الكاتب الصحفى عمرو الخياط رئيس تحرير اخبار اليوم الكاتب الصحفى عمرو الخياط رئيس تحرير اخبار اليوم

عمرو الخياط .. عقدة السلطة

عمرو الخياط الجمعة، 20 أكتوبر 2017 - 09:03 م
يبدو أن بعض الناشطين سياسيا وإعلاميا يعاني من مشكلة اجتماعية مزمنة نشأت وترعرعت معه منذ الصغر، ونتجت عن أزمة أسرية تعرض لها فولدت لديه عقدة أساسها السلطة الأبوية، فانعكست علي علاقته بفكرة السلطة بوجه عام، وتجلت تلك العقدة عندما تنامي شعوره بالاضطهاد من أي سلطة خاصة سلطة الدولة، فسيطر عليه شعور مستمر بالرغبة في الانتقام من أي سلطة أو إشباع ذاته بحالة من الندية مع تلك السلطة خشية وقوعه تحت طائلة الاضطهاد مرة أخري، وقد تنامت عقدة السلطة مع تلك النماذج خاصة أن الظروف الأسرية والمجتمعية لم تسمح لهم بالانتقام من الأب الذي كان يمثل تلك السلطة، وبمرور الزمن ورغم خروجهم من عباءة السلطة الأبوية إلا أن الرغبة في الانتقام ظلت مصاحبة لهم ولم تجد إلا الدوله لإشباع تلك الرغبة الناتجة أساسا عن خلل أسري.

أحدهم إعلامي شهير يجاهر في لقاءاته بمأساته مع والده الذي انفصل عن والدته فتحملت عناء تربيته وتعليمه وحدها، ثم يستفيض في عرض قسوة التجربة التي عاشها بعد عزوف والده عن الإنفاق عليه رغم ثرائه، وبمرور الوقت حجز لنفسه مكانا في قائمة المشاهير وراح يطل عبر الشاشات منتقدا ومهاجما الدولة متحصنا بشهرته مستغلا الفرصة للانتقام من فكرة السلطة التي طالما مثلت له حالة من الظلم والإجحاف غير المبرر، وظل هذا الإعلامي يتقدم في العمر وشهرته تزيد وعقدته تتضخم معه وتسيطر عليه.

بينما ناشط آخر من أشهر منتجي التغريدات عبر حسابه بموقع تويتر، ابتلاه ربه بعيب خلقي في وجهه، وفي إحدي تغريداته عبر عن حالة الحرج التي ظل أسيرا لها منذ مخالطته لأقرانه من الأطفال الذين اتخذوا من عاهته مادة للسخرية، فنمت بداخله حالة من السخط تجاه والديه ظنا أنهما سبب في ذلك العيب، وأخذت حالة السخط تنمو معه حتي انتقلت إلي علاقته بالدولة التي مثلت له بديلا للسلطة الابوية التي لم يتمكن من الانتقام منها ومعاقبتها فوجه سلوكه الانتقامي تجاه الدولة لتخفيف وطأة عقدته.

• • •

وناشط ثالث ساقته جرائمه إلي السجن بعد أن ظن أن العمل الثوري هو هدف وليس وسيلة للتغيير، بل أن العمل الثوري لابد أن يستمر بلا نهاية لتوفير مظلة اللاقانون واللادولة فتكون الجرائم مباحة والدولة مستباحة، بعدما وجد نفسه منبوذا من أسرته الإخوانية التي ترعرع فيها وانتمي لها ولما عاد إلي رشده في لحظة نادرة لم تستمر طويلا وقرر الانفصال عن التنظيم الإخواني فتعرض للطرد والقطيعة من والديه فانضم إلي حركة ٦ إبريل نازحا من موطنه الأصلي بمحافظة البحيرة  واستغلها للانتقام من الدولة بعد أن عجز عن إشباع رغبته الانتقامية من السلطة الأبوية.

وسياسي آخر يمت بصلة قرابة حميمة لرئيس مصري سابق كان سببا في حبس والده في قضية فساد كبري فتولدت لديه عقدة ،لأن والده الذي كان يمثل  له السلطة الأبوية أصبح مصدراً للخزي والعار بعد انكشاف فساده، وأخذت تلك العقدة في التنامي وتلازمها رغبة في الانتقام من كل مايمثل السلطة حتي إنه لم يتورع عن الاستقواء بالسفارات والمنظمات الأجنبية لعلها تنصره علي من يمثل السلطة في وطنه، وتضخمت تلك العقدة إلي حد وصولها لرغبته أن يكون هو نفسه أحد ممثليها معتقدا قدرته علي إدارتها وكبح جماحها نحوه، ورغم أن الرئيس الأسبق الذي يمت له بالقرابة كان سببا في حبس والده إلا أنه لم يكف لحظة عن استغلال اسمه.

• • •

أطياف مختلفة من مشاهير السياسة والإعلام ممن يحتفظ  الكاتب بأسمائهم وسيرهم الذاتية جمعتهم حالة الرغبة الشديدة في الانتقام من كل ما قد يذكرهم بمعاناة السلطة الأبوية المجحفة، التي سيطرت علي عقولهم ونفوسهم لسنوات طويلة فانفجرت نفوسهم  المضطربة في وجه المجتمع ،خاصة بعد ان حققت لهم تلك الحالة قدرا ليس باليسير من الشهرة المجتمعية فأدخلتهم في مرحلة من التعقيد المزدوج الذي اختلطت فيه عقدة الرغبة في الانتقام من السلطة بشهوة الاستمتاع ببريق الشهرة خاصة بعد أن جلبت لهم تلك الحالة قدرا من الثروة التي منحتهم رصيدا ليس بالقليل من القوة والطمأنينة، وسمحت لهم بالتواجد في مساحات مجتمعية مكنتهم من تقمص حالة الندية مع أشخاص طالما مثلوا لهم رمزا للسلطة.

• • •

نحن أمام حالة نفسية قبل أن تكون سياسية، نحن أمام مجموعات وقعت أسيرة لتلك العقدة التي خرجت بها الي المجتمع قادمة من بيوت وأسر تعاني اضطرابا سلوكيا نشأ عن علاقة غير سوية بين أب وأم انعكست طبيعة العلاقة المتوترة بينهما سلبا علي مفهوم السلطة في أذهان الأبناء فولدت لديهم حالة عداء مبكّر وتحفز استباقي لكل مايمكن أن يمثل نوعا من السلطة بعدما نشأوا في أسر سيطر عليها الخلل الاجتماعي متمثلا في المظاهر التالية :

أب يمثل السلطة يتخلي تماما عن مسئولياته المادية والمعنوية.

أب متعمد إهانة الأم وتحقيرها بشكل مستمر.

أب منسحق الشخصية تماماً ومهان أمام أبنائه.

أب منحرف السلوك وتم افتضاح أمره أمام أبنائه فحدثت الصدمة.

أب يتولي مسئولياته المادية فقط دون أي احتواء معنوي أو اجتماعي وبالتالي فإن أي مصدر بديل للاحتواء المادي سيكون محل انجذاب.

أب أمعن في إهانة وسحق شخصية الأبناء وبالتالي فإن أي مصدر لإشعارهم بقيمة معنوية يكون أيضا محلا للانجذاب.

هكذا عانت تلك النماذج من تشوه اجتماعي وأسري أدي إلي إصابتهم بحالة مستمرة من التحفز المستمر تجاه كل مايمثل السلطة.

لكن السلوك الناتج عن هذه الحالة لا يمكن أن يكون وسيلة التواصل مع الدولة والتعاطي معها، المكايدة والتحفز الجائز حدوثهما بين الأشخاص    ليس لهما محل في علاقة المواطن بوطنه، التي يجب أن يحكمها القانون ودولة المؤسسات، الساحة السياسية يجب أن تكون محلا للعمل الوطني المستند لحالة فكرية ينضجها الزمن وتجاربه، ولا ينبغي أبدا أن تكون مجالا للتخلص من التعقيدات النفسية أو المراهقة السياسية، التعاطي مع الدولة لايستقيم أن تحكمه دوافع انتقامية استباقية.




الاخبار المرتبطة




الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة