المطران كريكور كوسا المطران كريكور كوسا

حوار| أسقف الأرمن الكاثوليك: لنا رئتان.. الأولى أرمينيا والثانية مصر

مايكل نبيل- أحمد نزيه الإثنين، 18 فبراير 2019 - 08:25 م

- المطران كريكور: الأتراك أرادوا إبادة الأرمن.. وقالوا سنبقي منهم واحدًا بالمتحف

- الرواية التركية حول المذابح الأرمينية خاطئة.. وبدأت من بضع سنين

- عدد الأرمن في مصر يتراوح بين 12 ألف و13 ألف

 

قبل مائة عامٍ ازدادت بأربعةٍ، عاش الأرمن في تركيا على وقع مذابح إبادة جماعية، استهدفتهم عرقيًا وقتلت منهم ما يربو على مليون شخصٍ أرمينيٍ، فظلت تلك المذابح لها أثرٌ جسيمٌ في حياة كل أرميني في مشارق الأرض ومغاربها.

ولا تعترف تركيا إلى يومنا هذا بارتكابها تطهيرًا عرقيًا بحق الأرمن، وتقول الرواية التركية إن الدولة العثمانية حينما قتلت الأرمن لم تكن تستهدفهم، بل إنها كانت سلطة قمعية تُنكل المعارضين وتبطش بهم، وإنها قتلت الأرمن مثلما قتلت مسلمين وطوائف أخرى.

ووقعت المذابح التركية بحق الأتراك في أبريل عام 1915، وذلك في عهد الخليفة العثماني السلطان محمد الخامس (تولى الحكم بين عامي 1909 و1918).

التقينا نيافة المطران كريكور أوغسطينوس كوسا، أسقف الإسكندرية للأرمن الكاثوليك، بالكنيسة الأرمينية الكاثوليكية بالقاهرة، وأجرينا معه هذا الحوار، حول الوجود الأرمني في مصر، وحديثٍ عن المذابح التركية بحق الأرمن.

- في البداية ما هو تاريخ وجود الأرمن في مصر؟

للأرمن تاريخ عريق في بلاد مصر، والأرمن أتوا إلى مصر في القرن الثامن، ثم تكاثر عددهم في القرن الثاني عشر، ثم القرن السادس عشر، ثم القرن العشرين، حين تمت الإبادة الأرمينية، فأتى الأرمن من تركيا إلى مصر، مثلما ذهبوا إلى البلدان العربية الأخرى، فذهبوا إلى سوريا والأردن ولبنان، وانتشروا في عام 1915.

لذلك أقول أننا متواجدون، ولنا جذور عريقة في هذا البلد الحبيب، ووجودنا ليس وجود أرمن فقط، ولكن أثبتنا وجودنا ثقافيًا وعلميًا وأدبيًا، وفي شتى المجالات.


- بما أن قداستك دخلت في صلب الحديث عن المذابح الأرمينية.. اسرد لنا تفاصيل حُكيت لك أو قصص عن المذابح التركية للأرمن.

أولًا، لا أريد أن أتكلم عن شعبي ولكن أريد أن أترك لكم المجال بقراءة الكتب والبحوث التي كتبت عن الأرمن من عام 1915 إلى 2015، حين احتفل الأرمن بذكرى مائة عام على الإبادة الجماعية التي أقدمت عليها تركيا بحق الأرمن.

الأتراك أرادوا أن يبيدوا الأرمن، فكانوا مجتمعين فقال أحدهم سنقتل الأرمن ولن نترك منهم أحدًا إلا واحدًا نضعه في المتحف، لنقول كان في الماضي هناك شعبٌ اسمه الأرمن، والآن أُبيد هذا الشعب.

مع الأسف، كلماتٌ ليس لها عمقًا، ولا يستطيع أحدٌ أن يفهم ما قاله هذا التركي، لأنه لا يعرف أن الشعب الأرمني شعبٌ أبيٌ، شعبٌ مخلصٌ، فاليوم بعد أن قال سنترك أرمينيًا واحدًا في المتحف، نحن الآن انتشرنا في العالم بأسره، وتجد الأرمن محتفظين بثقافتهم وعاداتهم وطقوسهم الدينية.

والأجمل أنكم ترونهم يحملون لغتهم الجميلة مع الأدب الأرمني بنصوصه وبكل المقالات، التي كُتبت من الأرمينية الحديثة إلى العربية، وانتشرت ثقافات العالم ولغاته مع اللغة الأرمينية.

- هل قداستكم تصدقون الرواية التركية بشأن أن المذابح التركية لم تكن موجهةً للأرمن بعينهم وأن الدولة العثمانية لم تكن تستهدف الأرمن بل هي كانت دولة قمعية تستهدف المعارضة ككل وقتلت المسلمين وجميع الطوائف أيضًا؟

مع الأسف هذه الرواية بدأت من بضع سنوات، لكن في الحقيقة أن الأتراك أرادوا قتل الأرمن وقتها بسبب أن الأرمن كانوا يتبؤون كل المناصب العليا في الجامعات وفي المصارف والدوائر الحكومية، فدخل في قلبهم وعقلهم الحسد والبغض من الأرمن.

وبعد أن قيل أن الأتراك قتلوا الأرمن بدأوا يفتشون عن علماء مسلمين وأدباء وشعراء ومثقفين وقتلوهم أيضًا، لكي يقولوا إنهم لم يقتلوا الأرمن فحسب، وقتلوا معهم أشخاص آخرين.

- ما وجهة نظركم في دولة تركيا كمواطن مصري أرميني؟

 أولًا الأراضي التركية الحالية هي أراضي أرمينية، وللعلم أيضًا هناك أرمينيا الكبرى وأرمينيا الصغرى، فالأتراك أرادوا أن يهجّروا الأرمن ويأخذوا الأرض، ومعها الكنائس والمدارس، وإذا ذهبت اليوم إلى اسطنبول ستجد المباني القديمة هناك مبنية على أيدي الأرمن، ومدونٌ ومحفورٌ عليها اسم المهندس الذي قام بهندسة المبنى.

فنحن نقول إنها أرضنا، ونريد أن يعود الأتراك إلى ضميرهم، ويعيدون هذه الأراضي إلى أصحابها.

- نعبر الآن من الحديث عن تركيا إلى مصر.. ما ذكرياتك كمطران للكنيسة الكاثولكية مع مصر؟

بعد الإبادة الأرمينية التي كانت في تركيا وفي الصحراء السورية في دير الزور، حيث قُتل مليون ونصف المليون أرمني، ماتوا من أجل محبتهم وإخلاصهم للوطن والكنيسة.

من دير الزور نزح الأرمن إلى مدينة حلب ومن حلب انطلقوا إلى كل البلدان العربية، وبهذه المناسبة أشكر كل البلدان العربية التي فتحت لنا قلوبها قبل بيوتها لتستقبلنا، فالقلب ينبع بالمحبة، فكل من استقبلنا استقبلنا بالمحبة، وهذا دليل على المحبة التي تجمعنا كشعوبٍ بعضها مع بعض، العيش المشترك دليل على محبتنا للسلام.

فمصر هي التي فتحت أيضًا الأبواب مع سوريا والبلدان العربية، وأعطتنا الحرية لنعيش كمسيحيين حاملين ديننا وثقافتنا، وهذا جعلنا ننصهر مع الشعب المصري، ونحن نمد أيادينا لكل واحدٍ، فنحن أخوة نعيش معًا على هذه الأرض الطيبة، وفي هذا الوطن، ونحافظ على كرامته وازدهاره.

- ما هو تأثير الأرمن في حياة المصريين؟

حينما دخلنا إلى مصر بدأنا بعرق جبيننا فتح المدارس والنوادي الثقافية والرياضية ودور العبادة والكنائس والعمل المتبادل مع أخوتنا المصريين، فأثرنا كثيرًا في حياة المصريين.

فمثلًا، أول رئيس مجلس وزراء مصري هو نوبار باشا، وهو أرمني، وصاحب فكرة تأسيس جامعة القاهرة هو يعقوب أرتيم باشا، وهو من الأرمن، وهو من الكنيسة الأرمينية الكاثوليكية، فأثر بثقافته على الثقافة المصرية، وبفكرته أيضًا حينما كان ناظرًا للتعليم، ثم مديرًا للتربية، ثم وزيرًا للتربية والتعليم، ثم وزيرًا للتعليم العالي، وقد أُرسل من قبل محمد علي إلى أوروبا لكي يعمل كل ما في وسعه كي تتقدم الثقافة والعلم في مصر.

واليوم أستطيع أن أقول كل البرامج الدراسية في مدارسنا هي من وضع يعقوب أرتيم باشا، فأنا أود أن أقول أثرت الثقافة على المجتمع المصري، لأن الثقافة تمد بالجسور، ونحن كأرمن تعرفنا على الآخرين، بالثقافة والتاريخ والأدب، والصناعات التي يقوم بها الشعوب.

والشعوب أيضًا نظرت إلينا وأعطتنا الكثير وهذا دليل على أن نبنى وما أجمل أن يبني الإنسان وطنه.

- حدثنا عن تأثير المصريين في حياة الأرمن.

التأثير متبادل، كما نحن أثرنا على المصريين، بالمناصب التي مُنحت للأرمن في عهد محمد علي، واليوم لنا مناصب، أخذنا من المصريين الصناعات، والثقافة والعلم، ودخلت بعض العادات والتقاليد بين المصريين والأرمن، وهذا دليل على أننا انصهرنا مع المصريين، وأصبحنا مجتمعًا واحدًا.

- كيف ينظر الأرمينيون لمعنى كلمة "وطن"؟

حينما أقول الوطن، نحن كأرمن لنا رئتان الأولى هي أرمينيا، الوطن الأم، والرئة الثانية هي الوطن البلد الذي نعيش فيه مصر، ومنّا له سوريا أو لبنان أو فلسطين أو أوروبا أو أمريكا أو أستراليا أو كندا.

نحن نعيش في كل مكان ونحافظ عليه، الكل يكن لنا أننا شعب مخلص وسنبقى مخلصين لكل من استقبلنا وفتح لنا ذراعيه ليحتضننا.

- بالنسبة لدور العبادة الأرمينية هنا.. ما عدد الكنائس الأرمينية في مصر؟ وكم عدد الأرمن بشكل عام؟

هناك الكنائس الكاثوليكية وكنيسة أرثوذكسية،  لنا كنيسة في مصر القديمة من عام 1700، وفي الموسكي باسم القديس كريكور غريغوريس المنور، ولنا أيضًا هذه الكنيسة وكنيسة في مصر الجديدة، ولنا كنيسة في الإسكندرية من القرن الماضي، وكنيسة أخرى داخل المدافن، هذه الكنائس مع كنيسة الأرمن الأرثوذكس في شارع رمسيس وفي الإسكندرية، وكلنا نعمل معًا من أجل الكنيسة الأرمينية، أما عدد الأرمن فهو يتراوح ما بين 12 ألف و13 ألف أرمني.

- في ختام لقائنا.. ماذا تود قداستكم أن تقول في النهاية؟

أنا أشكركم وأشكر شعب مصر الذي استقبلنا قبل 103 سنوات بعد المذابح، أشكر المصريين القدامى، الذين استقبلونا من القرن الثامن إلى يومنا هذا، وأريد أن يعرف المصريين أن هناك مدارس أرمينية، هناك من يعمل في الجامعات والمستشفيات ومن يعيش مع الشعب المصري بقلبٍ واحدٍ، أريد أن يعرف المصريين أن هناك شعبًا أرمينيًا أبيًا، أرادوا أن يقتلوه ولكنهم لم يفلحوا.

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة