ياسر رزق ياسر رزق

ورقة وقلم

ياسر رزق يكتب: عين الرئيس.. المنصورة والريفييرا.. وجائزة السيسي الأفريقية

ياسر رزق السبت، 15 سبتمبر 2018 - 09:13 م

١


يحمل الرئيس السيسي في جيبه مفكرة صغيرة.
بها يدون ملاحظاته على ما يرى أو يسمع في مناسبة أو احتفال.
يوم الأحد الماضي، كان الرئيس يستطيع أن يسجل ما يلحظ من مآخذ، خلال افتتاح الطريق الدائري الإقليمي بمنطقة الخطاطبة، ومعه مشروعات عديدة أخرى للطرق والكباري من الإسكندرية إلى أقاصي الصعيد، ثم يسأل عنها رئيس الوزراء ووزير النقل ورئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، عقب انتهاء الاحتفال، ويطلب إجراء التعديلات أو الإصلاحات اللازمة، دون أن يدري أحد من عموم الناس بوجود سلبية بسيطة أو مآخذ للرئيس لا يلحظها غيره على مشروع ضخم وهائل.

لكن الرئيس السيسي آثر أن يبوح بملاحظاته علنا، وعلى الهواء أمام كاميرات التليفزيون ويطلب ردودا وإجابات فورية عنها من المسئولين، حتى لو كانت كل المسألة تتعلق بضيق منزل كوبري أو اعتداء على جزء محدود من حرم الطريق.

يعلم الرئيس أنه يحادث المسئولين ومعهم أيضا عشرات الملايين من المواطنين الذين يشاهدون التليفزيون، ويعلم أن هناك من يترصد لأي إنجاز ويسعى جاهدا لقلب المنجزات إلى إخفاقات، ويدرك الرئيس أن ملاحظاته قد تكون زادا لهؤلاء في معارك طواحين الهواء على وسائل التواصل الاجتماعي.

كل ذلك دار في رأسه، قبل أن يتحدث ويسأل، غير أنه لم يتردد لحظة، وبادر وساءل واحتد.

هذه هى طبيعة الرجل.

يسعى للكمال في كل ما يقع على عاتقه من مسئولية، ويفتش عن أوجه نقص فيما يظن غيره أنه مكتمل.

هذه أيضا طبيعة الرئيس.

يكاشف الناس ويفاتح الجماهير، إيمانا بأنهم أصحاب الحق والمصلحة في كل ما يجري على أرض مصر، ويبوح أمامهم بأي وجه للقصور في أي شيء، لأنهم شركاء معه في العمل والإنجاز، سعيا لتلافى أي نقص فيما هو قادم من أعمال ومشروعات، ورغبة في تعميق وعى المواطن بكل ما يجرى على أرض بلاده.

ولعل احتفاء الرئيس السيسي بوصف الشاب ابن قنا لحالة الطرق الداخلية بالمحافظة دليل على كل ما سبق، حتى لو كان الوصف هو أنها متهالكة.

أبرز ما يلفت الانتباه في وقائع الافتتاحات وملاحظات الرئيس، هو عين السيسي!

المعروف عن الرجل أنه بعيد النظر، صاحب رؤية يستشرف بها المستقبل، ويبنى على أساسها حسابات الحاضر ويحدد خطوات اليوم.
ارجع إلى كل ما جرى على أرض مصر منذ تولى المسئولية، وإلى كل ما تحقق من تحديث للقوات المسلحة منذ تسلم قيادتها العامة، ثم قيادتها العليا، وقارن بين وضع مصر الداخلي والإقليمي والدولي منذ ٤ سنوات، وأحوالها الآن، وسوف تدرك بمنتهى السهولة معنى بُعد نظر السيسي وعمق رؤيته.

لكن الذي لم يكن معروفا عنه على نطاق واسع ولعله أهم مزاياه ومواهبه الشخصية، هو أنه صاحب عين مدققة، لا يشغلها مجمل الصورة مهما بلغت روعتها، عن النظر إلى أدق تفاصيلها مهما صغر حجمها.

يحظى السيسي - ما شاء الله - بعين لها قدرة فطرية، على التقاط الخطأ، في أي مشهد مهما كانت سرعة كادراته مثلما لها القدرة على النظرة الشاملة رباعية الأبعاد، لا يلهيها الخطأ، عن الإصلاح والاستمرار، الذي لا يفوت الصغيرة، لا تفلت منه كبار الأمور.

 

2

 

الآتي بالطائرة من أوروبا إلى مصر، يلحظ بسهولة عند دخوله الأجواء المصرية، نقطة التقاء رمال الساحل المصري بمياه البحر المتوسط، في أقصى شمال الدلتا، عند المنطقة المحصورة بين مدينة دمياط وبحيرة البرلس.

في كل مرة أعود من أوروبا، أحرص على أن أطل - إذا كنت قريبا من نافذة الطائرة - على تلك المنطقة رائعة الجمال الخالية - تقريبا - من السكان.

ولقد سعدت كثيرا عندما سمعت قبل عامين عن إنشاء مدينة جديدة شمال الدلتا في هذه المنطقة هى المنصورة الجديدة على ساحل البحر المتوسط غرب دمياط وشمال المنصورة التاريخية.

وأعتقد أن الرئيس السيسي عندما كان يتحدث عن مصر أخرى غير التي نراها في 2020، أي بعد عامين، كانت في مخيلته مع العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وربما قبلهما، مدينة المنصورة الجديدة.

دون حاجة إلى شرح أو استدعاء أسانيد، أظن أن المنصورة الجديدة هى أهم مشروعات التنمية العمرانية على الإطلاق في برنامج مصر 2030، فهى عاصمة للدلتا دون منازع، تطل بساحل عريض على البحر المتوسط، على مرمى حجر من موانئ الساحلين الشرقي والجنوبي لهذا البحر الأهم عالميا، وعلى مسافة لا تزيد على 180 كيلومترا من القاهرة، ولا تحتاج مشروعاتها السكنية والتجارية والاستثمارية إلى ترويج، فبمجرد طرحها، سوف تكون ساحة تكالب لاقتنائها بين أبناء محافظات الدلتا، بالأخص محافظة الدقهلية المعروفة بثراء أبنائها.

وأظن أنه باكتمال عقد مدن الساحل الشمالي من رأس الحكمة وحتى شرق بورسعيد امتدادا إلى العريش، سيكون لمصر كورنيش متصل على ساحل طويل ممتد، أشبه بريڤييرا جنوبية للمتوسط، تضارع الريڤييرا الشمالية لسواحل شمال إسبانيا وجنوب فرنسا وشمال غرب إيطاليا على المتوسط.

 

3

 

كلما زرت بلداً أفريقياً، أو حل رئيس أفريقي ضيفاً على مصر، سمعت اسم الزعيم الراحل عبدالناصر مقروناً بعبارات التقدير والإكبار.
ففي عصر عبدالناصر، كانت مصر حاضنة لحركات التحرر الأفريقية ضد الاستعمار، وكانت داعمة لمشروعات البناء والتنمية البشرية في القارة، بالكوادر المصرية وبالتدريب للأشقاء الأفارقة وبإنشاء مشروعات بسيطة كالمستشفيات ومحطات المياه، في مختلف الدول الأفريقية.

وخلال السنوات الخمسين الماضية، توارى البعد الأفريقي في أولويات السياسة الخارجية المصرية بالذات منذ محاولة اغتيال الرئيس الأسبق حسنى مبارك في أديس أبابا على أيدي التنظيمات الإسلامية المتطرفة عام 1995، ولم نعد نسمع حتى وقت قريب إلا عن مشروعات رمزية مصرية تقام في دول أفريقية، بينما تعالت الأصوات تحذر من تغلغل قوى إقليمية في القارة الأفريقية على حساب المصالح المصرية والأمن القومي المصري.

اختلف الأمر.. منذ تولى الرئيس السيسي المسئولية في مصر، ووجدناه يحرص على حضور القمة الأفريقية السنوية بأديس أبابا ومعظم القمم التي تنعقد في منتصف كل عام بإحدى العواصم الأفريقية، وتعددت زيارات الرئيس إلى دول القارة، وعاد الرؤساء الأفارقة إلى التوافد على مصر.

وبينما تولى الرئيس السيسي منصبه ومصر معزولة عن محيطها وعضويتها مجمدة في الاتحاد الأفريقي، استعادت مصر عضويتها بعد أسابيع معدودة من انتخاب الرئيس.

وفي يناير المقبل، يتسلم الرئيس السيسي رئاسة الاتحاد الأفريقي من الرئيس الرواندي بول كاجامي، خلال الجلسة الافتتاحية للقمة الأفريقية الثانية والثلاثين التي ستعقد في العاصمة الإثيوبية.
وهذه هى المرة الأولى التي تتولى فيها مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي منذ 25 عاماً مضت، حين تركت رئاسة منظمة الوحدة الأفريقية عام 1993، بعدما تسلمتها دورتين متتاليتين.

أعلم أن مؤسسة الرئاسة والدبلوماسية المصرية تعدان ملفاً شاملاً للتعامل الجاد الفعال مع القضايا الأفريقية خلال فترة تولى الرئيس السيسي رئاسة الاتحاد الأفريقي.

لكنى أود أن أطرح أفكارا محدودة لها صفة الاستدامة والارتباط المباشر بالعلاقات المصرية الأفريقية، أثناء وبعد رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي.

> أولاً: التوسع في مهرجان السينما الأفريقية الذي يقام سنوياً بالأقصر، دون ميزانية كافية ودعاية لائقة، وتحويله إلى مهرجان عالمي ضخم، مع إنشاء مهرجان آخر للأغنية الأفريقية أقترح أن يقام في أسوان كل شتاء، مصحوبا بمسابقات لفرق الفنون الشعبية بدول القارة.

> ثانياً: تنظيم قمة سنوية على أرض مصر بجانب قمتى الشتاء والصيف الأفريقيتين، تخصص للشباب الأفريقي، يتم الإعداد لها جيداً، وتخصص كل قمة لموضوع يتعلق بأولويات اهتمام الشباب، ولعل تلك القمة السنوية، تفرز قيادات أفريقية شابة، تتولى المسئولية في بلادها في المستقبل القريب.

> ثالثا: إحياء الإذاعات الموجهة لدول القارة باللغات الإفريقية، وإطلاق قناة ثقافية إخبارية موجهة باللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى دول القارة، تبث برامج ثقافية وأفلاما تسجيلية ومسلسلات درامية مصرية مترجمة أو مدبلجة.
> رابعاً: إنشاء جائزة كبرى باسم جائزة السيسي الأفريقية، تقدم جوائزها في مجالات العلوم والفنون والآداب والسلام، على غرار جائزة نوبل، ويتم تمويلها من الحكومة المصرية وتبرعات المستثمرين المصريين في أفريقيا وغيرهم.

وأظن هذه الجائزة سيكون لإطلاقها دوى كبير في أوساط النخبة العلمية والثقافية والسياسية الأفريقية، لاسيما وأن الأفارقة محرومون من جنة نوبل إلا قليلاً.

ويمكن تشكيل مجلس أمناء لهذه الجوائز من كبار العلماء والمفكرين والفنانين الأفارقة، ولجان تحكيم لكل فرع، مع تنظيم حفل سنوي لتوزيع الجوائز ربما يكون من المناسب أن يقام في مكتبة الإسكندرية.

 

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة