د. محمود الهوارى فى حواره مع محرر «الأخبار» د. محمود الهوارى فى حواره مع محرر «الأخبار»

عالم أزهري: دمج الخطاب الدينى مع تغيرات الواقع

عبدالهادي عباس الإثنين، 20 مايو 2019 - 12:55 ص

د. محمود الهوارى من علماء الأزهر الشريف:


التجديد: يقظة الفكر والضمير وتطوير وسائل الاجتهاد الفقهى


التبديد: التخلى عن ثوابت الدين والأخلاق.. وعزل الأمة عن تراثها


لا يزال شباب الأزهر الشريف قادرا على متابعة القضايا الشائكة وتفكيكها بطريقة علمية لتناسب الواقع المتغير، وربما كان الحديث عن مفهوم الخطاب الدينى وطرق تجديده غائما حتى الآن.

 

إلا أن الدكتور محمود الهوارى، أحد شباب العلماء بالأزهر الشريف، كانت له دراسات معمقة لتحرير مفهوم الخطاب ومصطلح التجديد.. وكان لنا معه هذا الحوار:  

 

< ألا تظن أن مفهوم الخطاب الدينى يحتاج إلى مزيد من تحرير المصطلح؟


- الخطاب هو كل نطق أو كتابة تحمل وجهة نظر محددة من المتكلم أو الكاتب، ويفترض فيه التأثير على السامع أو القارئ، وهو النتاج الفكرى، والثروة العلمية فى المجالات المختلفة التى تركها لنا الأئمة العلماء ممن تأملوا نصوص الشريعة الإسلامية حق التأمل، فاستنبطوا هذه العلوم المتعددة والمعارف الكونية العامة المتصلة بالله، والعالم، والإنسان.

 

وقد يأخذ هذا الخطاب شكل الخطبة والمحاضرة والرسالة والمقال والكتاب والمسرحية والأعمال الدرامية، وبذلك ينبغى ألا نحصر الخطاب الإسلامى فى خطبة الجمعة فحسب كما يتصور بعض الناس.


< هذا عن مفهوم الخطاب، فماذا عن التجديد؟


- فهم معنى التجديد فى اللغة يبعث فى الذهن ثلاثة معان متصلة، هي: أن الشيء المجدد كان فى أول الأمر موجودا فى حياة الناس، ثم أتت عليه الأيام فأصابه التغير، وصار قديما، ثم أعيد ذلك المجدد إلى مثل الحالة التى كان عليها قبل أن يتغير.

 

والذين تناولوا قضية التجديد متنوعون جدا، منهم من يرى أن التجديد إحياء العمل بالكتاب والسنة على ما كان عليه الأولون، وإزالة الجهل، والتخلص من البدع الموروثة أو المحدثة فى الدين؛ ليظهر الأصل نقيا واضحا، وإعادة عرض الإسلام بمبادئه وأحكامه وعلومه وثقافته من جديد بعد إهمال، بين الخاصة والعامة، وتصحيح المفاهيم الفاسدة، وترك التقليد الأعمى القائم على الاتباع والمحاكاة دون تبصر، والسعى لبناء وعى إسلامى حضارى يصلح الدنيا ولا يفسدها ويؤمن الناس ولا يخيفهم.


وظيفة التجديد


< وما وظيفة التجديد بحسب هذا المعنى؟


- وظيفة التجديد هنا حراسة الدين بنفى كل دخيل يمس أصوله أو فروعه بالتبديد، والتأويل الفاسد، والانتحال الباطل.. وأصحاب هذا الاتجاه يستندون إلى شرح حديث التجديد المشهور: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، فالشراح يقولون معنى التجديد المذكور فى الحديث يعني: يبين السنة من البدعة، ويكثر العلم، ويعز أهله، ويقمع البدعة، ويكسر أهلها، ويجعلون عمر بن عبد العزيز والإمام الشافعى والإمام الغزالى رحمهم الله جميعا من هؤلاء المجددين طبقا لهذا الفهم.


قيود التراث!


< ولكن هناك أيضًا من يرى أن التجديد يحمل معنى التخلى عن تراثنا تماما والبدء من جديد.. ما رأيك؟


- بالفعل هناك من يرى التجديد فى التخلى بالكلية عن تراث الماضى، الذى يراه قيدا مانعا من التفاعل مع معطيات العصر الحديث، ويعول المنادون بالتجديد وفق هذا المعنى على عقولهم، وعقولهم هم فقط، دون بقية عقول المتخصصين! ويرون أن الإسلام هو السبب الرئيسى فى تخلف العالم الإسلامى عن ركب الحضارة، وأن سبب ضعف قدرة المجتمعات الإسلامية على تغيير واقعها هو تمسكها بالدين الإسلامي! .

 

وهذا تعسفٌ صريحٌ، وهو إلى التبديد أقرب منه إلى التجديد، والتجديد بهذا المعنى يؤدى إلى تنحية الشريعة، والأحكام الدينية، والقيم الأخلاقية، وعزل الأمة عن تراثها!.. والتجديد الذى يتخلى عن ثوابت الدين وأصوله، ويعزله عن الحياة مرفوضٌ، وأما التجديد المقبول فهو الذى يدعو إلى يقظة الفكر والضمير، والعقل والقلب؛ وهو الذى يضيف رصيدا فقهيا يواكب ما يستجد من قضايا بالاجتهاد الدائم، ليعود الدين كما كان موجها لحركة الحياة، ومرشدا لسيرها، وهو تطوير الوسائل والآليات بما يمكن من خدمة الدين والأمة، وتأكيد وجودها الحضارى، وإعلاء قدر الطرح الذى يضمن سلامة الأبدان والأديان والإنسان.


مجدد ذاتيا


< لكن التجديد أحيانا يصبح ضرورة تفرضها الأحداث والتغيرات؟


- هذا صحيح جدا، بل أزيدك إن الإسلام مجدد ذاتيا، ولو لم يكن كذلك لما كان صالحا لكل زمان ومكان، فدليل صلاحيته أنه مجدد ذاتيا بما يتناسب مع المتغيرات من حوله، فيحتاج الخطاب الدينى اليوم إلى رسم منهج يقدم الإنسان على البنيان، والوعى قبل السعى، والساجد قبل بناء المساجد، ويخرج من صورة العبادات وظاهرها إلى جوهرها ومقاصدها، ويقدم قراءة للكون إلى جنب قراءة القرآن والسنة، وهو ما يحاول أن يقدمه الأزهر وبقوة فى الفترة الأخيرة.


< كيف يُمكن أن يُسهم التجديد فى علاج قضايا الإلحاد أو التطرف التى باتت تؤرقنا؟


- إحدى آليات العمل التجديدى أن يواكب ما يجرى فى حياة الناس، والتجديد ينبغى أن يتصدى لكل ظاهرة تناقض مقاصد الإسلام كالإلحاد أو التطرف، ودعنا نتفق أن الإلحاد والتطرف وجهان لعملة واحدة كلاهما بُعد عن الدين بوسطيته وسماحته، فهذه حقيقة الدين، ومن يتعامى عنها لم يفهم دينه، ومن غابت عنه هذه الوسطية وقع فى أحد طرفى التطرف.
 

الاخبار المرتبطة




الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة