صورة موضوعية صورة موضوعية

رمضان محبة ... الأقباط يرفعون «شعار الدين لله والخير للجميع»

محمد قنديل- ياسمين سامي الجمعة، 31 مايو 2019 - 10:12 ص


«إذا كان الإنجليز يتمسكون بوجودهم في مصر بحجة حماية الأقباط، فليمت الأقباط ويحيا المسلمون أحرارا ولو احتاج الاستقلال إلي مليون قبطي فلا بأس من التضحية»‬ كلمات للقمص سرجيوس من خطبته علي منبر مسجد أحمد بن طولون خلال ثورة 1919.. لطالما كانت الوحدة الوطنية ليست مجرد شعارات تلهب الحماس والانتماء في القلوب بل هي واقع وروح طيبة في مجتمعنا فدائماً ما يثبت المصريون أنهم نسيج واحد يزداد تماسكًا أمام كل معتد علي مر العصور.

 وفي كل عام تحديدًا في شهر رمضان الكريم يحتفل الأقباط مع المسلمين، يساهمون في تعليق الزينة والفوانيس في الشوارع بل يقيمون موائد الرحمن ويوزعون المصاحف وكذلك توزيع التمر ووجبات الإفطار علي المارة في الشارع وقت أذان المغرب لتضرب أروع الأمثال في الوحدة والتكاتف بين أشقاء الدم والوطن.

«‬الأخبار» ترصد قصص تماسك النسيج الوطني في السطور التالية.

يقف عم صبحي وسط جيرانه وأصدقائه لمساعدتهم في تجهيز وجبات الإفطار لمائدة الرحمن، داخل شارع صغير في منطقة ميت عقبة بمحافظة الجيزة.. كونه مسيحيا لم يمنعه من تقديم الخير وإفطار الصائمين من إخوته المسلمين، فمع اقتراب أذان المغرب يعمل الجميع كخلية نحل من أجل إعداد الوجبات وتجهيز المائدة التي صُبغت بروح الوحدة الوطنية..«‬الأخبار» التقت عم صبحي وصديقه المسلم أشرف إبراهيم وبعض القائمين علي المائدة، لنرصد حالة المحبة والأخوة التي تسود المكان.

يقول عم صبحي إن الدين محبة وجميع المصريين أخوة في الدم والوطن، ودائما ما تسود بيننا الرحمة فلا فرق بين مسلم ومسيحي فالجميع أبناء آدم وحواء، ويربطنا في مصر حب الوطن، كما أن أعمال الخير والإنسانية لا ترتبط بالدين.

ويضيف أنه يحب دائماً مشاركة إخوته المسلمين أجواء السعادة والفرح في شهر رمضان الكريم، كما أنه يحرص دائما عل تناول الحلوي الخاصة بهذا الشهر مثل الكنافة، كما انه يحرص أحيانا علي تناول الإفطار علي المائدة رفقة أصدقائه وجيرانه.. ويختتم حديثه بابتسامه قائلاً :أبونا إبراهيم اتجوز ستنا سارة وستنا هاجر.. إحنا أبناء ستنا سارة وأنتم أبناء ستنا هاجر، علشان كدة كلنا واحد وأخوات.

يلتقط طرف الحديث أشرف إبراهيم أحد مؤسسي المائدة، فيؤكد أنها بدأت منذ حوالي 21 عاماً، وفي البداية كان القائمون علي المائدة يؤجرون مكان لإعداد الوجبات بسعر مرتفع، حتي جاء عم صبحي وعرض عليهم مكان مجاني خاص به ليتم استعماله كمطبخ لإعداد الوجبات بالإضافة إلي المساعدة في أي تجهيزات أخري للمائدة.

ويتابع عم أشرف بأن الجميع يريد فعل الخير بغض النظر عن الدين، فالمصريين منذ قديم الأزل تجمعهم الروح الطيبة والأعمال الإنسانية بعيداً عن اختلاف الأديان، ومائدة الرحمن تجسد هذه الروح.. ويردف قائلاً إن المائدة توفر يومياً حوالي 650 وجبة، نصفهم يتم توزيعهم في السرادق، والباقي توزيعات خارجية لمن لا يرغب في الجلوس بالمائدة، فهناك من يفضل أخذ الطعام والإفطار بمنازلهم.

ويشير يسري الغرباوي، أحد القائمين علي المائدة، إلي أن الغرض من هذا العمل هو إرساء مبادئ الدين سواء الإسلامي أو المسيحي، فالأديان تدعو إلي الرحمة والتسامح والمحبة بين الجميع والتكافل الاجتماعي، ويتابع بأن قبل بدء شهر رمضان يتم التعاقد مع شركة توريدات غذائية لإمدادهم بالمواد مثل الأرز وغيرها من المكونات، كما يتم اختيار أجود أنواع المواد مهما كان سعرها حتي مع موجة ارتفاع الأسعار فدائما ما يتم الاعتماد علي افخر الأنواع لاعداد الوجبات للمائدة.

ويضيف الغرباوي، أنه يتم الاعتماد علي مجموعة من الطباخين المتخصصين، مع وجود أمين مخزن يخرج طلبات «‬الشيفات» يومياً، ويتم الانتهاء من تجهيز الطعام في الخامسة والنصف مساءً.. كما تتميز المائدة بأنها توفر يومياً صنف حلويات بالإضافة إلي السلطات.

«بيتر».. إفطار للصائمين بالقطارات

شاب في مقتبل العمر، يتحرك بخفة ونشاط داخل محطة قطار نجع حمادي لتوزيع وجبات الإفطار علي الصائمين متحدياً حرارة الجو وعلي وجهة ابتسامة دائمة، حرصه الشديد علي تقديم الوجبات أثار إعجاب الجميع وما لفت الانتباه أكثر هو ديانته المسيحية.. بيتر حشمت الذي يعمل محاسبا في إحدي الشركات، كرس وقته للأعمال الخيرية والمساعدة في فعل الخير رفقة مجموعة من زملائه بجمعية تدعي »قلب واحد»‬، في رسالة تعكس أن المجتمع مليئ بالشباب المحب لوطنه والساعي لفعل الخير أياً كانت الديانة.

«‬الأخبار» تواصلت مع بيتر والذي يؤكد أنه أسس رفقة زملائه جمعية »‬قلب واحد» ثم ملتقي شباب نجع حمادي بهدف خدمة المجتمع والأعمال الخيرية، وقبل تأسيس هذه الجمعية لم تتوقف الأعمال الخيرية مثل توزيع الطعام والبطاطين، دون النظر للديانة فهناك في المجموعة عدة شباب مسيحيين..ويتابع أنه بدأ الدخول في العمل الخيري منذ عام 2010.

ويضيف بيتر أن فكرة توزيعه للوجبات علي الصائمين بمحطة القطار من الأمور الرائعة التي قام بها، وجاءت بعد ملاحظته استغلال الباعة الجائلين للظروف ورفع سعر الطعام مما يثير ازعاج الصائمين، فقرر مع مجموعة من زملائه اطلاق ما يسمي «قطار الخير»، وهو عبارة عن إعداد وجبات بسيطة بمجهودات ذاتية، فننتظر ميعاد قدوم القطار الموافق لميعاد الإفطار ومن ثم نقوم بتوزيع الطعام داخل القطار علي الصائمين.
ويتابع أن فكرة جمعية »‬قلب واحد» تقوم علي تقديم كافة الخدمات لغير القادرين، والمساعدة في تنمية المجتمع، فهناك عدة لجان داخل الجمعية مثل لجنة المسرح ولجنة الوعي السياسي لتوعية المواطنين بحقوقهم وواجباتهم تجاه الوطن، وغيرها من اللجان.

ويشير إلي أن الجميع يعمل بدون النظر إلي الديانة فالكل مصري وأخوة في الوطن، والهدف هو تنمية العمل الخيري وفعل الخير لمساعدة غير القادرين، كما أنه وجد التشجيع من أصدقائه وأهله لمواصل هذه الأعمال.

ويوجه بيتر رسالة إلي الشباب بضرورة فعل ما يرغب فيه ويحبه مهما كانت الظروف المحيطة ودون النظر إلي الصعوبات والعقبات، وعمل الخير لايرتبط بالديانة أو فئة معينة، فجميع الأديان تؤكد علي ضرورة اطعام الفقراء وغيرها من الأعمال الخيرية.

«لطفي».. يوزع «السور القرآنية»

كتيب صغير يوجد به ست سور قرآنية كريمة، يتم توزيعه علي أهالي مدينة قفط محافظة قنا، يبتسم كل من يراه ويحتضن من يقم بتوزيعه، يواسيه علي فقيدته التي خسرتها المدينة بأكملها ويدعو لها بالرحمة والمغفرة والجنة، إلا أن تلك الكتيبات غلفها عطر الوحدة الوطنية وامتزج في داخلها روابط صامدة علي مر العصور، فشلت أيادي الأرهاب الملوثة في كسرها، ودفنت أعاديها ممن حاولوا هدمها في مصر علي وجه الخصوص، فبداخل كتيب القرآن علي صفحته اليمينية كتبت عبارة »ارجعي يا نفسي إلي موضع راحتك»‬ لدعوة الجميع لحضور ذكري الأربعين الخاصة بالسيدة عايدة وهيب مرقص بكنيسة مارجرجس بمدينة قفط.

بدأت قصة السيدة عايدة وهيب منذ صغرها حيث نشأت علي المحبة مع أبناء قريتها جميعًا لم تعتد علي التفريق بين مسلم او مسيحي، فدارها دائمًا مفتوح لجميع الجيران، فهم العشرة الطيبة و»واكلين عيش وملح مع بعض»، هكذا يروي ابنها الشاب متي لطفي ابو الليف، في العقد الثالث من عمره، يعمل في توريدات البضائع، فيقول: »‬أمي توفيت بعد صراع مع مرض السرطان، وللأسف اكتشفنا ذلك مصادفة في مرحلة مـتأخرة» إلا أن ذلك لم يمنعه عن اكمال طريق المحبة التي زرعتها فيه منذ نعومة أظافره.

يروي متي أن الفكرة جاءته من محبة نابعة من القلب لإخوته المسلمين والمتبادلة، ففي مدينة »‬قفط» النسيج الوطني واحد ويعتز بذلك ويحارب شتي أشكال التطرف والعنف التي يريد أعداء الوطن نشرها من خلال العمليات الإرهابية التي يرتكبونها باسم الإسلام وماهم من الإسلام في شيئ، وأن والدته كانت دائمًا تستقبل المسلمين ويتناولون الطعام سويًا وتربي مع جيرانه الذين أصبحوا بمثابة إخوته بل أكثر تربية واحدة.

«‬المحبة مش مجرد كلام.. المحبة أفعال» هكذا تحدث الشاب الثلاثيني عن الروح الجميلة السائدة والمحبة للوحدة الوطنية، فعلي حد قوله جيرانه لم يتركوه بعد وفاة والدته بل كانوا أكثر من تواجد في العزاء ومنهم من كتب قصيدة رثاء في والدته الفقيدة وهو الشيخ محمد ابو عامر الرموزي، حيث سادت بينها وبين أسرته علاقة وطيدة من الود والمحبة.

في عزاء والدته وقفوا جميعًا جانبه وكانت الدموع تنهمر منهم عليها ويدعون لها بالغفران والجنة، وفي أثناء يوم الأربعين الخاص بها قام بتوزيع كتب دينية مسيحية علي المسيحيين وهو الأمر المعتاد، لكن المسلمين طلبوا ذكري لوالدته فقرر «‬متي» عمل كتب قرآنية وطباعة صورتها عليها وتوزيعها علي إخوته في القرية خاصة اننا في شهر رمضان الكريم، عرفانا وردًا للجميل ولمحبتهم، مؤكدًا أنها غابت لكنهم لم يغيبوا عنه وما زالت زياراتهم متكررة علي منزلة والعلاقة الطيبة هي القائمة، «‬لا إرهاب ولا غيره يقدر يهدنا.. إحنا في مصر».

«ندي ثابت».. تفطر 300 صائم يومياً

قبطية مصرية، استطاعت أن تصبح واحدة ضمن ألف سيدة تم ترشيحهن علي مستوي العالم لنيل جائزة نوبل في السلام الاجتماعي وتم وضع صورتها علي غلاف كتاب أصدرته هيئة جائزة نوبل ضمن ألف سيدة ناضلن من أجل قضايا مجتمعاتهن، خاصة خدمة ذوي الاحتياجات الخاصة.. السيدة ندي ثابت، رئيس مجلس إدارة »جمعية قرية الأمل للتنمية والتأهيل الاجتماعي للمعاقين»‬، تحرص سنوياً علي إقامة مائدة رحمن لإفطار الصائمين، في لفتة طيبة نالت إشادة الجميع.

دور السيدة ندي لم يتوقف عند ذلك الحد، بل تطور لإنقاذ آلاف الاطفال من ذوي التشوهات أو العيوب الخلقية ولعبت دور حلقة الوصل بين مستشفي اسكندرية الجامعي وبين الحالات التي تحتاج للعلاج بالمجان وبالفعل أجري الأطفال العمليات، ليمارسوا حياتهم بشكل طبيعي.

«احنا قدرنا نعمل مائدة رحمن لأكثر من 300 فرد كان معظمهم أسر وأطفال من ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة وكان يوم جميل جدا خلق حب ومودة وتعارف بين الناس وهو ده هدفنا» هكذا تري ندي ثابت أن هذا هو أسمي الأدوار المجتمعية التي من الممكن القيام بها، وان عدم النظر للعرق أو الدين او الجنس او اللون هو ارقي ما في الانسانية، لذلك تكمن بهجتها في هذه المائدة التي تجمع كل المصريين في رمضان بمحافظة الإسكندرية.

 

الاخبار المرتبطة





الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة