تحريم القهوة.. قاطفها وطابخها وشاربها في النار تحريم القهوة.. قاطفها وطابخها وشاربها في النار

حكايات| تحريم القهوة.. قاطفها وطابخها وشاربها في النار

أحمد الشريف الثلاثاء، 22 يناير 2019 - 05:36 م

وكأنها «عجوز معمّرة، لها أحفاد برره يقبّلونها كل صباح ومساء»، فمن «القهوة» وإليها يعود أبناؤها، ومن رشفة واحدة من فنجانها يصبح الإدمان أمرًا لا مفر منه. 

 

قصائد وكتب ومجلدات؛ أبحرت في نهر القهوة؛ أغلبها كان مدحا وتاريخا وعشقا؛ لكن أغربها كان تلك التي «حرمتها».. نعم لا يُصيبك الاندهاش، فهذا المشروب المفضل كان في فترة من الفترات محرمة ويعامل معاملة الخمر؛ بل ذهب البعض إلى أن خطرها أشد من المسكرات، وبات شاربها مهدد بالإعدام والسجن.

 

قطع شفاه ورقاب

 

قطع شفتيك أو إلقائك في النهر وأنت مقيد في حجر، أو قطع رقبتك بالسيف، كلها أحكام واجبة النفاذ؛ كانت تنفذ في حق عشاق القهوة أيام الدولة العثمانية؛ لأن الباب العالي حرمها على الناس واعتبرها رجسا من صنع الشيطان، مدعيًا وجود أحاديث نبوية تحذر من يتناولها من عذاب أليم. 

 

وفي القرن الخامس عشر، تفنن العثمانيون في إهانة القهوة وعاملوا من يعشقوها أو يرتشفوها كما يعامل الفاسقون والمجرمون وقطاع الطرق، مستندين في ذلك على فتاوى مشايخ السلطان، الذين أقروا بأن من يجلس في مجالس القهوة يعد من أراذل الناس؛ لكونها مضرة بالصحة ومذهبة للعقل وتحرض على التخلف عن صلاة الفجر؛ بسبب أنها تدفع للسهر.

 

 

اقرأ للمحرر أيضًا|  العائد من الموت.. ساحر من طنطا وصل للعالمية بأغرب قصة «دفن»

 

مشايخ السلطان؛ استندوا أيضا على أن النبي محمد صل الله عليه وسلم لم يتناول القهوة، وبالتالي فهو بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ولم يكتف فقهاء السلطان بذلك فقط، بل افتروا على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأحاديث هو منها براء؛ منها على سبيل المثال: «من شرب القهوة يحشر يوم القيامة، ووجهه أسود من أسافل أوانيها».

 

 

يونس العيثاوي الدمشقي، والكازروني، ومكي بن الزبير العدوي الذي ألف «قمع الإمارة بالسوء عن الشهوة: بيان حرام شرب القهوة» وحسن بن كثير الحضرمي المكي الذي ألف «قمع الشهوة عن شرب القهوة»، ومحمد القطان الشافعي خطيب المدينة المنورة الذي ألف «زلة القدم والهفوة ممن يتعاطى شرب القهوة»، كانوا أبرز من حرموا شرب القهوة خلال تلك الحقبة. 

 

دليل البراءة 

 

أما الفقيه الجزيري آل لاحنبلي فقد ألف كتاب: «عمدة الصفوة في حل القهوة» ناقش فيه الموضوع من منظور فقهي، حيث قال: «فمن قائل بحلها يرى أنها الشراب الطهور المباركة على أربابها الموجبة للنشاط والإعانة على ذكر الله تعالى وفعل العبادة لطلبها، ومن قائل بحرمتها مفرط في ذمها والتشنيع على شربها».

 

 

على الجانب الآخر، ظهر عدد من الفقهاء المناصرين للقهوة، كالشيخ أبي بكر المكي الذي ألف رسالته: «إثارة النخوة بحُكم القهوة» ثم رد برسالة أخرى: «إجابة الدعوة بنصّ القهوة»، وفي دمشق كان هناك الشيخ أبو الفتح المكي، الذي يصفه بعض المؤرخين بأنه كان «مغالياً في نصرة القهوة».

 

 

اقرأ للمحرر أيضًا| جزيرة آكلي لحوم البشر.. سجن «ستالين» السري 

 

وكان من أبرز المحلين القاضي محمد بن إياس، الذي أجرى تجربة في بيته قبل إصدار الفتوى، وكان دافعه إلى ذلك حادثة القبض على مجموعة من متعاطي القهوة في القاهرة عام 1539 وحبسهم بتهمة شرب القهوة؛ حيث دعا ابن إياس جماعة من الناس إلى بيته، وقدم لضيوفه القهوة، واستمر في الحديث معهم في قضايا فقهية وعلمية اختبارا لتركيزهم، وعندما رأى أنهم قد حافظوا على تركيزهم، أقرها وأفتى بأنها حلال.

 

 

من آستانة البداية

 

أما عن محلات القهوة فكان افتتحاهما لتقديم هذا المشروب بآستانة في عهد السلطان سليمان القانوني العام 1554، وكان صاحباها رجلين من الشام؛ حيث جاء الأول من حلب، والآخر من دمشق، وذلك في منطقة «تخته قلعة» بإسطنبول.

 

وتردّد الشبان الأتراك بكثافة على هذا المقهى، كما وجد فيه الشعراء والمثقفون متنفسا جديدا للاستمتاع بمشروبهم المفضل واستمرار مناقشاتهم، فضلا عن لعب الشطرنج والنرد، وشيئا فشيء تردد الناس من كل المستويات على هذا المقهى وغيره من المقاهي التي انتشرت في المدينة، إلى درجة أن الكثير من ضباط السرايا والباشوات وكبار الموظفين قد أصبحوا روادا دائمين للمقاهي في إسطنبول. 

 

الأئمة والوعاظ انتقدوا هذا الوضع الذي جعل المقاهي ممتلئة بروادها في الوقت الذي عانت المساجد قلة أعداد المصلين. ولم يحاول المتدينون والدراويش معالجة مسألة اكتظاظ المقاهي على حساب دور العبادة باعتبارها قضية تعالج عبر السياق الثقافي والسياسي والاجتماعي، بل لجئوا إلى إشهار سيف التحريم، فأصـدروا الفتاوى بأنها «محرمة شرعا»، وأن إثم الذهاب إلى المقهى أشد من الذهاب إلى الحانة. ولم يكتفوا بذلك فاستصدروا أمرا من مفتي إسطنبول بتحريم شرب القهوة لمخالفتها الشريعة الإسلامي.

 

اقرأ للمحرر أيضًا| قرية الجثث «المخلة بالآداب».. انطلق منها فن الخلاعة 


 
إحدى سيدات البلاط العثماني تمكنت من إقناع السلطان سليمان القانوني بأن يصدر مرسوما في عام 1543 م، إلى إحدى القوافل المتجهة إلى مكة المكرمة ينص على عدم السماح بشرب القهوة، غير أن أهالي المدينة لم ينصاعوا هذه المرة لأوامر السلطان العثماني.

 

 

هدم بيوت في القاهرة

 

وفي سنة 1572 صدر حكم سلطاني من السلطان سليم الثاني جاء إلى القاهرة يقضي بـمنع المنكرات والمسكرات والمحرمات، ويُغلق أبواب الحانات والخانات، ومنع استعمال القهوة، والتجاهل بشربها، وهدم كوانينها وكسر أوانيها، وصحب تنفيذ هذا الفرمان السلطاني بطش وشدة من «العسس»، ويروي المؤرخ الجزيري المعاصر لهذه الأحداث: «وضربوا وأشهروا، وهدموا البيوت، وكسروا أوانيها.. ولم يبلغنا فعلهم مثل ذلك في أواني الخمر والحشيشة».

 

استمر هذا العبث والجدل الصاخب في الدولة العثمانية حول تحريم القهوة قرابة قرنين من الزمن، بدعوى أنّها «مسكرة ومفسدة» للعقل والبدن؛ بل واعتبروا أن خطرها أشد من الخمر، ورافق ظهورها في العالم الإسلامي معركة فقهية وصلت حد اشتعال أحداث شغب.

 

ففي عام 1524م، شهدت كل من إسطنبول ومكة المكرمة والقاهرة، حالة من الاحتجاجات والشغب الضخمة بسبب فتوى تحريم شرب القهوة، وزادت حده الاحتجاجات بعد تدخل التجار في الأزمة التي كان لها صدى واسعا في كل من الدوائر الشعبية والرسمية على حد سواء، وكادت أن تحدث فيها مجازر بين المؤيدين والمعارضين، وبالفعل سقط على أثر ذلك الخلاف أحد التجار قتيلا وأصيب الكثيرون، وتم تدمير عدد من المقاهي والممتلكات الخاصة. 

 

اقرأ للمحرر أيضًا| «البغاء» برخصة.. أسرار «العايقة والمقطورة» من سجلات البلدية


اكتشاف مشروب القهوة، تاريخه يرجع إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وكان ذلك في اليمن، وتحديدا في زوايا الصوفية؛ حيث استعان بها الصوفيون والدراويش لتكون معينا لهم على التعبد ليلا، وقد اشتهرت الموانئ اليمنية لاحقا بتصديرها إلى سواحل المحيط الهندي، وسائر الأسواق العالمية.

 

 

لم تكن القهوة معروفة حتى نهاية القرن العاشر الهجري، وقد ذكرت المصادر التاريخية، ومنها: «النور السافر عن أخبار القرن العاشر» للشيخ العيدروس، والكواكب السائرة للغزي: «إن مكتشفها هو أبو بكر بن عبدالله العيدروسي، وهو من مشايخ اليمن المتصوفة، فقد كان في سياحته على رأس المائة التاسعة للهجرة، فمر بشجر البن، فاقتات من ثمره، حين رآه متروكا مع كثرته، فوجد فيه تنشيطا للعبادة، واجتلابا للسهر، فاتخذها قوتا وطعاما وشرابا، وأرشد أتباعه إلى ذلك، ثم انتشرت في اليمن، ثم إلى الحجاز، ثم الشام ومصر، ومنها إلى سائر البلاد.

 

انتصار القهوة

 

ورغم كل هذا الصخب سرعان ما تراخت الدولة عن هذه الفرمانات، وانتصر أخيرا عشّاق القهوة من الفقهاء والأدباء على خصومهم الذين صاروا في نهاية ذلك القرن قلة، ظاهرة الانتصار هذه أرّخها الأديب شاعر القاهرة في زمانه برهان الدين بن المبلّط (ت 991هـ/1583م) الذي أنشد قائلاً:

 

أرى قهوة الّبنِّ في عصرنا... على شُربها النّاسُ قد أجمعوا


وصارت لشرابها عادة... وليست تضرّ ولا تنفع

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة