د. محمود اسماعيل استاذ الاعلام وثقافة الطفل بجامعة عين شمس د. محمود اسماعيل استاذ الاعلام وثقافة الطفل بجامعة عين شمس

أمة تقتل أطفالها

بقلم د. محمود إسماعيل السبت، 08 يوليه 2017 - 05:44 م

الأطفال هم ثروة الأمم خصوصًا أمة العرب التي بنت حضارتها بعقول وسواعد أبنائها خاصة الشباب، فهناك أطقال عرب غيروا وجه العالم ببطولاتهم ومواقفهم الإنسانية، لم يفكروا بأن كونهم مجرد أطفال يعني قلة حيلتهم وعجزهم، بل تحملوا المسؤولية، وكان على بعضهم مواجهة المخاطر بشجاعة في سبيل إحداث التغيير.
فتيان وفتيات لم يقفوا مكتوفي الأيدي إزاء المشاكل التي يواجهها مجتمعهم، بل استطاعوا بأفعالهم الإنسانية البسيطة الصادقة، وبقليل من مساعدة الظروف، تغيير مجتمعهم وإيصال رسائلهم للعالم وأن يصبحوا قدوة لأترابهم من الأطفال وللكبار أيضاً، من هؤلاء، عبد الرحمن الناصر 21 سنه، كان عصره هو العصر الذهبي في حكم الأندلس، وقد قضي فيها على الاضطرابات، وقام بنهضة علمية منقطعة النظير لتصبح أقوى الدول في عصره. ومحمد الفاتح 22 سنه، فتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية التي استعصت علي كبار القادة حينها.
وأسامة بن زيد 18 سنه، قاد جيش المسلمين في وجود كبار الصحابة كأبي بكر وعمر بن الخطاب، ليواجه أعظم جيوش الأرض حينها. وأيضا محمد القاسم 17 سنه، فتح بلاد السند وكان من كبار القادة العسكريين في عصره.
وهناك سعد بن أبي وقاص 17 سنه، أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان من الستة أصحاب الشورى وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشير إليه قائلاً " هذا خالي فليرني كل امرؤ خاله". والأرقم بن أبي الأرقم 16 سنه، جعل بيته مقراً للرسول صلي الله عليه وسلم 13 سنة متتابعة، وزيد بن ثابت 13 سنه، أصبح كاتب الوحي وتعلم السريانية واليهودية في 17 ليلة وأصبح ترجمان الرسول صلي الله عليه وسلم، حفظ كتاب الله وساهم في جمع القرآن وغيرهم كثير وكثير قامت الحضارة الإسلامية علي أكتافهم.
أما الآن فقد همشنا أطفالنا وبعدنا بهم عن دوائر البطولة والإبداع، بل الأكثر من ذلك أن أصبحنا أمة قاتلة لأطفالها، سواء بإهمالهم أو هدر حقوقهم، أو استعمال العنف ضدهم لدرجة قتلهم.
قتل العرب في سوريا منذ اندلاع الحرب هناك 25 ألف طفل، وأكدت اليونيسيف أن الأزمة السورية جعلت 2.4 مليون طفل لاجئين من أصل 8.4 ملايين طفل سوري أي ما يقدر بنحو 80% من عدد الأطفال المتضررين من النزاع السوري. وفي فلسطين- التي ضيعها العرب- اعتقلت قوات الاحتلال في الفترة ما بين عام 2000م، وحتى عام 2016م، أكثر من 12000 طفل، وما زال في سجون الاحتلال 480 طفلاً، فيما تعرض 95% منهم للتعذيب والاعتداء خلال حملات الاعتقال والتحقيق وانتزاع الاعترافات بالإكراه أثناء استجوابهم.
 وظاهرة استهداف العرب أطفالهم في الحروب مازالت مستمرة، فأطفال فلسطين كانوا وما يزالون ضحايا حرب مزمنة، ومع توسع دائرة الحروب يسجل الضحايا من الأطفال أرقاما مفجعة في مناطق الصراع، وتزداد المأساة الإنسانية حين يودع الأطفال الطفولة ويرتدون الزي العسكري في الجبهات.
وتتزايد معدلات تجنيد الأطفال في العديد من الدول العربية بتصاعد حدة الصراعات، ورغم عدم وجود إحصائيات دقيقة وشاملة إلا أن تقارير أصدرتها منظمة (اليونيسيف) تؤكد على أن كافة أطراف النزاع في دول الصراعات (ليبيا، اليمن، العراق، سوريا..)، تقوم بتجنيد الأطفال من الإناث لخدمة الجناة سواء في الأعمال المنزلية أو في المعاشرة الجنسية، أما الذكور فيستخدمون حمالين وجواسيس أو يستخدمون »لمرة واحدة« كدروع بشرية وفي العمليات الانتحارية، بالإضافة إلى تحويلهم جنودًا في حروبها، بشكل عام.  
إن أبرز آثار الحروب والمعارك في الدول العربية، هي إنتاج جيل كامل فاقد لطريقه، وفاقد لآفاق مستقبل يحلم به، ومنزلق نحو الخوف والكراهية والظلم واليأس إلى مستويات تنذر بعواقب كارثية مستقبلا مثل: التفكك الاجتماعي والانحلال الأخلاقي والتخلف.
أفيقي يا أمة العرب وأوقفي حروبك وأنقذي ما تبقي من أطفالك، فلا سبيل للنهوض ولا أمل في استعادة الأمة إلا بالحفاظ علي أطفال الأمة ورعايتهم، عسي أن يخرج من بينهم مرة ثانية أسامة وخالد والفاتح والناصر والأرقم.

الرجوع الى أعلى الصفحة