فيلم "مامانج" الفلبين فيلم "مامانج" الفلبين

في إطار مهرجان القاهرة السينمائي الـ40..

الفيلم الفليبيني «مامانج».. أحزان طاغية وصورة شاعرية

منال بركات الأحد، 25 نوفمبر 2018 - 12:17 م

في كلمات قبل عرض فيلم "مامانج" الفلبيني، أخبرتني المخرجة ”دينيس أوهاروا" أنها قامت بتصوير هذا العمل الفني في سبعة أيام متواصلة بعد أن وضعت جدولا شديد الحبكة، وكانت هناك أمطارا متواصلة، ولكنها عملت بجهد كبير لخروجه للنور.

ولأنها دارسة للأدب المقارن وتكتب الشعر، جاء فيلمها لوحة شاعرية شديدة الخصوصية ملئ بالتفاصيل الدقيقة الناعمة واللمسات الأنثوية التي تؤكد على أن خلف هذا العمل امرأة مرهفه الحس ذو نظره ثاقبة للحياة، وفي ذات الوقت غير تقليدية.

نعم هي مخرجة غير تقليدية في تناولها قصة امرأة تعيش مع وحيدها في بيت منمق كبير، لتتكشف الحقائق واحدة تلو الأخرى.

تبدأ الأحداث بإطلالة على منزل "مامانج" من الخارج موضحا المستوى الاجتماعي لهذه السيدة، فالمنزل في حي راق ذو حديقة منمقة ، ومن الداخل تبدو من اللوحات والبيانو والأثاث أن صاحبته ذو مكانه رفيعة وعيشة رغداء، ولكن ما هي مشكلتها، وهى تعيش مع وحيدها "فيردي" الشاب الرقيق المطيع والمدلل لوالدته بكل الحب، ونعرف من مجريات الأمور أن مامانج مصابة بالزهايمر تفقد إحساسها بالوقت والزمن تنسي الأشياء وتتوهم أشياء، تسمع أصوات من الماضي تشاهد، شخوص رحلوا عن عالم الأحياء، وبعيدا عن آثار الزمن البادية على ملامحها فهي سيدة حلوة التقاطيع تحرص على ارتداء ملابس زاهية الألوان، ولكنها حزينة و ترفض الحياة، وطوال أحداث الفيلم يسعى فيردى على مساندتها للتمسك بمباهج الدنيا.

تلك كانت القراءة الأولى لأحداث الفيلم، ثم نلحظ مشكلة فيردي الذي يبحث عن عملا بعيدا عن بلدته، لأنه لن يجد من يوظفه بعد المشكلة التي حدثت له، لم نعرف من مجريات الأحداث ما هي تلك الأزمة التي تسببت له في ترك عمله، ولكن السيناريو أشار إلى أن خلافا وقع بينه وبين صديقه، وتلك الأحداث لم يركز عليها السيناريو إلا ليدفع بمجريات الفيلم في اتجاه أن فيردى يذهب إلى بلده آخري للبحث عن وظيفة، لتتطور الحالة المرضية لمامانج للأسوأ، تبدأ في استدعاء شخوصا من الماضي ونكشف جانب من تاريخ السيدة الجميلة والأسباب وراء أزمتها الصحية، فهي قد عاشت كثير من الأحداث المؤلمة الحرب الأهلية في بلدتها و خيانة زوجها وفقدانها لطفلتها الصغيرة كل تلك الأزمات المتتالية تدفعها إلى المرض، ولكن فيردى يسعى إلى إزالة كل هذه العقبات ليساندها في الحياة.
ويأتي السرد السينمائي وفق مسارات عقل مامانج وجسد بصريا على الشاشة فتارة هناك زلزال يقتلع المنزل، وتارة هناك جندي يقتل ابنتها الصغيرة، وأخرى مشاهد لخيانة زوجها وعشيقته، و يتداخل الخيال مع الواقع في سرد قد يربك المتابع ولكن سرعان ما توضح المشاهد التالية حقيقة الموقف. هذا التداخل الزمني يدفع بالمسار السينمائي إلى تدفق سليم وسرد غير تقليدي مع لقطات سريعة وإضاءة جيدة، أغلبها لقطات بألوان مبهجة سواء داخل المنزل أو خارجها، رغم أنها تحمل تاريخ هذه السيدة وآلامها عبر الأيام والأسباب التي دفعت بها للمرض، كل ذلك قدمته الكاتبة ومخرجة دينيس بحس شاعري شديد الخصوصية، لتتصاعد الأحداث أكثر.  وتلتصق مامانج بولدها فيردي يوما بعد يوم إلى أن تصر على أن ينام معها في ذات المخدع لتشعر بالأمان، وفي حوار بديع الرقة يخبرها ولدها أن الليلة آخر مرة سينام معها في نفس الغرفة.

فالمخرجة هنا تقترب بنا للنهاية، وترتدي الأم أبهى ملابسها وتتزين وتدخل مخدعها مبتسمة لفيردى قائلة أنا مستعدة للذهاب معك الآن، وصوت يخبرنا أن فيردى قد مات منذ فترة بأزمة قلبيه أثناء نومه. 

السيناريو مليء بالتفاصيل الدقيقة الشحيحة في كلماتها الغنية بالصورة والمعاني، ورفاهة حسية بالغة تؤكد على شاعرية صانعة الفيلم، الأحداث تتوالى لكشف تفاصيل جديدة كل ثانية، ففيردى مثلي ولا تنكر الأم عليه تلك الفاحشة والتي تولدت لديه من سوء معاملة الأب وتدليها له بعد فقدانها لأبنتها سارة،  كما تشير الأحداث إلى حب مامانج الضائع قبل الزواج من أمادوا، تفاصيل كثيرة سردها السيناريو بإحكام كبير أثرى الدراما على مدار الفيلم، والسرد الغير تقليدي و الأداء المتميز لأبطاله وحركة الكاميرا جذابة ساهمت في تقديم دراما نفسية شديدة الخصوصية.  
 
 

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة