د. أسامة السعيد د. أسامة السعيد

يوميات الأخبار

فى ضيافة «حاتم الطائى»

أسامة السعيد الخميس، 29 أغسطس 2019 - 07:48 م

د. أسامة السعيد

هذه رسالة لضيقى العقول ومحدودى الفهم، الذين يجعلون من الدين قهرا، ومن الإيمان هدفا يتوهمون تحقيقه بالعنف والإرهاب، ويتناسون أن طيب المعاملة وحسن الخلق، كان دوما سلاح المسلمين الأقوى عبر الأزمان.

تبدو السعودية كشبه قارة، لم يعرف كثيرون منها سوى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهى طبعا معرفة تسعد من حظى بفرصة زيارة بيت الله الحرام، والتنعم بمدينة سيد الخلق أجمعين ، لكن فى أراضى المملكة الواسعة الكثير من المدن والحكايات التى تستحق أن تروى، وقد ساقنى القدر والعمل إلى زيارة لمدة ٣ أيام لواحدة من تلك المدن ذات القصص العريقة، إنها مدينة حائل، فى شمال شرق المملكة. مدينة قديمة كانت تقع على أهم طرق التجارة لآلاف السنين، ومن هنا اتخذت مكانتها، لكن شهرتها الحقيقية صنعها رجل عاش ومات قبل أكثر من ١٥٠٠ عام، إنه حاتم الطائى، كريم العرب الذى اشتهر بالجود، وحب الضيافة، وكان العرب قبل الإسلام يضربون به المثل فى الكرم، وأن ناره لا تطفأ، أى أن مقر ضيافته لا يخلو من زوار.
وحتى اليوم، لازلنا نصف الكرم بـ«الحاتمى»، دون أن يعرف البعض سر ذلك الوصف، أو صاحب التسمية، لكننى كنت محظوظا فى زيارة تلك المدينة البسيطة، التى لايزال أهلها يحملون الكثير من الجينات الطائية، فيحبون من يفد إليهم، ويتفانون فى إكرامه ولو بابتسامة وجه طلق.
اصطحبنى الصديق والصحفى السعودى ماجد الشمرى، فى زيارة سريعة لكنها كانت ذات سحر خاص بالنسبة لى، إلى تلة مرتفعة تحولت اليوم إلى متنزه للعائلات السعودية، تطل التلة بشموخ على مدينة حائل كلها، ويراها القادمون من خارج المدينة، وفوق تلك التلة كان حاتم الطائى يضىء ناره كى يراها المسافرون فى القوافل المارة بجوار المنطقة، فيأتون إليه يقتبسون بعضا من كرمه، وكان العبد الذى يجلب ضيوفا إلى حاتم الطائى ينال أجره فورا، وهو العتق والتحرر من العبودية.
 .. وكرم الأخلاق أقوى سلاح
وإذا كان حاتم الطائى مثالا للكرم وهو حى، فقد كان اسمه وهو ميت بطلا لقصة تشهد على كرم أكبر من نبينا محمد ، ألا وهو كرم الأخلاق، فقد وقعت سفانة ابنة حاتم الطائى فى أسر المسلمين خلال فتح بلاد طئ بين جبلى أجا وسلمى بمدينة حائل ولما قدمت مع الأسرى للرسول، لم تحتمل ذلك الوضع المهين لها، فسارعت إلى الدخول على الرسول ، وتحدثت بكل ما تملكه امرأة عربية ذات أصل كريم من قوة وثقة، فقالت: «يا محمد إن رأيت أن تخلى عنى فلا تشمت بى أحياء العرب فقد هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علىّ منّ الله عليك، فإن أبى كان سيد قومى، يفك العانى، ويعفو عن الجانى، ويحفظ الجار، ويحمى الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ويحمل الكَلَّ (الضعيف)، ويعين على نوائب الدهر، وما آتاه أحد بحاجة فرده خائبا، أنا بنت حاتم الطائى».
فقال لها الرسول الكريم : «هذه صفات المؤمنين حقا، ولو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه»، ثم أمر الصحابة قائلا: «خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق»، ثم قال لها: «لا تعجلى حتى تجدى ثقة يبلغك بلادك، ثم آذنينى»، أى لا تتعجلى فى المغادرة، وأبلغينى عندما تستعدين، فلما قدم ركب من أهلها، أرادت الخروج معهم، وذهبت إلى رسول الله  تستأذنه، فأذن لها وكساها من أحسن ما عنده من الثياب، وجعل لها ما تركبه، وأعطاها نفقة تكفيها مؤنة السفر وزيادة.
وكان موقف الرسول  وكرم أخلاقه مع السيدة سفانة بنت حاتم الطائى سببًا فى إسلام شقيقها عدى بن حاتم ودخوله الإسلام وكان سيد قومه بعد وفاة أبيه، ودخل قومها جميعا فى الإسلام، وهذه رسالة أخرى لضيقى العقول ومحدودى الفهم، الذين يجعلون من الدين قهرا، ومن الإيمان هدفا يتوهمون تحقيقه بالعنف والإرهاب، ويتناسون أن طيب المعاملة وحسن الخلق، كان دوما سلاح المسلمين الأقوى عبر الأزمان.
 أمراض الثروة
٣٢٫٥٪ من المصريين تحت خط الفقر، أى أن ما يقرب من ثلث المصريين فقراء باعتراف الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى أحدث مسح له والمعلن نهاية يوليو الماضى، والحقيقة أن تلك الأرقام يمكن أن تكون أكثر إذا تم احتساب معدلات الدخل وفق المعايير العالمية، فمعدل خط الفقر للفرد فى السنة المالية ٢٠١٧-٢٠١٨ الذى تم احتساب معدل الفقر وفقا له فى تقرير «التعبئة والإحصاء» بلغ ٨٨٢٧ جنيها سنويا، أو ٧٣٦ جنيها شهريا، فيما بلغ خط الفقر المدقع فى نفس الفترة ٥٨٩٠ جنيها سنويا، أو ٤٩١ جنيها شهريا، فى حين يبلغ حد الفقر المدقع وفق مؤشرات الأمم المتحدة (أقل من١٫٩ دولار فى اليوم بتقديرات أسعار عام ٢٠١١) أى ما يجاوز ٩٤٠ جنيها شهريا على أساس سعر ١٦٫٥ جنيه للدولار.
ودون الدخول فى حسابات رقمية معقدة، فهذا ليس هدفى هنا، إلا أننا يمكننا أن نلاحظ مجموعة من الشواهد والظواهر الغريبة فى مجتمعنا تستدعى التوقف وتتطلب التحليل، وأولى تلك الملاحظات، والتى قد يشاركنى فيها كثيرون، وقد يختلف معى بشأنها أيضا كثيرون، هى انتشار بعض أعراض أمراض الثروة، رغم أن تلك الطبقات الثرية ليست بتلك الضخامة، إذا ما قورنت بمعدلات الفقراء فى مجتمعنا، لكن يبدو أن أسبابا عديدة، قد يكون من بينها الإعلام والدراما وأنماط الحياة التى تجتاح وسائل التواصل الاجتماعى، جعلت من تلك المظاهر المترفة أملا وطموحا لفئات واسعة فى المجتمع بما يتجاوز قدرات تلك الفئات أو وضعها الاقتصادى والاجتماعى، فباتت المباهاة بتناول الطعام فى المطاعم الفاخرة، والحرص على تصوير ذلك وإعلانه، إضافة إلى اقتناء موديلات باهظة الثمن من الهواتف الذكية دون حاجة حقيقية لما تحتويه من إمكانيات، وكذلك الانتشار الواسع لاقتناء الحيوانات الأليفة وخصوصا القطط والكلاب، نمطا شائعا وينمو باضطراد فى مجتمع تتزايد فيه أرقام الأطفال المشردين والأيتام الذين يحتاجون إلى رعاية، وتتكاثف فيه الدعاية من المؤسسات العلاجية والخيرية لطلب التبرع حتى تتمكن من مواصلة دورها لخدمة العديد من الفئات المهمشة والتى تحتاج إلى العون الاجتماعى، بينما قد تتجاوز تكلفة رعاية كلب أو قطة غذائيا وبيطريا تكلفة رعاية طفل يتيم، أو كفالة أسرة فقيرة!
 حفظ النعمة.. فريضة غائبة
ويدخل ضمن أمراض الثروة التى أراها قد شاعت فى مجتمعنا بما يتعارض مع واقع دولة تسعى بكل ما تملك من إمكانات نحو النمو والارتقاء، واللحاق بركب التقدم، مشكلة ترقى إلى حد الإثم، وهى عدم حفظ النعمة، وهناك أوجه عديدة لعدم حفظ النعمة فى حياتنا، لعل أبسطها وأشهرها وأكثرها استفزازا فى الوقت نفسه، إهدار الطعام، فبينما تشير الإحصاءات إلى أن إنفاق الأسرة المصرية على الطعام والشراب يتجاوز ٣٧٪ من دخلها السنوى، نجد أن المصريين يتصدرون قائمة إهدار الطعام (!!)، فبحسب تقرير من منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» فى نهاية العام الماضى، فإن المواطن المصرى يهدر على مدار العام ما يصل إلى ٢٥٫٥ كيلوجرام، أى ما يزيد إجماليه عن ٢٫٥ مليون طن من الأغذية، وهو الطعام المتبقى الذى يلقيه بالنفايات ليصبح بهذا ضمن الأعلى إهدارا للطعام فى الوطن العربى، بينما جاءت السعودية ٢٠٫٨ كيلوجرام، وتبدو تقديرات الأمم المتحدة أقل مما أعلنه بنك الطعام المصرى فى بيان له فى نوفمبر ٢٠١٨، حيث أشار إلى أن مصر تعتبر من أعلى الدول المساهمة فى نسب نفايات الطعام بواقع ٧٣ كيلوجراما من إجمالى النفايات السنوية من الغذاء العالمى للشخص الواحد، وذكر البنك أنه طبقًا لدراسة أجراها مركز
«(Center for Food & (Nutrition Barilla BCFN» عن إهدار الطعام، تأتى مصر فى المركز السادس عشر من مجموعة ٢٥ دولة بعد المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وغيرها!!
تخيلوا إذن واقع أسرة تنفق أكثر من ثلث دخلها على الطعام والشراب، ثم تلقى بكميات هائلة من ذلك الطعام إلى سلة النفايات، وبصورة تتجاوز مجتمعات ثرية ومعدل دخلها أضعاف دخل المواطن المصرى.. أى عقل هذا؟!
 ألوان
كل يوم تتفنن فى صباغة وجهها بألوان جديدة
تلعن ذلك الوجه الذى كانته بالأمس
تقسم أن اليوم هو الأفضل بين كل وجوهها، تبدى كثيرا من الندم عندما تعانق مرآتها صورتها الجديدة.
وفى الغد تزيح عن وجهها ألوان الأمس اللعينة، واضعة مزيدا من المساحيق الزاهية لتوافق اليوم.
ذات غد، لم تجد وجها تصبغه بألوانها، وتعثرت أصابعها المرتعشة بالكثير من الألوان واللعنات.
نصف طفل
ما زال بداخله طفل يعبث رغم سنواته التى تزحف نحو الأربعين.
يمنحه مساحات التدليل بغير حساب، فيفاجئه باندفاعاته المحمومة.
رغم المسئوليات والهموم لا يزال ذلك الطفل قابعا فى ركن قصى بداخله، مختبئا وراء جدار سميك من الترقب.
رحل أبوه، فمات نصف ذلك الطفل فى صمت،
وانهدم نصف الجدار.
الآن بات الطفل أكثر حذرا وقلقا، وأقل نشاطا.
ينظر إلى نصف الجدار الباقي، مترقبا الموت الأخير.
لكنه بين حين وآخر يحن إلى اندفاعاته القديمة، غير آبه بعوامل التعرية التى تجتاح الجدار مخلفة الكثير من التجاعيد على وجه أمه.

 قصة قصيرة حزينة
ذات يوم رأى نجيب محفوظ طفلا يبيع الحلوى عند إشارة المرور، فبكى ثم كتب:
أحلام الأطفال قطعة حلوى، وهذا طفل يبيع حلمه.
 حكمة
من مقولات سيدنا على بن أبى طالب (كرم الله وجهه): عمل يُجهد، خير من فراغٍ يُفسد.

 

 



الاخبار المرتبطة




أيام الزمن الجميل! أيام الزمن الجميل! الأربعاء، 18 سبتمبر 2019 06:13 م
أين تذهب هذا الصباح؟! أين تذهب هذا الصباح؟! الثلاثاء، 17 سبتمبر 2019 06:52 م
رفاهية الوقت... ورفاهية الحياة رفاهية الوقت... ورفاهية الحياة الإثنين، 16 سبتمبر 2019 08:38 م
شهادة لنظام قوى شهادة لنظام قوى الأحد، 15 سبتمبر 2019 08:57 م

حلاوة زمان ومستجدات الأوان حلاوة زمان ومستجدات الأوان السبت، 14 سبتمبر 2019 07:16 م
أثر تقديم المتأخر أثر تقديم المتأخر الخميس، 12 سبتمبر 2019 08:35 م
سيما مصر.. مش «أونطة» سيما مصر.. مش «أونطة» الأربعاء، 11 سبتمبر 2019 08:52 م
هذا اليوم.. منذ ثمانية عشر عاما هذا اليوم.. منذ ثمانية عشر عاما الثلاثاء، 10 سبتمبر 2019 05:41 م
الأستاذ «نعم» والآنسة «لا»!! الأستاذ «نعم» والآنسة «لا»!! الإثنين، 09 سبتمبر 2019 08:25 م

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة