ياسر رزق ياسر رزق

ورقة وقلم

ياسر رزق يكتب: قيمة ما حدث في شرم الشيخ

ياسر رزق الثلاثاء، 26 فبراير 2019 - 08:47 م

إلى يمينك وأنت فى طريقك من مطار شرم الشيخ إلى وسط المنتجع جدارية ضخمة، تحمل صورة لقادة الدول الذين شاركوا فى مؤتمر «صانعى السلام» لمدة 3 أيام فى منتصف شهر مارس عام 1996.


حضرت ذلك المؤتمر منذ 23 عاماً مضت الذى اكتسبت منه شرم الشيخ اسمها المعروف: «مدينة السلام»، واستهدف وقتها الحيلولة دون مزيد من تردى الأوضاع فى الأراضى الفلسطينية فى أعقاب عمليات اغتيال إسرائيلية وهجمات انتقامية فلسطينية.


واليوم أعود من شرم الشيخ بعد حضور مؤتمر أوسع حجما، من حيث المشاركة والتمثيل والتأثير، هو القمة العربية الأوروبية الأولى التى حضرها رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية 49 دولة.


وأظن الصورة التذكارية العريضة التى التقطت لقادة دول هذه القمة، ستجد مكانها على طريق «السلام» الذى يخترق المدينة، فى جدارية ضخمة تسجل هذا الحدث غير المسبوق فى علاقات منطقتين يفصلهما بحر ومرارات ماض وتخوفات حاضر ممزوجة بأواصر ثقافية وتاريخية تربطهما ومعها آمال فى مستقبل يظلله التعاون والشراكة والتفاهم المتبادل.


<<<


ذكريات كثيرة تداعت إلى ذهنى وأنا أشاهد قادة الدول ورؤساء الحكومات يجتازون الطرقات بين قاعة «ابيتال» التى احتضنت فعاليات القمة، وقاعة الطعام الرئيسية فى مركز شرم الشيخ للمؤتمرات، وأجد أمامى الرئيس السيسى يتبادل الحديث مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التى كانت لتوها قد وصلت إلى شرم الشيخ، بينما يتحلق حولهما القادة سائرين فرادى ومجموعات، أبرزها تلك التى ضمت تيريزا ماى رئيسة وزراء بريطانيا، ومعها رؤساء وزراء هولندا وبلجيكا ومستشار النمسا وكذلك رئيس وزراء إيطاليا الذى تبادلت معه تيريزا ماى لعب «البلياردو» بإحدى صالات المنتجع فى تلك الأمسية.


لم أمنع نفسى من المقارنة بين هذا المشهد، ومشهد آخر تابعته منذ ٤ سنوات ونصف السنة فى نيويورك، عندما ذهب الرئيس السيسى للمرة الأولى للمشاركة فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يقدم للعالم صورة مصر الجديدة، سعياً للحصول على اعتراف مجمل المجتمع الدولى بالشرعية الجديدة فى مصر بعد عزلة بدأت فى أعقاب ثورة 30 يونيو، ومن قبلها انعزال وتقوقع بدأ منذ قيام ثورة 25 يناير.


فى عامين، استطاع السيسى أن يكتسب لنظام 30 يونيو اعتراف المجتمع الدولى وقواه الكبري، وتفهمه لحقائق الأمور التى سبقت ثورة الشعب وأدت إلى قيامها، واحترام العالم لمبادىء السياسة الخارجية المصرية وأدبياتها فى ظل النظام الجديد.


وطاف السيسى بعواصم العالم ومراكزه الرئيسية، مدعوا من قادتها، يصحح مسار علاقات، أو يعيد ترميم أسس وأواصر، أو يبنى شراكات تعاون استراتيجية مع القوى الكبرى والفاعلة.


وكنت أحد شهود تلك الجولات التى امتدت من اليابان والصين وكوريا الجنوبية إلى دول جنوب شرق آسيا، وشمالاً من روسيا إلى شرق أوروبا وقلب القارة العجوز إلى مراكزها الأساسية فى برلين وباريس، ثم إلى لندن، وعبر الأطلنطى إلى نيويورك وواشنطن.


أما إفريقيا فقد استحوذت على ثلث زيارات الرئيس الخارجية من شمال القارة إلى جنوبها ومن شرقها على المحيط الهندى إلى أقصى غربها على سواحل الأطلنطى.


وفى عالمنا العربي، استعادت مصر عافيتها السياسية واستردت مكانتها فى قلب أمتها، بعد طول تخبط وانكفاء على الذات وتشرنق حول الوضع الداخلى وتحدياته وإشكالياته.


قبل مضى عامين.. بدأت مصر فى جنى ثمار ما غرسته سياستها الخارجية الرشيدة الواعية.


تولت مصر رئاسة القمة العربية التى انعقدت أيضا فى شرم الشيخ فى مارس 2015.


ثم تولت رئاسة مجموعة الـ77 + الصين.


وانتخبت رئيسا للجنة الدول والحكومات المعنية بتغير المناخ فى إفريقيا، ومثلث القارة فى قمة باريس للتغيرات المناخية.


وانتخبت عضوا غير دائم بمجلس الأمن من يناير 2016 ولمدة عام.


ودعيت للمشاركة فى قمة مجموعة العشرين بمدينة هانفجو الصينية وقمة مجموعة البريكس بمدينة شيامن فى الصين، وفى قمة مجموعة «الفيشجراد» بشرق أوروبا، وفى عديد من قمم التعاون الدولية مع إفريقيا.


وأخيراً.. انتخبت مصر الشهر الماضى رئيساً للاتحاد الإفريقى لمدة عام، بعدما كانت عضويتها مجمدة قبل 56 شهراً مضت فى هذا الكيان الإفريقى الجامع.


<<<


انتقلت مصر إذن من مرحلة البحث عن اعتراف بشرعية النظام الجديد لدى المجتمع الدولى، وكسر العزلة الدولية والانفتاح على العالم (2014-2016)، إلى مرحلة استعادة الدور المنتزع، وملء المكانة الشاغرة، واسترداد التأثير الذى كاد يتلاشى ويتبخر (2016- 2018).


والآن تنتقل مصر بانعقاد القمة العربية الأوروبية الأولى على أرضها، بكل هذا الحضور الحاشد والتمثيل المشارك على أرفع مستوى، إلى مرحلة جديدة، هى تدشين قوة عظمى إقليمية، تتمتع بالرشد والحكمة والدراية كقائد للمنطقة العربية ومفتاح للقارة الإفريقية، وجسر بين الحضارات على ضفتى المتوسط وميزان للمصالح حين تتواصل وحين تتقاطع بين العرب والأفارقة من جانب والأوروبيين على الجانب الاخر.


الآن تتبوأ مصر مكانتها الجديدة كقوة عظمى إقليمية هى الأكثر احتراما ومصداقية واعتمادية لدى المجتمع الدولى، فى ظل التداعى المحتمل والمتوقع لأدوار قوى إقليمية أخرى كإيران التى تتهددها أطماعها، بأكثر مما تهددها مصالح وسياسات القوى الكبرى، وكتركيا التى تجرفها حماقات حاكمها الأرعن إلى عزلة عن محيطها تعيدها إلى حالها منذ قرن مضى كرجل المنطقة المريض.


<<<


لعلها المرة الأولى، باستثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل هى المرة الأولى التى تخرج فيها أوروبا برؤساء جمهورياتها ورؤساء حكوماتها إلى منطقة أخرى، للتباحث حول هموم وقضايا وأزمات وآفاق تعاون.


ولعلها المرة الأولى منذ سنوات طويلة التى يلتئم فيها شمل العرب بكل هذا الحضور من الملوك والرؤساء والأمراء، فى محفل يجمعهم معاً أو مع غيرهم من قادة الدول فى قمم للتشاور والتنسيق والتعاون.


حدث هذا وذاك فى شرم الشيخ.


جاءت 49 دولة عربية وأوروبية تجتمع على مدى يومين تنظر فى أزمات وسبل حلحلتها، ومشكلات ووسائل حلها، وتحديات وطرائق اجتيازها والتغلب عليها.


<<<


لماذا مصر إذن؟!


لم يكن اختيار مصر مقراً لأول قمة عربية أوروبية، نابعاً من كونها الدولة المقر للجامعة العربية فحسب بل السبب هو عناصر متضافرة وعوامل متشابكة.


فمصر هى الدولة رأس الحربة فى مجابهة الإرهاب، بل هى الوحيدة التى تخوض حرباً معلنة وظاهرة ومظفرة ضد جماعات الإرهاب وميليشياته على أرض شمال سيناء، بعد أن حسمتها فى وادى النيل.


وهى الدولة الإسلامية الكبرى التى دعا رئيسها بكل شجاعة وإقدام إلى إصلاح الخطاب الدينى وتنقيته من شوائب التطرف المؤدى إلى الإرهاب.
ومصر هى حاضنة القضية الفلسطينية وراعية عملية السلام.


مصر هى صاحبة التأثير الإيجابى الأكبر لحل الأزمة فى ليبيا، واستعادة مؤسساتها الوطنية لدورها فى بناء البلاد.


مصر هى المحرك للمنطقة العربية، وهى قلب الاعتدال، ونواة العقل والسياسة الرشيدة وسط الأزمات وبؤر التوتر.


مصر هى مانعة الصواعق فى الشرق الأوسط، الرادعة لأصحاب الأطماع وسياسة الهيمنة على المصائر العربية، والكابحة أيضا للنافخين فى كير الحرب فى هذه المنطقة المنكوبة بأزمات وليست فى حاجة إلى مزيد من الحروب.


مصر هى الدولة التى استطاعت منذ عام 2016 أن تمنع ابحار قارب واحد من شواطئها يحمل مهاجرين غير شرعيين إلى أوروبا سواء من أبنائها الذين توفرت لهم فرص عمل على أرضهم تقيهم مؤونة الابحار وسط أمواج الموت إلى حيث لا مرافئ آمنة ولا شطآن، أو من أبناء الدول الإفريقية الذين إما عادوا إلى بلدانهم أو أقاموا فى مصر ضيوفاً فى غير معسكرات لاجئين.


وفى القلب من كل ذلك.. مصر هى الدولة البازغة اقتصادياً، وسط ركام الحروب والأزمات فى جنوب البحر المتوسط، بمعدل نمو يتخطى 5.8٪ ويقترب من 6٪، وخطط تنمية عمرانية تستهدف إنشاء 14 مدينة جديدة ومحور صناعى لوجيستى عالمى حول إقليم قناة السويس الاستراتيجى فضلا عن توافر فرص استثمار وشراكات كبرى فى الطاقة والبنية الأساسية والنقل وغيرها، وتشير أدنى التوقعات إلى أن الاقتصاد المصرى سيحتل المرتبة 19 عالمياً بين أكبر الاقتصاديات بحلول عام 2030.


<<<


48 ساعة تقريباً هى المدة التى استغرقتها جلسات القمة العربية الأوروبية الأولى العلنية والمغلقة وحتى المؤتمر الصحفى الرباعى للرئيس السيسى مع رئيس المجلس الأوروبى دونالد تاسك ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلوديونكر والأمين العام للجامعة العربية أحمد أبوالغيط عصر أمس الأول.


لم يكن من المتصور أن يسفر يوما القمة عن حلول سحرية سواء للقضايا المطروحة على القمة وأبرزها مكافحة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية أو غير المنظمة كما اصطلح مؤخرا على تسميتها، وكذلك أزمات المنطقة فى ليبيا وسوريا واليمن والقضية المركزية وهى قضية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل.


غير أنه وعلى حد قول معلقين غربيين تابعوا القمة، قد يكون من المستفيد استمرار الدعك على المصباح السحرى، عسى أن يحين وقت يخرج فيه الجنى المنتظر!


<<<


ثمة ارتباط وثيق بين الأزمات السياسية التى تعصف بدول مهمة فى المنطقة، وبين قضيتى الإرهاب واللاجئين أو الهجرة غير الشرعية.


وثمة ارتباط آخر بين قضية الهجرة غير الشرعية وقضية التنمية فى الدول المصدرة للمهاجرين بالذات فى القارة الإفريقية.


كذلك لا يمكن إغفال أن غض البصر عن خطر الإرهاب، أو ان تزويد الإرهابيين بالمال والسلاح والغطاء السياسى ثم الملاذ الآمن، يمكن أن يقتصر على منطقة بعينها.


ولا يمتد بفعل التأثير المتبادل والعدوى إلى منطقة جوار. فمن يربى الأفاعى ويرعى العقارب ليس فى مأمن من لدغاتها.


<<<


على هذه القاعدة من الفهم المشترك، ولو أنه جاء متأخرا، جرت مناقشات القمة العربية الأوروبية الأولى.


الموقف المصرى كان واضحاً جلياً فى أن مكافحة الإرهاب لا تتحقق بالأداة العسكرية والأمنية وحدها، وإنما بمقاربة تشمل تلك الأداة ومعها أدوات اقتصادية واجتماعية فكرية. وترى مصر أن احتواء أزمات المنطقة والحفاظ على الدولة الوطنية من شأنه أن يحد من خطر الإرهاب وتوغله، بل يحرمه من قواعد الانطلاق ومناطق التأثير، كما ترى مصر أن حل القضية الفلسطينية بإنشاء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، يسلب الإرهاب المتدثر بغطاء الدين أحد أهم ذرائعه فى ارتكاب جرائمه.


على نفس المسار.. كانت دول أوروبية تتفق مع الموقف المصرى الداعى إلى تسوية قضية الشرق الأوسط على أساس حل الدولتين، بل منها ما كان يتطابق فى رؤيته مع موقف مصر الثابت من قضية القدس واعتبار القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين.


ومن أهم ما أثير فى الجلسات المغلقة هو موضوع مصير المقاتلين الأجانب أو ما اصطلح على تسميتهم بـ»العائدين من داعش»، وسط مخاوف من أن ينقلهم الذين جاءوا بهم إلى مناطق أخرى يريدون لها أن تشتعل ناراً وحرائق.


<<<


لم تستحوذ قضية حقوق الإنسان على مساحة من نقاشات القمة، ولم تتطرق النقاشات فى هذا الموضوع إلى انتقادات لسجل مصر أو الدول العربية وفقا لما راج فى أروقة القمة أو انعكس فى أسئلة بعض الصحفيين الأوروبيين.


تلك القضية تناولها الرئيس السيسى فى كلمته وفى لقاءاته الثنائية مع قادة أوروبا، وأيضا فى تعليقه على سؤال لأحد الصحفيين الأوروبيين.


التصفيق الحار لتعليق الرئيس السيسى الحاد أيضا، جاء ليعبر عن قناعة رجال الإعلام المصريين بما قاله الرئيس، إلى حد أن رئيس المجلس الأوروبى قال للرئيس: إننى أهنئكم، فنحن فى أوروبا لا نجد هذا المشهد أبدا من إعلامنا!


كان الرئيس السيسى يريد أن يؤكد على أمور يبدو انها غائبة عن الإعلام الغربى:


- نحن لدينا منظومة قيم إنسانية ندعوكم إلى احترامها مثلما نحترم قيمكم.


- نحن أكثر من غيرنا حرصاً على حقوق الإنسان فى بلادنا ولا نحتاج منكم إلى محاضرات.


- أهم حق للإنسان هو حقه فى الحياة، والحياة الآمنة من الترويع والإرهاب.


- التهاون فى مجابهة الإرهاب والإرهابيين يتنافى مع حق الإنسان فى الأمن والعمل وكسب الرزق.


- عقوبة الإعدام فى ثقافتنا معناها القصاص من القتلة وسفاكى الدماء، بما يبرئ صدور أسر الضحايا ويحقق الردع.


<<<


إذا كنا سندخل فى سجال مع الأوروبيين عن حقوق الإنسان وحقوق الدول، سواء فى التاريخ القريب أو الحاضر الذى نعيشه، فسوف يسمعون مالا يروقهم بالطبع من حقائق دامغة عليها بصمات لهم بعضها ملطخ بدماء.


لكن ما دمنا نتحدث عن تشاور وتنسيق وتعاون، وما دمنا نتطلع إلى غد يتجاوز مرارات الأمس القريب، فإننا نتطلع منهم إلى مبادرات جادة تتواكب مع الخطوات التى اتخذتها دول عربية على رأسها وفى القلب منها مصر لبناء مستقبل أفضل على شاطىء المتوسط وفى المنطقة الممتدة من الخليج العربى إلى ساحل الأطلنطى.


وموعدنا فى بروكسل بعد 3 أعوام.

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة