فيلم "ليلة ألاثني عشر عاما" . فيلم "ليلة ألاثني عشر عاما" .

تحليل| فيلم «ليلة الإنثى عشر عاما».. ويبقى الأمل دائما

منال بركات الأحد، 02 ديسمبر 2018 - 11:51 م

يولد الأمل من رحم الألم ، وتتجلى الحقيقة يوما بعد يوم ، ويجنح العقل إلى الحلم ، ويتمسك بالطيف الذي يبدو بعيد المنال، ومع الغد، أمل جديد، يبزغ مع مطلع كل نهار، وشمسا تشرق داخلنا ،تبدد ظلمة العتمة ،  نشعر بحرارتها ولا نراها في انتظار مولد يوم جديد. 

تلك المعاني وأكثر تقرأها في فيلم المخرج البرازيلي"ألفا بريخنر" وتحفته الفنية "ليلة الإثنى عشر عاما"  المستوحى أحداثه عن قصة حقيقة جرت في أوراجواى عام "1973"، والصراع الدموي بين منظمة "توباماروس" الثورية اليسارية وبين الحكم الديكتاتوري الذي دام اثنتي عشر عاما.

تبدأ الأحداث بمشهد مظلم عبر أسلاك السجون، وتحرك منتظم  لأفراد يرتدون ملابس عسكرية وخطوات متلاحقة ومهرولة بلا رتابة، يأتي المشهد بزاوية ضيقة وإضاءة خافته،  وهمهمات يقابلها أصوات حادة تدعوهم بالصمت، وهدير عربة مسرعة تتوارى بفعلتها في جنح الليل. 

ويتبادر لأسمعنا كلمات بصوت حاد، قف في مواجهه الحائط دون أن تلمسه، ومياه باردة تصب فوق الرؤوس المغطاة، والأجساد العارية المنهكة ،  وشعر لدانتي على الحائط يقول "أيها الداخلون ..ليس لديكم أمل ".


ومع كل كادر جديد هناك عقوبة ما تنزل على السجناء الثلاث، ومحاولات مستميتة  لإذلالهم و انتزاع إنسانيتهم، وربطهم في الحائط كالحيوانات، ونعتهم بالعناصر التخريبية، فهم ليسوا سجناء بل رهائن خسروا الحرب.  الأعوام تمضى وجف الحلق عن الكلام، ولكن في الغد دائما جديد.  


المشاهد تعكس نقلهم من سجن لآخر، ومن جب إلى جب، وصرخات مكتومة وضرب مبرح، وفي العقل دائما أفكارا للبقاء، فالنقر على الحائط عوضا عن الكلام، وبعد مضى 1000 يوما دون كلمة أو سماع لصوت. فنحن لا نري سوى مشاهد متلاحقة تغلفها موسيقي تصويرية كلاسيكية ، وكلمات متناثرة نعرف منها عنصر الزمن الذى يعيشه هؤلاء البؤساء كموت بومبيدو، والفيلم الفائز بالأوسكار وغيرها من أحداث.


في سرد غير تقليدي ينقلنا المخرج بعد مرور 2024 يوما إلى مستوى آخر في السرد، حيث  يكشف جانب من حياة أبطاله، مزج خلاله الأحداث بين الوهم والخيال والواقع.  

 

وعلى الطرف الآخر نجد شريط الصوت بالفيلم يغني  عن التعبير،  فالكلمات غائبة، والصورة حاضرة، وتدفق الأحداث يدفع بالسيناريو لتصاعد درامي متوازن خطوة تلو الأخرى، والدفع بالجوانب الإنسانية في حياة السجناء الثلاثة تدعو المتابع  للشعور بفداحة القهر والبطش الواقع على هؤلاء الثلاث، اللذين لم نعرف حتى تلك الآونة  جريمتهم إلا أنهم تخريبيين.


ويدخل بنا المخرج منعطفا آخر بالسيناريو، و حياة هؤلاء الثلاث اللذين لا نعرف أسمائهم، إلا في لحظة زيارة أقاربهم،  فالأب  لا يتعرف على ابنه "ماروسيو" فينهار  لتبدل حال ولده في محبسه،  والصغيرة لا تجد الكلمات لتحكي مع أبيها، والأم  تصرخ في وجه "بيبي" وحيدها ناصحة إياه أن المهزوم هو من يكف عن القتال.

 

هكذا صبغ المخرج على شخصياته ذكريات ليدفع بالسيناريو إلى أحداث جديدة وشخصيات آخري لينسبها في تاريخ أبطاله، وتتدفق الأحلام لدي السجناء. 

في ظل هذا القهر المستمر يبحث كل منهم عن وسيلة للبقاء، فلم يبقى أمامهم سوى عقولهم التي تكافح للاستمرار في الحياة، ولا سلاح أمامهم سوى الخيال وطيف الأحباء للمقاومة.

ومع أن مضمون الأحداث يثير الألم إلا أن المخرج استخدم موهبته الفطرية في تقديم صورة شاعرية وموسيقى تخفف من وطأة القضية التي يطرحها، فجاءت الصورة موحية بالدلالات، تعكس حجم المعاناة ومتناسبة مع الموضوع، ومزج بين الحلم في تداخل متناغم مع الموضع ليخفف من حجم القضية فنسج شريط سينمائي غني بالأفكار والمعاني، وقدم المعادلة الصعبة من عمل فني متكامل الأركان، ساعدت الإضاءة المستخدمة مابين الرمادي و الأصفر على تغليف الجو العام للأحداث بالعتمة التي تسكن القلوب.

 

أما التمثيل والذي بذل خلاله الأبطال جهدا كبيرا أقل ما فيه هو تخفيض أوزان الأبطال وملامحهم من لحظة القبض عليهم حتى خروجهم بعد أثنتي عشر عاما و 4380 يوما.  


وعبقرية هذا الفيلم وصعوبته في الوقت ذاته، أنه عن قصة واقعية أشخاصها مازالوا علي قيد الحياة، فالقضية معاصرة تحمل الذاكرة تفاصيلها. فمازال خوسيه ألبرتو "بيبي" موخيكا كوردانو الذي انتخب رئيسا لأرواجواي من 2010:2015 مازال على قيد الحياة و كذلك  "ماروسيو" الذي أصبح أديبا وهي تفاصيل شحيحة في أفعالها ، ضخمة في آثارها،...نعم هي كارثة إنسانية بكل المقاييس، عندما تمارس كل الضغوط والحيل ليسلب من الإنسان لبه، بشكل ممنهج، ولكن يبقى الأمل دائما في غد جديد مع كل صباح. 


وليس غريبا أن يحصد فيلم ""ليلة ألاثني عشر عاما"" على جائزة الهرم الذهبي وجائزة النقاد الدوليين "الفيبريسي" في مهرجان القاهرة السينمائي لهذا العام. فهو عمل فني متكامل الأركان لشاب في الثانية والأربعين من العمر، ولكنه يحمل بين جوانبه كم هائل من المشاعر الإنسانية إلى جانب موهبة فطرية بدت واضحة في كل تفاصيل الفيلم الذي يعكس في صورة قسوة بالغة ومرارة شديدة مزجها أيضا بأحاسيس مرهفة جعلت الأحداث عميقة الأثر في المتلقي.

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة