د.هشام سلام خلال الحوار د.هشام سلام خلال الحوار

حوار| أول مكتشف مصري للديناصورات: لم تنقرض وأحفادها ضيف دائم على موائدنا

حازم بدر الأحد، 21 يوليه 2019 - 01:02 ص

- «منصوراسورس» ينافس رمسيس الثانىفــــــــى قيمته العلمية
- عينات متحفنا الجيولوجى الأهم عالميا.. وافتقاد الشغف دفنها بالأدراج
- 3 فوائد مباشرة لاكتشاف الحفريات أهمها تربية أجيال محبة للعلوم

قبل نحو عامين كانت الرغبة فى الدخول إلى حرم جامعة المنصورة للقاء د.هشام سلام، الأستاذ المساعد بقسم الحفريات الفقارية بالجامعة، تستدعى اتصالا من أمن الجامعة بكلية العلوم للسؤال : هل يوجد لدينا دكتور بهذا الاسم؟


الوضع أصبح مختلفا بعد يناير 2018، مع نشر دورية «نيتشر إيكولوجى آند إيفولوشن» العلمية الشهيرة بحثا عن اكتشافه العالمى للديناصور الذى أسماه « منصوراسورس» تيمنا باسم الجامعة، إذ يكفى أن تقول لدى موعد مع د.هشام سلام، لينطق أمن الجامعة قائلا على الفور: « تقصد مكتشف الديناصور «.


ما بين الوضع السابق والحالى قصة كفاح استطاع د.سلام خلالها تسخير امكانيات الجامعة البسيطة، لتحقيق انجاز علمى كبير، هو الأول من نوعه، ليصبح اسمه مرتبطا باسم الديناصور، حتى أن كارت التعريف الشخصى الخاص به الذى يحمله فى المؤتمرات والندوات يحمل صورة هذا الاكتشاف إلى جانب اسمه.


وخلال حواره مع «الأخبار» يأخذنا فى رحلة منذ عودته من جامعة إكسفورد حاصلا على الدكتوراه، حتى نجاحه فى تحقيق هذا الاكتشاف العالمي، ويتخلل ذلك وضعه لـ «روشتة» للنجاح يرى أن الإلتزام بها يقود حتما إلى النهاية السعيدة، ولم يبخل ببعض الآراء العلمية فى مجال التخصص والأخبار الجديدة عن أحدث الاكتشافات التى ستظهر قريبا على صفحات الدوريات العالمية.

سأبدأ من الخبر الأحدث، وهو اختيار فريقك البحثى شخصية العام فى جامعة المنصورة، حيث كان لك تعليق أن الجامعة اختارت الديناصور «منصوراسورس» شخصية العام، فهل أصبح «منصوراسورس» أشهر من هشام سلام؟
يطلق ضحكة عالية يعقبها بقوله: منصوراسورس هو هشام سلام، وجاءت شهرته لأنه من أنواع الاكتشافات المهمة التى تلقى اهتمام إعلامى وجماهيري، رغم أن لدينا اكتشافات تفوقه قيمة من الناحية العلمية.. فمنصوراسورس قصة تستطيع أن تحكيها للعالم باعتباره اكتشاف مهم يسد فجوة زمنية فى قارة أفريقيا تصل إلى قرابة 30 مليون سنة فى الفترة ما بين (94 - 66 مليون سنة)، كما تستطيع أن تحكيها للشخص البسيط أيضا ويستمتع بها.
علم من أجل التنمية
هذا يأخذنى لسؤال عن قيمة مثل هذه الاكتشافات، فالبعض يصنفها على أنها علم من أجل العلم، وليست علما من أجل التنمية؟

تكتسى ملامح وجهه بالحماس الشديد وتخرج الكلمات من فمه سريعة: أختلف معك، فأى علم يجب أن تكون بدايته «علم من أجل العلم»، ويأتى بعد ذلك انعكاسات هذا العلم على المجتمع.. فمثلا عندما بدأ البشر يغزو الفضاء، كان علما من أجل العلم، هدفه فقط استكشاف المجهول، حتى أنه كانت هناك انتقادات وقتها لانفاق ملايين الدولارت فى وقت توجد فيه مجاعات بأفريقيا، ولكن لولا هذا العلم ما حدثت ثورة الاتصالات الحالية التى جعلت العالم قرية صغيرة.
 وما الفائدة المتوقعة من علم الحفريات الفقارية؟
يواصل الحديث بحماس قائلا: هناك ثلاث فوائد متوقعة، الأولى هو استخدام تلك الحفريات فى انتاج أفلام سينمائية وثائقية، والفائدة الثانية هى استخدام هذا العلم لربط الأطفال بالعلم، فإذا أردت أن تجعل طفلا محبا للعلم لن تتحدث معه فى النانوتكنولوجي، لكن تستطيع أن تتحدث معه عن الكائنات التى كانت تعيش منذ ملايين السنين، وعندما يرتبط بالعلم ويحبه يمكن فى المراحل العمرية التالية أن يقرأ فى مجالات مختلفة، والفائدة الثالثة أن الحفريات يمكن أن تكون نواة لمتحف للتاريخ الطبيعي، أسوه بمتاحف توجد فى بريطانيا وأمريكا تحمل هذا الاسم وتعد من مصادر الدخل، ويعد وادى الحيتان بالفيوم نموذجا لما يمكن أن يحدث لو نجحنا فى استثمار هذا العلم، فهذا المكان من المزارات السياحية العلمية المهمة التى يقصدها سائحون من جنسيات مختلفة.
 رغم أن وادى الحيتان موجود قبل اكتشافكم لمنصوراسورس، إلا أن هذا المكان الذى تصفه بالمهم لم يحظ بشهرة منصوراسورس؟
ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة يعقبها بقوله:هذا يتوقف على قدرة الشخص وكفاءته فى عرض سلعته والتسويق لها، فأنت هنا اليوم لأننا نجحنا فى جذب انتباهك.. وقبل مجيئكم جاءنى بالأمس طفل من الإسكندرية قضى 6 ساعات من السفر مع والدته حتى يأتى إلى مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية ويستمع منى لقصة منصوراسورس، وقد قال هذا الطفل لوالدته « ليه أكون ممثلا أو لاعب كره مشهور، ممكن أكون هشام سلام ومشهور أيضا»،.
مستقبل علم الحفريات
 رغم العمر القصير لمدرسة جامعة المنصورة للحفريات الفقارية ، إلا أنكم حققتم شهرة كبيرة، لم تحققها مدارس علمية أقدم فى مجالات أخرى غير الحفريات الفقارية، فهل السبب أن أصحاب هذه المدارس ليس لديهم الشغف الذى ألحظه فى عينيك؟
يبتسم قائلا: يمكن أن يكون هناك شغف، لكن لا يوجد ترويج للسلعة
 وهل أنت تجيد مهمة الترويج؟
تعود مشاعر الحماس إلى وجهه قبل أن يقول بكلمات واثقة: الموضوع بسيط جدا.. فالفكرة المأخوذة عن استاذ الجامعة أنه ذلك الرجل القابع فى معمله بين أبحاثه وكتبه التى غطاها التراب، وكل ما فعلته أنى فتحت الغرفة ليشاهد الناس ما يفعله أستاذ الجامعة، وتصرفت بدون تكلف لأنى أجد سعادتى فى أن أعيش حياة بسيطة.
تقصد أن عدم تكلفك جعلك قريبا من الناس، ومن ثم جلب لك الشهرة؟
بالضبط، وهذا بالمناسبة منهجى فى الحياة منذ أن كنت معيدا، فأنا إلى الآن أذهب إلى الجامعة بالدراجة، وليس لدى أدنى مشكلة فى أن أتحدث مع طفل صغير بنفس الاهتمام الذى اتحدث به مع عالم كبير عن علم الحفريات.
هل إيمانك بهذه الأفكار هو الذى جعلك تخصص وقتا للطفل الذى جاءك من الاسكندرية؟
بالطبع، فهذا هو دور استاذ الجامعة المجتمعي، ولاأخفيك سرا أنى أشعر بسعادة بالغة وأنا أؤدية، فهذا واجب وطنى ومن أجله رفضت عروضا كثيرة للاستمرار فى بريطانيا وعدت إلى مصر.
سر الشهرة
 بحكم متابعتى للأبحاث العلمية، أرى أن جامعة المنصورة أصبحت متميزة بحثيا فى مجالات كثيرة، وتنشر أبحاثا لباحثيها فى دوريات عالمية، لكنهم لم يحققون شهرة هشام سلام، فما هو تفسيرك لذلك؟
تخرج الكلمات من فمه سريعة: هناك باحثون أكفاء جدا، وهم بمقياس البحث العلمى متميزون، لكنهم يفتقرون لمهارات توصيل المعلومة.
 أفهم من ذلك أنه قد يوجد من هو أفضل منك فى مجال الحفريات الفقارية؟
ممكن طبعا يكون هناك من هو أفضل، فلا استطيع أن أجزم أنى الأفضل.. لكن هناك فرق بين أن تكون الأفضل بالمقياس الأكاديمي، وهو عدد الأبحاث، وأن تكون الأفضل بمقياس توصيل المعلومة، فهذه مهارة يفتقرها البعض.
كيف تحكم على الاستاذ أنه يفتقر لتلك المهارة، أليس من الممكن أن يكون مستوى الطالب هو المشكلة؟
ترتسم على وجهه ابتسامة ساخرة قبل أن يقول: لو أمتلك استاذ الجامعة هذه المهارة، سيحرص على أن يفتح معمله للطلاب، حتى يساعده ذلك على توصيل المعلومة، ولكن الحقيقة أن الكثير من أساتذة الجامعة لا يفتحون معاملهم للطلاب، وسأحكى لك قصة ساخرة توضح ما أقوله.
 كلى آذان صاغية؟
تزداد ابتسامته سخرية قبل أن يقول: بعد عودتى من جامعة اكسفورد عقب الحصول على الدكتوراة، نجحت فى نقل شغفى بهذا العلم لثلاث طلاب، وكلما جاء هؤلاء الطلاب إلى المعمل كان أستاذ كبير بالمعمل يطردهم قائلا: « هذا معمل أبحاث ما بعد البكالوريوس، وغير مخصص لطلاب البكالوريوس»، ولم أجد طريقة للتغلب على هذه المشكلة سوى السخرية من الواقع، حيث نظمت مسابقة بين الطلاب فى عدد مرات الطرد من المعمل، وقلت لهم أن أكثر طالب سيطرد من المعمل ستكون له جائزة فى نهاية العام، فكانوا يتسابقون فى الذهاب إلى المعمل، ليقابلونى طالبين منى تسجيل عدد مرات الطرد.
 فكرة عبقرية يا دكتور؟
هذا الموضوع أخذ من وقتى طويلا حتى أصل لهذه الفكرة، التى نجحت من خلالها فى افراغ شحنة الغضب عند الطلاب، فأحد مبادئى فى الحياة هى السخرية من الواقع السىء حتى لا يكون سببا فى تعطيلي.
أعداء النجاح
 نجاحكم هذا من المؤكد أنه آثار غيرة أعداء النجاح.. أليس كذلك؟
يومأ بالموافقة قبل أن يقول: لا يوجد انسان الناس متفقة عليه بنسبة 100%، وطالما أنك ناجح، سيكون هناك أعداء للنجاح، والدرس الذى تعلمته وأعلمه لطلابى انك لا تجعلهم يجعلونك تنظر للخلف، أمضى فى طريقك، قد يعطلونك بعض الوقت، ولكن مع صمودك يضطرون إلى تركك تمضي، ولكن إذا التفت للخلف، فقد ساعدتهم على تحقيق أهدافهم.. فأفضل رد على أعداء النجاح ومضايقتهم هو العمل، فأنا كلما تضايقت أعمل أكثر.
وما هدفكم القادم بعد منصوراسورس؟
منصوراسورس هو البدابة، وطموحاتنا ليس لها سقف، فهذا المكان الذى نجلس فيه الآن فى نظرى مكان مؤقت، وحلمى هو انشاء متحف للتاريخ الطبيعي، يدخله الطالب والاستاذ والسائح.
 ولماذا تنشء متحفا جديدا.. ألا يوجد لدينا متحف يسمى بـ «المتحف الجيولوجي»؟
يبتسم قائلا: تجاوز هذا السؤال.
 لماذا نتجاوزه.. هل هذا المتحف غير قابل للتطوير؟
المنظومة كلها لابد أن تتغير، ففى هذا المتحف عينات أفضل من أى مكان فى العالم، ولا أريد أن أتحدث فى هذا الموضوع أكثر من ذلك.
هل ادارة المتحف عاجزة عن خلق منظومة تجعل طفل الاسكندرية الذى زار مركزكم فى جامعة المنصورة يذهب إليه بدلا من أن يأتى إليكم؟
يومىء بالموافقة قبل أن يقول: العينات فى مركز جامعة المنصورة أقل بكثير من المتحف الجيولوجي، ولكنى قادر على أن أجعلك تنبهر بكل عينة، ولا أريد أن أتحدث أكثر من ذلك فى هذا الموضوع.
ضعف الإمكانيات
سأعود مره أخرى إلى اكتشافكم الأبرز، وهو الديناصور منصوراسورس، وكان لرئيس جامعة المنصورة كلمة فى احتفالية نظمها بنك المعرفة المصرى بالتعاون مع مؤسسة نيتشر احتفالا بهذا الاكتشاف، قال فيها أنكم قدمتم درسا بأن الباحث يمكنه أن ينجح دون أن يتحجج بضعف الإمكانيات؟.. فهل يمكن تعميم هذا الدرس فى مجالات أخرى؟
تخرج الكلمات من فمه سريعة: بالطبع ممكن، ولكن يجب أن تدرك أن النجاح لن يتحقق سريعا، فسوف تفشل كثيرا، وكلما تكررت محاولات الفشل، سيكون هناك نجاح فى النهاية.
 أفهم من ذلك أنك فشلت كثيرا قبل أن تصل لاكتشاف منصوراسورس؟
لم ينتظر أن أكمل سؤالى وقال على الفور: فشلت كثيرا جدا، لكن كنا نفرح بأى انجاز، وأذكر انى فى عام 2010 بعد عودتى من جامعة إكسفورد، لم أجد صناديق أحفظ بها العينات، وأثناء سيرى فى الشارع باتجاه الجامعة، لفت نظرى صندوق ملقى فى القمامة، فتخيلت شكل العينة فى هذا الصندوق، فلم أتردد فى أخذه وتنظيفه ووضع العينة فيه، ولا زلت أحتفظ بهذا الصندوق إلى الآن، والفكرة التى أريد أن أقولها هنا، هى أنه عندما يكون لديك هدف كبير وأمامك عقبة تحول بينك وبينه، لا تشغل نفسك برفع هذه العقبة، ولكن يمكن أن تدور من حولها حتى تصل لهدفك، وقد تصل إليه متأخرا، لكن المهم أن تصل.
 وهل كانت من أهدافك ليس فقط الاكتشافات المهمة، ولكن أن تكون حواء المصرية شريكتك فى الإنجاز، وهو مجال يبدو بعيدا عن طبيعة المرأة الشرقية؟
تستطيع أن تشعر بسعادة د.هشام بهذا السؤال من الابتسامة العريضة التى كست وجهه قبل أن يقول: بعد عودتى من بريطانيا كان من بين أهدافى نشر علم الحفريات، وبعد احدى المحاضرات طلبت منى ثلاث فتيات مشاركتى فى حلم اكتشاف الحفريات بالأراضى المصرية.. ولا أخفيك سرا أن قناعتى كانت تقول لى انهم لن يصلحوا، فضلا عن أن هيئتهم كانت توحى بأنهم من أسر محافظة سترفض قطعا ان تبيت بناتها فى الصحراء لاكتشاف الحفريات، ولكن رغم ذلك لم يكن يصلح وأنا أحدثهم عن العلم والشغف أن أرفض طلبهم، وفاجأونى بأنهم كانوا على قدر المسئولية وشكلوا نواة لفريق مكتشفى المنصوراسورس، والذى كان 90% منه فتيات، ونجاحهم هذا أكد لى أنى اتخذت القرار الصائب بالعودة إلى مصر، رغم العروض الكثيرة التى تلقيتها للبقاء فى بريطانيا.
الأهداف الستة
 لكن ألم تشعر ذات يوم بالندم، أو دعنى أقول لك: وأنت تلتقط الصندوق من القمامة لتضع فيه عيناتك ألم تحدثك نفسك قائلة: ما الذى فعلته بنفسي؟
تختفى الابتسامة المميزة لوجه د.هشام لتفسح المجال لملامح جادة، قبل أن يقول بكلمات حاسمة: عندما يكون عندك هدف ستتغلب على أى لحظة تشعرك بالندم، وأنا لدى هدف مكون من ستة عناصر، قمت بكتابته أثناء وجودى فى بريطانيا.
 وما تلك العناصر الستة المكون منها هدفك؟
أولا أن أجذب الطلاب المتميزين، ليكونوا آداه مساعدة فى نشر العلم، ثانيا: أن يكون لدى مكان يستوعب هؤلاء الطلاب، ثالثا: أن أنظم رحلات استكشافية لاستكشاف تراث مصر الطبيعي، رابعا: أن يكون لدى تعاون مع الجامعات الأجنبية لأخرج من نطاق المحلية إلى العالمية، خامسا: ان أنشر العلم فى أكثر من جامعة، سادسا: أن أسعى لانشاء متحف للتاريخ الطبيعي..ويصمت لوهلة يلتقط خلالها الأنفاس قبل أن يضيف: الحمد لله حققت خمسة أهداف من الستة، ويتبقى الهدف السادس وهو انشاء متحف التاريخ الطبيعي.
افتقاد الشغف
 كلامك هذا يعيدنى إلى السؤال الذى تحفظت فى الاجابة عليه وهو ما المشكلة فى المتحف الجيولوجي.. ودعنى أطرح السؤال هذه المره بصيغة مختلفة: هل هذا المتحف يضم عينات أهم من منصوراسورس؟
بكلمات حاسمة يقول: بالطبع يضم عينات أهم بكثير.. ولكن لا يوجد لدى القائمين عليه الشغف الذى يبرز تلك العينات.
وتتجه عين د.هشام إلى عينة يلتف حولها عدد من الطلاب، وقال : قصة تلك العينة تقول أن امتلاكك للشغف يمكن أن يجعلك تصنع قيمة من شيء يبدو للآخرين أنه بلا قيمة.
 لقد شوقتنى إلى قصتها؟
تعود الابتسامة المميزة لوجه د.هشام قبل أن يبدأ فى سرد القصة قائلا: أرسل لى الزملاء فى وزارة البيئة صورة قالوا لى أنها لكائن غريب جنح إلى خارج أحد الشواطىء، فما أن رأيت الصورة قلت لهم أنها لدولفين، فسألونى إن كان هذا الكائن يهمنى أم لا، لأنهم سيقومون بدفنه، بعد أن أصبحت رائحته نتنة، فلم أتردد فى القول أنى أريد هذا الكائن.
وعلى الفور توجهت إلى المكان وحملت الدولفين النافق فى سيارتي، وكانت رائحته نتنه للغاية، حتى أن أمن الجامعة استوقفنى وكانوا يرفضون دخوله فى البداية، المهم نجحت فى ادخاله، وقمت بتشريحه مع طلابى لمدة ست ساعات تحملنا خلالها هذه الرائحة، لنحصل فى النهاية على هذا الهيكل الذى تشاهده.. فلو لم يوجد الشغف ما أقدمت على تحمل هذا العناء.
ويتساءل: هل أحد من المتحف الجيولوجى يمكنه فعل ذلك؟.. ويجيب: لا أظن.
 حديثك الدائم عن أن اكتشاف تاريخ مصر الطبيعى عمل وطنى يشعرنى أنك تساوى بين الحفريات وبين اكتشاف الآثار؟
تكتسى ملامح وجهه بالحماس الشديد قبل أن يقول: الديناصور منصوراسورس هو رمسيس الثانى بكل المقاييس، فالحضارة التى عاشت فيها الديناصورات لم يشهدها بشر، فهى كتاب التاريخ المفتوح، أما رمسيس الثانى فهو صفحة فى كتاب به مليار صفحة.
ويضيف: منصوراسورس لم يتدخل أحد فى حفظه بالتحنيط، بل اكتشف بشكل طبيعى، فهو الساكن الأصلى لمصر قبل الفراعنة بـ 75 مليون سنة.
ويشير إلى حافة المكتب الذى يجلس عليه، قائلا: لو افترضنا أنه تمثل الحياة، فإن منصوراسورس يمثل كل هذه الحافة عدا نقطة صغيرة جدا فى نهايتها يمثلها رمسيس الثاني.
أشعر من كلامك أنك تظلم منصوراسورس بمقارنته مع رمسيس الثاني؟
يبتسم قائلا: أقول هو رمسيس الثانى حتى لا يغضب المتخصصون فى الآثار، ولكن لو أردت الأنصاف فهو أهم من الناحية العلمية.
تجارة الحفريات
 ربما لو أدرك الناس قيمة منصوراسورس وغيره من الحفريات لأصبحت هناك تجارة بها كما يحدث بالمغرب ؟
تكسو الابتسامة وجهه قبل أن يقول: لا أظن أنه سيكون لدينا تجارة حفريات، لأن حفرياتنا غير حفريات المغرب، فحفريات المغرب هيئتها جيدة بسبب الظروف التى ترسبت فيها، ولكن الحفريات عندنا لا تكون ذات هيئة جيدة عند اكتشافها، لذلك فهى قد تكون ذات قيمة علمية، لكنها ليست ملفتة للإنتباه مثل حفريات المغرب.
 وما هو رأيك فى المبدأ بشكل عام؟
تخرج الكلمات من فمه سريعة: انا ضده تماما، فهو عندى مثل الآثار، وسأحكى لك قصة طريفة فأحد موظفى الكلية كان يحكى لى عن جسم غريب وجده أحد أقاربه بينما كان يجلب رمال من الصحراء، فطلبت منه أن يحضر لى هذا الجسم الغريب، فوجدت أنه رجل فيل، وقدرت أن عمرها حوالى 20 مليون سنة.
ونشرت صورة رجل الفيل على حسابى بالفيس بوك وشرحت قيمتها العلمية، فشعر الرجل الذى وجدها من اهتمامى بها أنها مهمة، وبعد أن كان قد تركها مجانا، فوجئت به يرسل لى من خلال قريبه الذى يعمل معنا فى الكلية، أنه يريد مبلغا من المال نظيرتركها، فلم أتردد من أن أطلب منه أن يحملها ويعيدها لقريبه، وقلت له حينها « افتكر كلامى كويس قريبك هيسند بيها باب الدكان «، وقد كان فقد سألته منذ أيام، وقال لى أن نبوئتى تحققت.
500 ضعف الإنسان
عودة إلى مجال الديناصورات حيث أود سؤالك عن بحث نشر مؤخرا ذهب أصحابه إلى أن الديناصورات كانت كائنات غبية، لم تكن قادرة على تطوير حاسة الشم لديها مثل الفئران، وهذا جعلها تتناول نباتات سامة مما أدى إلى انقراضها؟
يقول بكل حسم: لا اتفق تماما مع ما جاء بهذا البحث لسبب بسيط وهو أن الديناصورات عاشت اكثر من 150 مليون سنة، والانسان وهو أذكى المخلوقات عاش إلى الآن 300 ألف سنة، أى أن الديناصورات عاشت 500 ضعف الإنسان،، ثم إن الديناصورات لم تنقرض ولا تزال تعيش بيننا إلى الآن.
لم تنقرض كيف يا دكتور؟
يضحك قبل أن يقول: لم تنقرض لكنها تطورت إلى الطيور التى تعج بها موائدنا مثل الفراخ والبط والنعام، فعلميا الديناصورات نوعان، نوع طائر، وآخر غير طائر، والأنواع الطائرة هى التى تطورت إلى الطيور التى تعيش بيننا الآن، حتى أنك لو أحضرت هيكل فرخة، وهيكل لديناصور طائر ستجد تطابق بينهما بنسبة تصل إلى 70 %، أما الأنواع غير الطائرة فهى التى انقرضت والسبب الشائع لذلك، هو أن نيزك ضخم ضرب الأرض فتسبب فى انتهاء 75 % من الحياة على الأرض.
 وأخيرا.. هل يمكن أن تخصنا بنتائج أبحاثك القادمة؟
تكسو الابتسامة وجهه قبل أن يقول: لا زلنا فى مرحلة اعداد الأبحاث عن ثلاث حفريات نجحنا فى اكتشافها مؤخرا فى الأراضى المصرية، وهى لـ «بيبى ديناصور» عمره 100 مليون عام، وأول حفرية لـ «تيروصور» فى مصر، وحفرية لحوت عاش على الأرض قبل أن ينتقل إلى الماء.

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة