الكاتب الصحفي ياسر رزق الكاتب الصحفي ياسر رزق

ياسر رزق يكتب من واشنطن: وقائع 75 دقيقة في القمة الثانية للسيسي وترامب

ياسر رزق الأربعاء، 10 أبريل 2019 - 07:17 م

قبل عامين بالضبط.. قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لضيفه الرئيس عبدالفتاح السيسي في ختام أول مباحثات قمة تجمعهما بالبيت الأبيض: «إنني معك يا صديقي العزيز، ومع مصر وشعبها، وسنقف بجانبكم مائة بالمائة».
ويوم أمس الأول، وفى مستهل لقاء القمة الثاني بين الرئيسين بالبيت الأبيض، أراد الرئيس السيسي أن يعبر عن امتنانه لالتزام الرئيس الأمريكي بالوعد الذي قطعه له قبل 24 شهراً، وقال للصحفيين: إن العلاقات الإستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة شهدت نقلة نوعية، والفضل في هذا يرجع للرئيس ترامب ودعمه لمصر في كل المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية.
وفى ختام قمة الثلاثاء.. عبر ترامب عن سعادته بلقاء الرئيس قائلا: «إنه كان لي عظيم الشرف أن التقى بالرئيس السيسي رئيس جمهورية مصر العربية».
كانت هذه هي المرة الرابعة التي يثنى فيها ترامب علنا على الرئيس السيسي أمام الصحفيين والرأي العام، في غضون ساعة ونصف الساعة استغرقتها المباحثات في البيت الأبيض.
مرة عندما قال عنه: إنه رجل عظيم، ومرة ثانية عندما قال: إنه رئيس عظيم، ومرة ثالثة عندما قال: إنه يؤدى عملاً عظيماً.
وخلف الأبواب المغلقة لقاعة المباحثات، أشاد ترامب مرات عديدة بالرئيس المصري، بالأخص وهو يتحدث عن التقدم الاقتصادي الذي تشهده مصر، والجهد الهائل الذي تبذله في مكافحة الإرهاب، وكذلك عن حرص الرئيس السيسي على تهيئة مناخ الحريات الدينية وتعزيز مكانة المرأة في المجتمع.
لا يسرف ترامب في الثناء على أحد سواء في تصريح أو تغريدة، ربما العكس هو المعروف عنه. لكنه كان يريد أن يعبر عن إعجابه بقيادة الرئيس السيسي لبلاده، وعن تقديره لعلاقات الصداقة الوطيدة التي نمت بينهما منذ التقيا لأول مرة في شهر سبتمبر عام 2016 بنيويورك قبيل إجراء انتخابات الرئاسة الأمريكية.
أما الرئيس السيسي فقد اختتم زيارته لواشنطن صباح أمس بتغريدة أجمل فيها نتائج زيارته الرسمية الثانية للولايات المتحدة. وقال فيها: «كانت زيارتي للولايات المتحدة مثمرة على كافة المستويات. ولقد سعدت بلقاء الرئيس ترامب، وبحسن الاستقبال، وتحدثنا سوياً عن موضوعات بالغة الأهمية وعن الكثير من الملفات ذات الاهتمام المشترك. وقد استشعرت مدى اهتمامه بكل التفاصيل وقدرته على الإلمام بها».
ومثلما ترامب معروف بالجرأة والوضوح. فإن الرئيس السيسي معروف بالصراحة وصدق القول، لذا فهو يعنى ما يقول حين يتحدث عن زيارته الثانية لواشنطن بأنها كانت مثمرة على كافة المستويات.

تشعر هنا في واشنطن، حينما تطالع بعض محطات التليفزيون وعلى رأسها «سى.إن.إن» وبعض المواقع الإخبارية وعلى رأسها «بلومبيرج» وبعض الصحف وعلى رأسها «نيويورك تايمز»، أن هناك إحساسا بخيبة الأمل إزاء الحفاوة التي قوبل بها الرئيس السيسي في واشنطن، والتفاهم الذي ساد المباحثات المصرية الأمريكية مع الرئيس ترامب، ولقاءات الرئيس مع مايك بومبيو وزير الخارجية ورؤساء الشركات الأمريكية في حفل العشاء الذي أقيم مساء أمس الأول بمناسبة مرور 40 عاما على تأسيس مجلس الأعمال المصري الأمريكي.
ألمس شعوراً بالإحباط لدى تلك الدوائر للنجاح الذي حققته الزيارة وبالأخص مباحثات القمة، وخلو المحادثات من ألغام كان يتمناها هؤلاء تعصف بمسار العلاقات الإستراتيجية بين البلدين أو على الأقل تعرقل وتيرة تقدم التعاون المصري الأمريكي.
قبيل القمة.. بدا من التقارير ومقالات الرأي في تلك الدوائر الإعلامية، وكأن الرئيس السيسي جاء إلى واشنطن ليحصل على «مباركتها» للتعديلات الدستورية في مصر، وينال «التوجيهات» تجاه ملفات حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب وأزمات المنطقة، ويتلقى النسخة النهائية من صفقة القرن» التي ستنهى ملفاً اسمه القضية الفلسطينية!
كانت تلك أمانيهم، وقد خابت.
وقوبلت تلك التقارير التي كانت تتمنى تقويض العلاقات المصرية الأمريكية بسخرية مزدوجة من المسئولين الأمريكيين والمصريين على السواء.
ولعل الرئيس الأمريكي لم يكن متجاوزاً، وهو يصف أكاذيب بعض هذه الصحف والمحطات الكبرى بأنها تجعل منها عدوا للدولة.
كانت الضربة الأولى لهؤلاء، عندما اتفق الرئيس ترامب والرئيس السيسي في حديثهما أمام وسائل الإعلام في بداية مباحثات القمة، على أن العلاقات المصرية الأمريكية لم تكن في يوم من الأيام أفضل مما هي عليه الآن.
وجاءت الضربة الثانية والقاضية في إجابة الرئيس ترامب الصادقة والحصيفة في نفس الوقت، على سؤال ملغوم، يستفسر عن رأيه في التعديلات الدستورية التي تجرى مناقشتها في مصر وبالأخص ما يتعلق بسنوات ولاية رئيس الجمهورية.
قال ترامب بهدوء: إنني لا أعلم شيئا عن هذا الأمر. فقط يمكنني أن أقول أن هذا الرجل يقوم بعمل عظيم.
وكان ترامب يريد بوضوح أن ينأى بنفسه عن شأن داخلي مصري، وأن يتجنب الحديث علنا فيما يشبه الاستدراج عن أمر من صميم السيادة المصرية والقرار الوطني الداخلي.

أمام مدخل مبنى البيت الأبيض، وقف الرئيس ترامب، في انتظار وصول ركب الرئيس السيسي الذي دلف لتوه من بوابة المنزل رقم 1600 بطريق بنسلفانيا، قادماً من قصر الضيافة في «بلير هاوس» على الجانب الآخر من الطريق.
رحب ترامب بضيفه الرئيس المصري بحفاوة بالغة، واصطحبه من الحديقة الخارجية، إلى قاعة «روزڤلت»، حيث دون الرئيس كلمة شكر وتقدير في سجل الزيارات، ثم توجه الرئيسان إلى المكتب البيضاوي، وجلسا أمام المدفأة الشهيرة داخل الغرفة، يتحدثان إلى الصحفيين.
ركز ترامب في حديثه على التقدم الكبير الذي حدث في مصر على أكثر من صعيد، منها مكافحة الإرهاب، وقال إن المباحثات ستتناول موضوعات كثيرة منها الشئون العسكرية والتبادل التجاري. وقال إنه شرف عظيم أن أكون مع الرئيس السيسي وسنعمل معاً لتعميق التعاون بين بلدينا وتعزيز العلاقات التي لم تكن أفضل مما هي عليه الآن.
ولم ينس ترامب أن ينوه بزيارة زوجته (السيدة الأولى) لمصر وجولتها في منطقة الأهرامات، وقال مداعبا إن زوجته لا تعجب بشيء بسهولة، لكنها كانت منبهرة للغاية بهذه الزيارة لواحدة من أهم عجائب الدنيا السبع.
أما الرئيس السيسي فقد وجه الشكر والتحية للرئيس ترامب على النقلة النوعية التي شهدتها العلاقات الإستراتيجية بين البلدين ودعمه لمصر في كل المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية.
وكان قد استهل كلمته بالتأكيد على أن العلاقات المصرية الأمريكية تمر بأفضل أحوالها على مدار سنوات طويلة.

مباحثات القمة المصرية الأمريكية استغرقت حوالي 75 دقيقة، بدأت باجتماع ثنائي في المكتب البيضاوي.
وليس معروفا بطبيعة الحال تفاصيل ما جرى في هذا اللقاء المغلق، لكن المعلومات تقول إنه تركز على تطورات القضايا والأزمات بمنطقة الشرق الأوسط واستعراض سريع لملفات الموضوعات الثنائية.
معظم وقت القمة المصرية الأمريكية، استغرقته جلسة المباحثات الموسعة التي عقدت في «قاعة الحكومة»، وحضرها من الجانب المصري سامح شكري وزير الخارجية واللواء مصطفى شريف رئيس ديوان رئيس الجمهورية واللواء عباس كامل رئيس المخابرات العامة واللواء محسن عبدالنبى مدير مكتب رئيس الجمهورية والسفير ياسر رضا سفير مصر في واشنطن والسفير بسام راضى المتحدث باسم رئاسة الجمهورية.
أما الجانب الأمريكي رفيع المستوى فقد ضم مايك بنس نائب الرئيس ومايك بومبيو وزير الخارجية وجيمس بولتون مستشار الأمن القومي.
ثم انتقل الرئيسان وأعضاء الوفدين عبر الحديقة الداخلية إلى قاعة الغداء الرسمية حيث استكملت المباحثات.

خلال جلستي المباحثات الثنائية والموسعة عبر الرئيس ترامب عن تقديره لشخص الرئيس السيسي، وقال للرئيس: إننا حريصون على تشجيع أطر التعاون الثنائي وتعزيز التنسيق الاستراتيجي بين البلدين خلال الفترة المقبلة. وأشاد بدور مصر المحوري في المنطقة كدعامة رئيسية للسلم والأمن.
ونوه ترامب بالخطوات الناجحة التي حققتها مصر لإصلاح اقتصادها وزيادة تنافسيته مؤكدا رغبة إدارته في زيادة حجم التبادل التجاري مع مصر وتعزيز الاستثمارات المشتركة.
وقال ترامب للرئيس: إنني أثمن الجهود المصرية الناجحة في التصدي بحزم وشجاعة لخطر الإرهاب الذي يهدد استقرار المنطقة والعالم، وأود أن أعبر عن دعم الولايات المتحدة الكامل لمصر في هذا الصدد.
وتناول ترامب الحفل الذي تابعه على شاشات التليفزيون في افتتاح كنيسة ميلاد المسيح ومسجد الفتاح العليم بالعاصمة الإدارية، وعبر عن شكر بلاده بكافة مؤسساتها لجهود الرئيس في تعزيز التسامح الديني وحرية العبادة.

أما الرئيس السيسي فقد عبر عن اعتزاز مصر بعلاقاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة والقائمة على الاحترام المتبادل والتعاون المثمر لما فيه صالح الشعبين المصري والأمريكي. وأكد أن تكثيف التنسيق بين البلدين من شأنه أن يحقق المصالح المشتركة ويسهم في دعم جهود استعادة الأمن والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط التي تتعرض لاضطراب غير مسبوق.
وعن قضية الإرهاب.. شدد الرئيس السيسي على أهمية مواصلة التعاون لتقويض خطر التنظيمات الإرهابية ومنع وصول الدعم لها سواء بالمال أو بالسلاح أو الأفراد، وأشار إلى الجهود التي تبذلها مصر عسكرياً وأمنياً وتنموياً وفكرياً للقضاء على الإرهاب والفكر المتطرف.
واستحوذت التطورات في ليبيا على جانب كبير من الوقت المخصص للقضايا في إقليم الشرق الأوسط.. وأكد الرئيس السيسي أن انتشار التنظيمات الإرهابية من شأنه أن يقوض أي فرصة للحلول السياسية في ليبيا مثلما هو الحال في سوريا واليمن، وشدد على ضرورة محاربة تلك التنظيمات لفرض الأمن بما يسمح بإجراء الانتخابات.
ولم يتناول اللقاء مشروعاً محدداً للتسوية السياسية للقضية الفلسطينية، وهو ما اصطلح على تسميته إعلاميا بـ»صفقة القرن»، غير أن الرئيس السيسي شدد على أهمية التوصل إلى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، مؤكدا على موقف مصر الثابت من ضرورة تحقيق السلام على أساس قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، لإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وكانت قضية السلام قد هيمنت على مجريات لقاء الرئيس السيسي مع جاريد كوشنر كبير مستشاري الرئيس ترامب عشية انعقاد القمة المصرية الأمريكية، وأكد الرئيس فى ذلك اللقاء دعم مصر لأي جهد مخلص يضمن التوصل لحل عادل ودائم استناداً لقرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين. 
وخلال قمة السيسي وترامب، تطرقت الجلسة الموسعة إلى موضوع سد النهضة، وعرض الرئيس السيسي مسار المفاوضات الجارية مؤكدا أهمية التوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل السد يحافظ على الحقوق المائية لشعب مصر ومصالح الدول الثلاث، إثيوبيا والسودان ومصر.

جانب كبير من الفضل في النتائج المثمرة لزيارة الرئيس السيسي لواشنطن ومباحثات القمة مع الرئيس الأمريكي ترامب، يعود إلى أوراق القوة والتأثير التي تسلح بها الرئيس السيسي منذ القمة الأولى مع ترامب قبل 24 شهراً مضت، وحملها معه فى لقاءاته مع المسئولين الأمريكيين ورجال المال والصناعة في واشنطن.
فقد جاء الرئيس معززاً بتأييد شعبي جارف تمثل في انتخابات رئاسة الجمهورية العام الماضي، وبمعدل نمو مرتفع يتخطى 5.8٪، ويبشر بتجاوز نسبة 6٪ في العام المالي القادم، وبنجاح ملحوظ على صعيد سحق تنظيمات الإرهاب في شمال سيناء، وبنهضة عمرانية تتمثل في إنشاء 14 مدينة كبرى وعاصمة إدارية جديدة، وبمناخ يحفز على الاستثمار ويشجع القطاع الخاص على الإنتاج والنمو.
جاء الرئيس هذه المرة، وهو يتولى رئاسة الاتحاد الأفريقي، ويقود الجهود لاحتواء الأزمات التي عصفت بدول عربية وتهدد بتقويض المؤسسات الوطنية في دول أخرى، ويملك مفاتيح المصالحة الفلسطينية في تحقيق التهدئة بين الفصائل في قطاع غزة والجانب الإسرائيلي.
الفترة المقبلة ستشهد خطوات واسعة لتعزيز التعاون الاستراتيجي المصري الأمريكي من خلال اتصالات ولقاءات بين كبار المسئولين في البلدين، استنادا إلى نتائج مثمرة للقمة الثانية بين السيسي وترامب، ودفعاً لعلاقات تعيش أزهى أوقاتها.
وفى نفس الوقت.. تواصل مصر تحركاتها دوليا على الصعيد الثنائي، وبوصفها رئيسا للدورة الحالية للاتحاد الأفريقي، في عواصم العالم الكبرى للمشاركة في محافل التعاون بين أفريقيا والقوى الدولية الفاعلة.
 

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة