مشهد من مسلسل تشيرنوبل مشهد من مسلسل تشيرنوبل

"تشرنوبل" كيف صنعت مأساة الماضي أفضل مسلسلات الحاضر؟

مصطفى حمدي الثلاثاء، 11 يونيو 2019 - 05:17 م

"في ذكرى من عانوا وضحوا" بهذه العبارة يختتم صناع مسلسل "تشرنوبل" حلقاته الخمس، لتجيب لنا عن مشهد انتحار العالم الفيزيائي "فاليري لجاسوف" الذي تبدأ به حلقات السلسلة، وبينهما يعيش المشاهد مع واحد من أفضل الأعمال الدرامية العالمية خلال السنوات الأخيرة .

"تشرنوبل" مسلسل قصير من خمس حلقات مدة الحلقة ساعة تقريبًا، كتبه كريج مازن وأخرجه يوهان رينك وانتاج شبكة HBO  بالتعاون مع sky  البريطانية، من الإسم ستفهم أن العمل يتناول حادثة انفجار مفاعل تشرنوبل النووي في جمهورية أوكرانيا السوفيتية عام 1986، والتي تعد أخطر كارثة نووية عرفتها البشرية.

بدأ عرض المسلسل في 6 مايو الماضي، ونال أعلى تقييم في موقع IMDB  بواقع 9,8 ليصبح ثاني أهم مسلسل في التاريخ وفقًا لتقييمات رواد الموقع، ولكن الملفت للإنتباه أن شبكة HBO  أطلقت العمل سريعًا بعد ردود الأفعال السلبية على ختام الجزء الأخير من مسلسل "لعبة العروش" الذي ظل الإنتاج الدرامي والترفيهي الأضخم في تاريخ الشبكة، إلا أن ظهور تشرنوبل في هذا التوقيت كشف عن توجه جديد للشبكة بعيدًا عن "الترفيه المُطلق"، فنحن أمام عمل يمزج بين الطابع الوثائقي والسرد الدرامي المركز في عدد حلقات قصير.

تبدأ أحداث تشرنوبل بانتحار العالم الفيزيائي "فاليري لجاسوف" والذي يجسد دوره ببراعة النجم البريطاني جاريد هاريس، ثم ننتقل بطريقة "الفلاش باك" كي نعرف مبرر الانتحار، لتبدأ القصةبانفجار مفاعل تشرنوبل وسط ارتباك من جميع العاملين فيه ومحاولات مستميته من النظام السوفيتي للتعتيم على الكارثة،وهو مايظهر في الحلقة الأولى التي تحمل عنوان " 1 و 23 دقيقة" وهو نفس توقيت انفجار المفاعل.

التاريخ يؤكد أن ماجرى في تشيرنوبل لم تُكشف أسبابه الحقيقية حتى الأن، هل هو خطأ فني يهدم الأسطورة النووية السوفيتية ؟ أم هو عمل تخريبي بأيادي أمريكية ؟ ولهذا تعيد الولايات المتحدة كتابة التاريخ بتقديم مسلسل هو في الواقع إدانة صريحة للنظام السوفيتي بقتل مواطنيه وجنودة للحفاظ على صورته أمام العالم، الأمر لا يخلوا من رسالة سياسية داخل العمل وإن كانت مغلفة بكتابة شيقة ومتماسكة بحرفية شديدة .

على مدار الحلقات الخمس يُمسك كريج مازن ويوهان رينك بطرفي معادلة تبدو سبب نجاح العمل وهي تركيزه دراميا على نتائج الكارثة وليس أسبابها، في حين يبقى البحث عن سبب الكارثة هو السؤال الذي يطرحه المشاهد دائمًا، ولكن قدرة الثنائي على إظهار الألم النفسي للضحايا نافست بوضوح براعة تجسيد الألم الجسدي والذي بلغ حد البشاعة في مشاهد أجساد الجنود ورجال المطافي والعمال المتحللة وهم بين الحياة والموت في المستشفيات.

على صعيد الكتابة والإخراج والموسيقى التصويرية التي لعبت دورًا كبيرًا في تسريب تلك الحالة السوداوية للمشاهد يبدو كل شيء محكم ، ولكن ماذا عن التمثيل ؟ يشارك في بطولة المسلسل نخبة من النجوم مثل ايميلي واتسون، وستالين ستارسجارد، والثلاثي يمثل أطراف متباينه في فريق التحقيق، عالمان يبحثان عن الحقيقة وقائد حزبي يسعى لموائمة الأـمور وإن ظل ضميرة يميل دائمًا تجاه الحقيقة.

الخط الدرامي بين تناقض شخصيتي الخبير النووي " لجاسوف" وشريكة القيادي الحزبي "ستيلان" يمثل قيمة الإنتصار للإنسان قبل أي شيء فعندما يواجه الثنائي مصيرهما وهو الموت بالسرطان عاجلا ام آجلا نتيجة التواجد في موقع الكارثة للتحري عما حدث، تذوب الفروق الفكرية وتتغير شخصية السياسي البارز ويصبح الهم المشترك إنقاذ الملايين من المصير الأسود، ودعما لفكرة تشابك المصائر يقع فريق التحقيق تحت ضغوط كبيرة من النظام السوفيتي لمنعهم من الاعتراف بالحقيقة أمام منظمة الطاقة الذرية في فيينا، وهي أن المفاعلات السوفيتية تعاني عيوب تصنيع وأن العاملين في تشرنوبل لم يؤهلوالهذه المهمة الخطيرة ،يتضح ذلك في مشهدمقابلة عالمة الفيزياء النووية مع أحد كبار مهندسي المفاعل المصابين،فعندما تسأله عن عمره يجيب : 25 سنه فقط !

يترك المخرج نظرة الدهشة لدى العالمة لتجيب على كثير من الأسئلة، ثم يؤكد رسالته عندما تخرج من غرفة الرعاية المركزة ليتلقفها رجال المخابرات السوفيتية !

على امتداد حلقات المسلسل يحمل كل مشهد إدانة للنظام السوفيتي بداية من قيادي الحزب الشيوعي الذي قرر احتجاز سكان المدينة وقطع الاتصالات عنها كي لا تصل الأخبار للعالم حتى لو قتل الإشعاع 50 ألف مواطن، وصولًا إلى موافقة "ميخائيل جورباتشوف" نفسه على التضحية ب750 ألف جندي وعامل محاجر وعالم مهندس لتطهير منطقة الكارثة كدروع بشرية بديلة للأجهزة والروبوتات التي تلفت نتيجة التعرض لإشعاع يعادل 400 ضعف تأثير قنبلة هيروشيما!

لا خلاف على مهارة صناع العمل في تطريز القصص الإنسانية داخل واقعية وسوداوية الكارثة وهو ما يظهر في الخط الدرامي الخاص برجل المطافيء الذي يموت متحللًا فوق فراش المستشفى بعد تعرضه لاشعاع المفاعل مباشرة خلال عمليات الإطفاء، بينما زوجته الحامل تُصر على البقاء بجواره رغم خطورة الأمر فتفقد جنينها، قصة انسانية موازية طوال الأحداث ما تلبث أن تنتهي حتى يربطك المؤلف بقصة أخرى لجندي شاب ضمن فرقةطافت محيط تشرنوبل لتقتل الحيوانات المتأثرة بالإشعاع، وكذلك رئيس مجموعة عمال المحاجر الذي يحفرون خندقًا أسفل المفاعل المشتعل بأجسادهم العارية لينقذوا شعوب أوروبا من انتشار الإشعاع في التربة وهم يعلمون أن مصيرهم الموت "تحللًا" خلال ساعات.

تشرنوبل عمل يمثل تأسيسًا لتيار جديد في صناعة الدراما العالمية سواء بعدد حلقاته القصير أو مزجه بين الواقعية والروائية، ولكنه عمل سيظل في تاريخ الذاكرة التليفزيونية درسًا في كيفية تقديم عمل فني ناجح من قلب ثنائية المأساة والسياسة .

 

 

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة