من أحداث لا يستوعب تفاصيلها مقال، ولقطات من مشاهد لا تفى بفصولها سطور.

[ 1 ] قلت للفريق أول عبدالفتاح السيسى: كيف رأيت ما جرى يوم الثلاثين من يونيو؟.. وكان سؤالى بعد أربعة أشهر من الثورة.

رد قائـلاً: «مـثــل كــل النــاس رأيــت مــا جــرى.

كان اهتمامى يومها ينصب على متابعة الأوضاع على الأرض، وتقويم التقديرات التى سبق التوصل إليها، والاستعداد للتدخل لتأمين المواطنين وحماية الممتلكات العامة، إذا ما حاول أى طرف الإخلال بالأمن وتهديد المواطنين والمنشآت. كانت التقديرات تتوقع نزول ما بين 4 إلى 6 ملايين مواطن، وكنت أتوقع حشوداً أكبر، لكن الذى حدث كان هائلاً، وكان نقطة فارقة فى تاريخ مصر».

يضغط السيسى على كلامه وهو يقول بالحرف: «الشعب المصرى خرج، لأنه خاف على وسطيته، خاف على مستقبله. محرك ثورة 30 يونيو أن الناس لم تعد تشعر أن البلد بلدها، فنزلت نزولاً غير مسبوق بعشرات الملايين، ووضعت من جديد القوات المسلحة أمام مسئوليتها التاريخية، إنفاذاً للإرادة الشعبية».

ثم يضيف قائلاً: «رأيت بسطاء، شباباً، أسراً، نخباً، ينزلون فى كل مكان، كأنهم يهاجرون من مكان خطر إلى حيث الأمان، يهاجرون من حالة إلى حالة أخرى.

رأيت النزول هجرة، من واقع موجود، إلى واقع جديد منشود، إلى الدولة المصرية المأمولة.

الناس نزلت لتقول: لا.. نحن لن نعيش بهذه الصورة. كانت الهجرة من واقع خافوا منه، إلى واقع جديد يأملون فيه».

.. على قدر ما سمعت من توصيف وتحليل لما جرى فى يوم 30 يونيو، لم أجد ما هو أصدق ولا أدق من كلمات السيسى.

[ 2 ]مهلة الأسبوع التى أعلنها السيسى يوم 23 يونيو، للاستجابة لإرادة الشعب، لم تكن هى المكاشفة الأولى لنظام الإخوان ولا التحذير الأول.

قبلها بأربعة أشهر، بالتحديد فى شهر فبراير، قال الفريق أول السيسى، للرئيس الأسبق محمد مرسى ما هو أقسى.

فى ذلك اليوم، قرر السيسى أن يقول كلمته دون أى حرج أو تحفظ، فقد استشعر أن عليه التزاما أخلاقياً ووطنياً أن يتكلم بكل وضوح، حتى لو أدى الأمر إلى تركه منصبه.

وقال لمرسى بالحرف: «مشروعكم انتهى، وحجم الصد تجاهكم فى نفوس المصريين لم يستطع أى نظام سابق أن يصل إليه، وأنتم وصلتم إليه فى 8 شهور».

أذكر أننى سألت المشير السيسى خلال لقاء مع بعض الإعلاميين قبيل استقالته من منصب القائد العام للقوات المسلحة للترشح للرئاسة، وكان ذلك فى شهر فبراير عام 2014: ألم تفكر يومها فى أن ما قلته حينئذ وما أعلنته بعد ذلك عن مهلة الأيام السبعة، قد تتسبب فى إقالتك من منصبك؟
فرد المشير السيسى بهدوء: «فى كل الأحوال لن أترك منصبى قبل الموعد الذى أذنه الله».. ثم نظر إلى جانبيه، حيث كان يجلس رئيس الأركان وقائدا الدفاع الجوى والقوات الجوية وقال: «لو كانوا أخرجونى من منصبى لوجدوا الفريق صدقى صبحى، ولو أخرجوه، لوجدوا الفريق عبدالمنعم التراس، أو الفريق يونس المصرى، ولو أخرجوهما لوجدوا غيرهما من قادة القوات المسلحة على نفس الموقف فى الانحياز لإرادة الشعب».

وأذكر فى أعقاب ثورة يونيو بثلاثة أسابيع أننى التقيت الفريق أول السيسى قبل 3 أيام من دعوته الجماهير للخروج وإعلان تفويضها له وللجيش والشرطة لمواجهة الإرهاب والعنف المحتمل.. وسألته لماذا فشل مشروع الإخوان؟.. فأجاب: «لأنهم تعاملوا مع المصريين، على أن الجماعة هى الحق وسائر المصريين على باطل، وأنهم الناجون وغيرهم هم الهالكون.. وهذا استعلاء بالإيمان».

[ 3 ] قبيل مهلة الأيام السبعة، التى أعلنها الفريق أول السيسى فى الندوة التثقيفية الخامسة للقوات المسلحة، كان القائد العام قد التقى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، واتفق مع أعضاء المجلس على وضع مبادرة، كفرصة للنظام، تتضمن المطالب التى يجمع عليها الناس، وكان سقفها الأعلى هو الاستفتاء على الرئيس مرسى، وكان السيسى يتمنى أن يستجيب لها ويعرض نفسه على الاستفتاء، فإذا وافق الشعب على بقائه لن يكون للمعارضين أى حجج.

قبل أن يعلن السيسى عن المهلة، ذهب إلى الرئيس الأسبق محمد مرسى وأطلعه على البيان. لم يغضب مرسى من فكرة المهلة لكنه تحفظ من رد الفعل.

غير أن مكتب الإرشاد كان له رأى آخر، بالأخص نائب المرشد خيرت الشاطر الذى طلب لقاء السيسى ومعه سعد الكتاتنى رئيس حزب الحرية والعدالة. وجرت وقائع هذا اللقاء العاصف فى مكتب القائد العام يوم الثلاثاء 25 يونيو.. وفيه أخذ الشاطر يتحدث لمدة ساعة كاملة مهدداً بلجوء الإخوان وحلفائهم إلى السلاح.. ورد عليه السيسى منفجراً: «ماذا تريدون؟!.. اهضموا ما أكلتموه قبل أن تفكروا فى مزيد الأكل. لقد خربتم البلد، وكرهتم الناس فى الدين. أنتم أعداء الدعوة الإسلامية، ولن أسمح بترويع الناس ولا إرهابهم. وأقسم بالله أن من يطلق رصاصة على مواطن أو يقترب من منشأة عسكرية، فلن يكون مصيره إلا الهلاك وكل من وراءه».

وحاول الكتاتنى التهدئة قائلاً: ما الحل؟.. فرد عليه السيسى: «أن تحلوا مشاكلكم مع القضاء والأزهر والكنيسة والقوى السياسية والإعلام والرأى العام».

فى نفس اليوم.. اتخذ المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالإجماع قراره: إذا نزل الشعب بعشرات الملايين إلى الشوارع والميادين مطالبين بسقوط الرئيس فسوف يؤيدهم الجيش.

ورد السيسى على القادة قائلاً: دعونى أواصل جهودى عسى أقنع الرئيس بمطالب الجماهير.

[ 4 ] يوم 26 يونيو، كان أطول الأيام فى أسبوع الحسم قبل ثورة يونيو.
فى الصباح التقى السيسى مع مرسى لمدة ساعتين، قبيل إلقائه خطابه الشهير فى مركز المؤتمرات الدولية، أمام حشد من قيادات الإخوان وحلفائهم.

أخذ السيسى يحاول إقناع الرئيس بصيغة خطاب تصالحية مع الناس، يمكن أن تكون مخرجاً مقبولاً.
وأظن قد يحين وقت يعلن فيه عن نص هذا الخطاب.

وأنهى مرسى الاجتماع قائلاً: «الدكتور الكتاتنى سيأتى، وكل ما تقوله سنفعله».

دُعى السيسى لحضور الخطاب، واستجاب برغم أنه ليس فى مناسبة قومية يحضرها وزير الدفاع.. وقبل دخوله إلى القاعة قال الكتاتنى للقائد العام: «كل اللى قلته هنعمله».

وعندما تحدث مرسى عند منتصف الليل.. فوجئ السيسى بأن كل ما قيل مسحته أستيكة مكتب الإرشاد، وجاء خطاب مرسى مغايراً تماماً لكل ما اتفق عليه، عدا عبارة اعتذار فى بدايته.

لاحظ ملايين المشاهدين ابتسامة السيسى مما يقول مرسى فى خطابه الغريب.. وسألت السيسى فيما بعد عن سر هذه الابتسامة.. فأجاب: كانت ابتسامة دهشة مما أسمع.. وقلت لنفسى: «خلاص هما كده بيهددوا الشعب».. وأدركت وقتها أن اللحظة الحاسمة ستكون يوم 30 يونيو.

برغم أن لسان حال السيسى كان يقول: «مفيش فايدة».. إلا أنه لم يعلن عن تدخل الجيش ليل الثلاثين من يونيو بعد انقضاء مهلة الأيام السبعة.. وقرر تمديد المهلة من جديد.. لعل وعسى!

[ 5 ] ربما لا يعلم الكثيرون، أن بيان الأول من يوليو الذى أعلن بصوت مذيع عسكرى ليعطى مهلة مدتها 48 ساعة للرئيس مرسى ونظام الإخوان للاستجابة لمطالب الشعب، قد شاهده مرسى والسيسى معا فى غرفة واحدة على شاشات التليفزيون.

فى ذلك اليوم.. ذهب الفريق أول السيسى مجددا إلى الرئيس مرسى، وأطلعه على بيان المهلة الجديدة.

كان السيسى يرى مخاطر شديدة تحيق بالبلاد، وكان يعتقد أن إعطاء فرصة جديدة لإيجاد مخرج أمر أفضل للبلد.

استمع مرسى إلى صيغة البيان، ثم شاهدها تتلى على شاشة التليفزيون، فأبدى استياءه وغضبه من البيان.

ورد عليه السيسى قائلاً: «أمامنا 48 ساعة نحل المسألة، لأن الناس نزلت يوم 30 يونيو بأعداد ضخمة جداً».

وعقب مرسى قائلاً: دول كلهم 120 ألفاً! فقال السيسى: سأحضر لك سيديهات لمشاهد مصورة من الطائرة لحجم المتظاهرين.وكان رد مرسى العجيب: كلها «فوتو شوب»! .. فى نفس اليوم.. التقى الفريق أول السيسى ومعه اللواء محمود حجازى مدير المخابرات الحربية، بالرئيس مرسى بناء على طلبه.

أيقن مرسى أن أسلوب الوعيد لا ينفع مع السيسى ورجاله.. فلجأ إلى أسلوب «ذهب المرشد»!
أخذ رئيس الجمهورية الذى عزله الشعب، يراود القائدين عن شرفهما العسكرى.. قائلاً: اطلبوا أى حاجة أنتم عايزينها. كل اللى عايزينه «حاتخدوه»!.. ورد عليه السيسى وحجازى: «نحن لا نريد إلا مصلحة بلدنا وشعب مصر».

.. هذا الأسلوب هو نهج أصيل فى چينات جماعة الإخوان.

قبل ذلك اليوم بستة أشهر.. طلب خيرت الشاطر لقاء اللواء محمود حجازى فى مكتبه بإدارة المخابرات الحربية والاستطلاع. وسأله حجازى: ما السبب؟.. فرد الشاطر: سأشرب معك فنجال قهوة!
كان الشاطر يتمنى أن يحدث شقاً فى الصف المتراص لقادة الجيش، مثلما كان الإخوان ومرسى يتوهمون حتى اللحظة الأخيرة.. لكن الفشل المحتوم كان مصير رهاناتهم الخائبة!

ذهب الشاطر فى الموعد المحدد إلى مكتب اللواء حجازى.. وعندما دخل إلى المكتب، امتقع وجهه وهو يشاهد الفريق أول السيسى هو الذى يجلس إلى المكتب!

أخذ الشاطر يتلعثم فى الكلام.. وطلب له السيسى فنجال قهوة.. ورشفها الشاطر بسرعة.. وقال له السيسى: «أخذت قهوتك؟.. اتفضل!»

[ 6 ]آخر لقاء بين السيسى ومرسى كان يوم 2 يونيو، قبل 24 ساعة من انقضاء المهلة الأخيرة.
حاول السيسى معه كثيراً ليقنعه بالاستجابة لمطلب إجراء استفتاء شعبى على رئاسته، أو القبول بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، دون جدوى.

أذكر أننى قلت للفريق أول السيسى فيما بعد: المهلة الثانية جاءت بعد انتهاء صلاحية مطلب إجراء الاستفتاء على رئاسة مرسى.. كيف كنت ستواجه الشعب الذى صار مطلبه يوم 30 يونيو زوال نظام الإخوان بالكامل، لو كان مرسى وافق على الاستفتاء؟ ورد الفريق أول السيسى قائلاً: كنت سأخاطب الشعب، وأظن أننى كنت سأقنع الجماهير، لو كان وافق!

صبيحة يوم الثالث من يوليو.. أمضاها السيسى فى انتظار تلقى نتائج اتصالات 3 شخصيات من المقربين لمرسى، طلب منها التوسط لإقناعه بقبول الاستفتاء أو الانتخابات الرئاسية المبكرة. لكن كل الوساطات فشلت، فقد كان كل ما لدى مرسى هو إجراء تعديل وزارى، والدعوة إلى انتخابات برلمانية وليس رئاسية.. وهذا ما سمعته بأذنى بعد ظهر يوم الثالث من يوليو من أحد الوسطاء الثلاثة وهو الدكتور أحمد فهمى رئيس مجلس الشورى السابق وصهر مرسى!

[ 7 ]عصر يوم الثالث من يوليو، التقى السيسى لأول مرة، بقيادات حركة تمرد، مع جمع من ممثلى فئات وطوائف الشعب المصرى، الذين توافقوا بعد اجتماع 5 ساعات على صيغة بيان صدر فى هذا اليوم متضمنا خارطة المستقبل ومراحلها.

حتى اللحظة الأخيرة.. كان السيسى يرجو أن يتغير موقف مرسى ونظام الإخوان... لكن رجاءه خاب فيهم.. لتصدق توقعاته التى كان يأمل أن تخيب!

توقع السيسى فى وقت مبكر أن تتغلب مصلحة الجماعة لدى مرسى على مصلحة الشعب.
أذكر أننى كنت أحادث الفريق أول السيسى تليفونياً فى الأسبوع الأخير من يونيو 2012 قبيل أداء مرسى اليمين الدستورية.

وقلت له: هل تعتقد أن مرسى يقدر أن يصير رئيسا لكل المصريين، وأن يتحرر من سطوة الجماعة والمرشد؟

رد السيسى على السؤال بسؤال أكثر عمقا: المسألة ليست هل يقدر.. وإنما هل هو يريد أصلاً!
.. صدقت رؤية السيسى منذ الأسابيع الأولى لحكم مرسى وحتى اليوم الأخير، برغم كل ما بذل من جهد وقدم من نصائح وأعطى من فرص.

وأثبت نظام المرشد أن ولاء الإخوان -على حد قول السيسى- هو للجماعة وليس للشعب، وأن أفكارهم ومعتقداتهم لا تعترف بوطن ولا حدود.

.. بحضور ممثلى فئات وطوائف الشعب، وأمام عشرات الملايين من المصريين، ومئات الملايين من شعوب العالم.. أعلن السيسى بيان الثالث من يوليو الذى توافقت عليه إرادة ممثلى الشعب، ليجنب البلاد خطر اندلاع حرب أهلية، كان يتوقع حدوثها فى غضون شهرين لو لم يتدخل الجيش لإنفاذ إرادة الشعب.

وعقب إلقاء البيان الذى تلاه السيسى من مبنى القيادة المشتركة فى الساعة الثانية مساء.. توجه إلى منزل والدته رحمها الله.

ذهب إليها السيسى يستمد منها عزماً فوق عزم ويأخذ البركة، كما اعتاد طوال حياته معها.

كانت السيدة الفاضلة رحمها الله، فى حالة صحية لا تسمح لها بقراءة الأحداث، لكنها أحست بمشاعر ابنها.. ودعت له: «ربنا يحميك من كل شر».
.. اللهم آمين.


الرجوع الى أعلى الصفحة