دكتور محمد داود دكتور محمد داود

محمد داود يكتب: السنن الكونية لا تجامل أحدًا

بوابة أخبار اليوم الإثنين، 27 مايو 2019 - 03:29 م

في سلسلة مقالات للدكتور محمد داوود أستاذ علم اللغة بجامعة قناة السويس، يسلط الضوء على قضية الإلحاد، من خلال الرد على تساؤلات وردت بالفعل، ننقلها لكم يوميًا.

 

عمل «داوود» في البداية على نشر هذه التساؤلات عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، تحمل اسم «الملحدون يعترفون»، ثم أشار عَليه بعض أصحابه بسلسلة تجمع خلاصة هذه الحوارات في كتاب لتكون متاحة لمن لا زالوا يفضلون النسخة الورقية للكتاب على النسخة الإلكترونية.

 

وإلى اللقاء الجديد

أين وعد ربكم للمؤمنين بالحياة الطيبة؟! {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}، والطيبون هم التعساء فى العالم.. والواقع يشهد أن الحياة الطيبة والتقدم العلمى للكافرين؟!

عزيزى... 
أنتم تزعمون أن معظم التعساء فى الحياة الدنيا هم الأكثر تمسكًا بالإسلام, فالدول الأكثر فقرًا، هى الدول النامية أو المتخلفة وهى دول مسلمة, وعلى مستوى الأفراد نجد هذا المشهد قائمًا أيضًا, كما أن الله تعالى يقول: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4]؛ يعنى لا بد من المكابدة ولا بد من التعب. 


فكيف نوفق هنا بين المعنيين: بين أن يحيا المسلم حياة طيبة، وأنه يكابد الحياة فى الوقت نفسه؟
والحق أنه لا تناقض ولا تعارض، لكن المسألة تحتاج إلى بيان وتوضيح للمفهوم الحقيقى لمعنى قول الله :{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97].
أثر الإيمان الصادق:
نحن هنا أمام أمرين: الإيمان، والعمل الصالح.. فالإيمان يجعل الإنسان فى رضا إذا اشتدت عليه الأمور وحدثت هنالك ابتلاءات.. يقول النبى صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رواه مسلم).. فالإيمان يثمر الرضا بما عند الله من ثواب فى حال النعمة وفى حال الشدة.
حقيقة العمل الصالح:
أما العمل الصالح فينبغى أن نعلم أنه لا يقتصر على العبادات من الصلاة والصوم وغيرها فقط, بل يشمل أمورًا كثيرة مثل البحث العلمي, وإعمار الأرض، فهو عمل صالح ومهمة قرآنية لقوله تعالى: (واستعمركم فيها)، ومن العمل الصالح أن ننظِّف الشوارع, ومن العمل الصالح أن تكون الصحة والمستشفيات على درجة عالية من الاهتمام والدقة وتؤدى دورها, ومن العمل الصالح أن يكون الإتقان سمة من سمات اليد التى تنتج, فيكون عندك أفضل منتج بأرخص سعر، وهذا من العمل الصالح.
أى أن تكون صالحًا؛ أى ماهرًا متقنًا شؤون الحياة الدنيا كما تتقن أمر العبادات والدين، إذن الوعى بآفاق العمل الصالح يجعلك فعلًا من السعداء؛ لأنك ستكون الأفضل والأحسن وتتحقق لك الحياة الطيبة بالمعنى المادى فى الدنيا قبل الآخرة.
إذن الإيمان يجعلك فى رضا حينما يكون هنالك ابتلاءات, من مرض, أو فقر, أو شدة، فلا تنهار كما ينهار الآخرون, إنما يكون منك التماسك أمام الأزمات المفاجئة، وتتحول الشرور والأزمات إلى قصة نجاح جديدة.. هذا هو معنى القوة التى يعطيها لك الإيمان والعمل الصالح.
وهذا يتوافق مع قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}، بمعنى أن الحياة لا بد فيها من صراع بين الخير والشر, بين الحق والباطل.
حكمة الاختبار:
وفى إطار قول الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ } [الملك: 2]. نجد أن الإنسان مختبر فى هذه الحياة, وأن الأمور لن تكون وردية بالكامل، بل ستصادفك اختبارات, والإيمان يجعلك الأقوى، ويجعلك الأحسن.
إن معدن (الماس) فى أساسه كان فحمًا تعرض لضغوط شديدة وعالية جدًّا بين الصخور لملايين السنين، فتحول هذا الفحم إلى ماس بواسطة هذه الضغوط, والفحم الذى لم يتعرض لهذه الضغوط يظل فحمًا.
إن الإنسان بالشدائد يكون الأقوى، يكون قطعة ماس، ولا يظل فحمًا على طينته وعلى عهده الأول بدون خبرة, فالشدائد تعطينا خبرة، وتصنع بنا قوة, فلا يكون الانهيار أو الجزع.
ألا ترى كيف يكون العامل المجتهد سعيدًا بتعبه؛ لأنه ينتظر الخير الذى يحصل عليه فى النهاية، والطالب الذى يسهر الليالى سعيدًا بسهره؛ لأنه ينتظر التفوق والدرجات العالية؟!! وهكذا هى الحياة.
فإذا حقق المؤمن المعادلة القرآنية: (عمل صالح يشمل الدين والدنيا + الإيمان الصادق = الحياة الطيبة) فاز بالحياة الطيبة.
أما قولك يا عزيزى: إن الواقع يشهد أن الحياة الطيبة والتقدم العلمى للكافرين، فأين هى الحياة الطيبة التى وعدكم ربكم بها؟!
فالجواب: السنن الكونية لا تجامل أحدًا.
فربنا قد أقام الكون على سنن كونیة (قوانين).. لا تتبدل.. ولا تتحول.. ولا تجامل أحدًا... یعنى من یعرف العوم وهو ملحد ينجو من الغرق، والمؤمن الذى لا یحسن العوم يصيبه الغرق؛ لأنه هنا يفتقد لمواصفات الصلاحیة فى العوم... أما الملحد فقد نجا؛ لأن مواصفات الصلاحية فى العوم قد اجتهد فيها حتى تمكن منها... 
إذن السنن الإلهية لا تجامل أحدًا، مَن اجتهد فى تحصيلها نال ثمرتها وتمتع بها...
فنحن شقينا ببعدنا عن الإسلام... أمرنا بالعلم وتخلفنا... أمرنا بالعمل وإحسانه وتكاسلنا ولم نعمل ولم نحسن... أمرنا بالخُلُق العظيم ولم نتخلق به... أمرنا بعدم التنازع وتنازعنا... إلخ.. فشقاؤنا بسبب بعدنا عن الإسلام العملى الحياتى... 
أما الأمم الغربية فتقدمت بأخذها بأسباب العلم الذى أمرنا الله به.

 

اقرأ أيضًا...

محمد داود يكتب: هل شقينا بالإسلام؟!

محمد داوود يكتب: هل يمكن أن توجد منظومة أخلاقية داخل مجتمع إلحادي؟

«داود» يكتب: «أنا والملحد».. اعترافات وحوار لم ينته

محمد داود يكتب: «أنا والملحد».. صمتًا الكون يشهد

«داود» يكتب «أنا والملحد»..هل الله يغوي خلقه لفعل الشر؟

محمد داود يكتب: لماذا يحاسبنا الله وقد كتب كل شىء؟

محمد داود يكتب: ما الحاجة إلى الدين في عصر العلم؟

الاخبار المرتبطة


الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة