خطاب الرئيس الراحل عبد الناصر في المنشية خطاب الرئيس الراحل عبد الناصر في المنشية

قناة السويس من الحفر لـ التأميم.. الإرادة المصرية تنتصر

عمرو خليفة الإثنين، 22 يوليه 2019 - 04:52 م

خطاب عبد الناصر بالمنشية «ساعة الصفر».. و«ديليسبس» كلمة السر

 

«قرار رئيس الجمهورية تأميم الشركة العالمية لقناة السويس، شركة مساهمة مصرية.. وينتقل إلى الدولة جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات».. كلمات نارية أطلقها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وسط الجماهير الغفيرة بميدان المنشية في الإسكندرية، يوم 26 يوليو 1956، معلنًا تأميم شركة قناة السويس.

 

وجاء قرار التأميم مصرياً من أجل استعادة حق مصر في إدارة القناة وإيراداتها ، وحرصت مصر وهى تسترد هذا الحق على المحافظة على المواثيق الدولية وعلى كل الاتفاقيات الخاصة بحرية الملاحة في القناة.

 

بناء القناة

بدأت فكرة إنشاء القناة عام 1798 مع قدوم الحملة الفرنسية على مصر، ففكر نابليون في شق القناة إلا أن تلك الخطوة لم تكلل بالنجاح، وفي عام 1854 استطاع ديلسبس إقناع محمد سعيد باشا بالمشروع وحصل على موافقة الباب العالي، فقام بموجبه بمنح الشركة الفرنسية برئاسة ديلسبس امتياز حفر وتشغيل القناة لمدة 99 عام.

 

وفي 16 يوليو عام 1856 بدأت أعمال حفر قناة السويس بإشراف الفرنسي فرديناند ديلسبس المدعوم من حكومته، بأيادي نحو مليون فلاح مصري بطريقة السخرة والإجبار علي ترك أراضيهم وحقولهم والذهاب لحفر القناة، فطبقًا للتقارير دفع ما يجاوز الـ 120 ألف مصري حياتهم بسبب الأمراض التي تفشت بينهم أثناء الحفر.

 

و نتيجة الديون والقروض التي كان يقترضها الخديوي إسماعيل مرت مصر في عام 1875 بأزمة مالية طاحنة اضطر معها الخديوي إسماعيل إلى بيع حصة مصر من أسهم القناة لبريطانيا بمبلغ 100 مليون فرنك في 25 نوفمبر 1875، وبذلك حلت الحكومة البريطانية محل المصرية في ملكية شركة قناة السويس، ثم بيعت حصة مصر من الأرباح المؤمنة علي الديون نظير مبلغ 22 مليون فرنك، وبذلك خسرت مصر حصتها من أسهم القناة وحصتها في الأرباح في ظرف 6 سنوات من افتتاح القناة.

 

ثورة يوليو

وعندما قامت ثورة يوليو وأطاحت بالاحتلال الانجليزي من مصر، وحملت في طياتها عوامل نجاحها لبساطتها، وقامت بإلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية، وبذلك استطاع الشعب المصري أن يسترد حقه الشرعي في اختيار حكامه وصولاً إلى معاهدة الجلاء وكسر احتكار السلاح حتى وصلنا إلى قرار الرئيس عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس والصمود أمام العدوان الثلاثي حتى خرجت مصر منتصرة واستردت قناتها، وبذلك اكتملت كل معالم ثورة 23 يوليو 1952.

 

ما قبل التأميم

وفي أواخر عام 1955 وأوائل عام 1956 كانت هناك مباحثات ما بين مصر والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، للحصول علي قرض بمبلغ 200 مليون دولار تسحب منه عند الحاجة لإنشاء السد العالي، وأبدت حكومتا الولايات المتحدة وبريطانيا استعدادهما لتقديم عون مقداره 70 مليون دولار للمساهمة في تنفيذ المرحلة الأولى للمشروع ، ولكن حدث أن أعلنت حكومة الولايات المتحدة في 19 يوليو عام 1956 سحب عرضها السابق في تمويل السد العالي ، وأصدرت في هذا الصدد بيانا بالأسباب التي دفعتها إلى هذا القرار، وبناءاً على ذلك اتخذ الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قرار تأميم قناة السويس رداً على قرار البنك الدولي والولايات المتحدة وبريطانيا بسحب تمويلهم لبناء السد العالي.

 

خطة التأميم

كان عبد الناصر يحرص على أن يحقق السرية التامة والمفاجأة ، لذا لم يصرح بقرار التأميم إلا عندما استدعى المهندس محمود يونس ، رئيس الهيئة العامة للبترول، في ذلك الوقت ، فى يوم 24 يوليو 1956، إلى مقر مجلس الوزراء وأبلغه بعزمه على تأميم قناة  السويس ، وأنه سيصدر قرارا بذلك مساء يوم 26 يوليو 1956 أثناء خطبته في الإسكندرية، وكلفه بتنفيذ هذه المهمة ، وفى اللقاء نفسه استدعى الرئيس جمال عبد الناصر المهندس عبد الحميد أبو بكر سكرتير عام الهيئة العامة للبترول في ذلك الوقت، وأبلغه  بأنه قرر تأميم قناة السويس، وأنه مكلف مع المهندس محمود يونس بالتنفيذ ، وأن كلمة السر هي (ديلسيبس) التي سيذكرها في خطبته في المنشية.

 

وطلب المهندس محمود يونس من الرئيس جمال عبد الناصر أن ينضم إليهما المهندس محمد عزت عادل، السكرتير المساعد للهيئة المصرية العامة للبترول في ذلك الوقت ، فوافق الرئيس على هذا الطلب، وعهد إلى محمود يونس بالبدء فوراً في مهمة اختيار المجموعة التي ستتولى تنفيذ المهمة تحت قيادته، على أن يكون الاختيار من بين الأفراد الموثوق فيهم ، ومن ذوى الخبرة والكفاءة، وكلفه أيضاً بإعداد خطة عملية لتنفيذ التأميم والمحافظة على السرية التامة.

 

تم تجميع أعضاء مجموعة التأميم، وهم ثمانية من القوات المسلحة ، وأحد عشر من قطاع البترول ، وواحد من الشرطة ، واثنان من الفنيين، وأربعة من وزراء التجارة الذين كانوا ضباطاً جامعيين، في الثانية عشر ظهر يوم 26 يوليو 1956، في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، بكوبري القبة ، ولم يفصح لهم عن المهمة الحقيقية المكلفين بها وبدأت السيارات مغادرة مقر القيادة اعتباراً من الساعة الثالثة بعد الظهر على فترات متفاوتة ، وعند وصولهم إلى معسكر الجلاء بالإسماعيلية انضم إليهم بعض كبار المسئولين بمحافظات القناة وسيناء ، وأبلغهم المهندس محمود يونس أن المهمة المكلفين بها هي تأميم قناة السويس.

 

قُسم فريق التأميم إلى ثلاث مجموعات تنفيذية حيث تتولى المجموعة الأولى  السيطرة على الإدارة الرئيسية للقناة بالإسماعيلية ، والمجموعة الثانية إدارة فرع بورسعيد ، والمجموعة الثالثة إدارة فرع السويس، أما مكتب القاهرة فقد كلفت به مجموعة تُركت في القاهرة ، وكُلف سلاح الإشارة بالإشراف على محطات الإرشاد على طول القناة ، وكان عددها إحدى عشرة محطة وإداراتها ، وعندما سُمعت كلمة السر (ديلسيبس) في خطاب الرئيس عبدالناصر بدأ تحرك المجموعات ، ونفذت كل مجموعة ما عهد إليها من تعليمات، بمعاونة المحافظين ورجال الأمن والقوات المسلحة.

 

فرحة المصريين

قوبل قرار التأميم بالفرحة من أهل مصر والعالم العربي الذين رأوا فيه حدثاً قومياً ضخماً ونصراً وطنياً مبيناً ، ولكن القرار لم يعجب الغرب وثارت ثائرة الدول الاستعمارية وفى 27 يوليو أعلنت بريطانيا وفرنسا أنهما ترفضان الاعتراف بقرار التأميم ، وأنهما سيتخذان التدابير اللازمة لسلامة رعاياهما واحترام مصالحهما ، كما قامت إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة أيضاً بتجميد كل ما لمصر لديهم من أرصدة.

 

معركة المرشدين

افتعلت كل من بريطانيا وفرنسا مشكلة المرشدين فور إعلان تأميم شركة القناة بغرض إظهار عجز القيادة المصرية عن إدارة القناة بعد تأميمها ، وتنفيذاً لذلك صدرت الأوامر من باريس إلى الموظفين الأجانب من مرشدين وفنيين وكتبة بالانسحاب دفعة واحدة ليلة 14 /15 سبتمبر 1956.

 

وفى ساعة الصفر حسب المخطط الاستعماري غادر العمل 155 مرشداً من 207 فلم يبق من جهاز الإرشاد سوى 52 مرشدا ، ومع هؤلاء انسحب أيضاً 326 من العاملين من بين 805 ، وهذه الانسحابات كانت كافية لشل الملاحة وغيرها من أعمال القناة ، لو لم تتخذ مصر منذ البداية الاحتياطات اللازمة.

 

وتم إحلال المرشدين للقناة في الحال، إما عن طريق تعيين غيرهم من الخارج أو من البحرية المصرية ، وكانت البداية بحشد متحمس من 53 مصرياً و 6 يونانيين و3 ألمان وإيطالي وأسباني وسويدي، وفى الوقت ذاته جند عبد الناصر 70 مرشداً فور قرار التأميم وتدربوا نظرياً وعملياً في دورة مكثفة لم تتجاوز شهراً واحداً .

 

وجاءت ساعة الصفر وترك المرشدون الأجانب العمل بالقناة، وأخذت أول قافلة بقيادة المرشدين الجدد تشق طريقها عبر القناة يوم 15 سبتمبر وعبرت 42 سفينة لم يعق سيرها عائق وتوالت الأيام والعمل في القناة على ما يرام حيث لم يقع أي حادث ، ولم تتوقف الملاحة ولم يتعطل المرور.

 

تدويل القناة

 

وعقب فشل تلك الخطة حاولت إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة تدويل القضية من خلال عقد عده مؤتمرات دولية، وتقدم وزير خارجية أمريكا بمشروع يستهدف تدويل القناة وإداراتها بواسطة مجلس إدارة دولي لا شأن له بالسياسة القومية لمصر، ورفضت مصر كل ذلك كما أنها استنكرت صيحات التهديد والوعيد التي أخذت تنبعث من لندن وباريس.

 

العدوان الثلاثي

لتقوم بريطانيا وفرنسا كانتا بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن في سبتمبر 1956 للتستر على استعداداتهما الحربية للعدوان على مصر، أعقبها قيام كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بتدبير مؤامرة ثلاثية على مصر أطلق عليها المصريون العدوان الثلاثي وأطلق عليها الغرب حرب السويس، على إثرها بدأ هجوم إسرائيلي مفاجئ يوم 29 أكتوبر 1956، تلاه تقديم كل من بريطانيا وفرنسا إنذارا لمصر يوم 30 أكتوبر، رفضت مصر هذا الإنذار بكل إباء ، لتبدأ غارات الطائرات مساء الأربعاء 31 أكتوبر عام 1956 على القاهرة والإسكندرية ومدن القناة وقتل كثير من الأبرياء، وقابل الشعب العدوان في ثبات وصمد أمامه في شجاعة نادرة و قام الجميع بواجبهم في حماية الوطن في حماسة نادرة ، وصارت مصر جيشاً وحكومة وشعباً معسكراً حربياً لافتداء الوطن حتى فشل هذا العدوان الغاشم.

 

مع نجاح تأميم قناة السويس وتحول القناة إلى مرفق وطني تشجعت الكثير من دول العالم الثالث على الإقدام على إجراءات مماثلة حيث جرت سلسلة من تأميمات المصالح الأجنبية في هذه الدول وتحويلها إلى مرافق وطنية ، فأصبح تأميم شركة القناة سابقة هامة وقدوة لعشرات الدول في أفريقيا وآسيا و أمريكا اللاتينية.

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة