صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بين عبق التاريخ وإبداعات الفن.. «مهرجان القلعة» قصة نجاح مصرية

أ ش أ السبت، 31 أغسطس 2019 - 06:21 ص

بين عبق التاريخ وروعة التراث وإبداعات الفن تحول "مهرجان قلعة صلاح الدين" الذي يختتم فعاليات دورته الثامنة والعشرين غدا الأحد، لقصة نجاح مصرية وحالة مبهجة من الزخم الثقافي والفني بقدر ما يؤكد الحضور الجماهيري الحاشد على مدى ترحيب الجماهير بمحتواه الفني الراقي.

وهذا المهرجان الذي بات من أبرز المهرجانات الفنية والثقافية في مصر والعالم العربي، حافل بإمكانات تعظيم مكاسبه على كل الأصعدة في وقت أمست فيه تلك النوعية من المهرجانات تحظى باهتمام عالمي كبير.

وها هي الصحافة الثقافية البريطانية تسهب في الحديث عن مهرجان فني شهدته لندن وهو "كرنفال نوتينج هيل" الذي يرجع تاريخه لـ53 عاما مضت، ويعد من أبرز "مهرجانات الشوارع" في أوروبا ويقام في أواخر شهر أغسطس من كل عام.

واعتبر نقاد ثقافيون بريطانيون أن "كرنفال نوتينج هيل" يشكل بمضمونه الفني والثقافي التراثي سبيلا لتعزيز التماسك المجتمعي للبريطانيين في بلد متنوع، كما يضع بريطانيا في مكانة بارزة على خارطة السياحة الثقافية والفنية، فإن تقديرات معلنة تفيد بأن هذا المهرجان يضخ هذا العام نحو 100 مليون جنيه إسترليني في "شرايين اقتصاد العاصمة البريطانية". 

وإذ يتردد اسم "مسرح المحكى" في سياق العروض الحالية للمهرجان الكبير في قاهرة 2019، تقول كتب التاريخ إن قلعة صلاح الدين التي تحتضن هذا المسرح كان البطل صلاح الدين الأيوبي قد شرع في بنائها عام 1176 الميلادي فوق جبل المقطم في موضع كان يعرف "بقبة الهواء" غير أنه لم يتم في حياته ليكمل بناءها السلطان الكامل بن العادل في عام 1183.

وقلعة صلاح الدين التي تحظى في العصر الرقمي بصفحة على موقع "فيس بوك" للتواصل الاجتماعي، تعد من أعظم القلاع في العصور الوسطى ولها عدة أبواب تاريخية تحمل أسماء "باب المقطم والباب الجديد والباب الوسطاني وباب القلعة"، بينما تحمل أبراجها أسماء "المقطم والصفة والعلوة وكركيلان والطرفة والمطار والمبلط والمقوصر والإمام والرملة والحداد والصحراء فضلا عن البرج المربع".

وتضم قلعة صلاح الدين "قصور الجوهرة والحرم والأبلق فضلا عن سراي العدل" وعدة مساجد، هي مسجد محمد علي ومسجد ومدرسة الناصر قلاوون، وسارية الجبل وجامع العزب فضلا عن "بئر يوسف"، ودار ضرب العملة التي أقيمت عام 1827.

وفيما أقيم "محكى القلعة" منذ نحو عقد واحد في رحاب قلعة صلاح الدين، فإن هذا المسرح كتب له أن يكون علامة لمهرجان بات من أبرز المهرجانات الفنية في مصر والعالم العربي، بينما يتدفق عشرات الآلاف من المصريين على مهرجان قلعة صلاح الدين في دورته الحالية، التي يكاد يكون لسان حال الزائرين يتمنى لو استمرت أكثر من أسبوعين.

وعلى امتداد فعاليات الدورة الثامنة والعشرين لمهرجان قلعة صلاح الدين الدولي للموسيقى والغناء وهي الفعاليات التي تنظمها دار الأوبرا المصرية، ويأتي مسك ختامها غدا مع الموسيقار عمر خيرت، تفاعلت الجماهير الغفيرة مع كوكبة من المبدعين المصريين والعرب ككل في عالم الطرب والغناء والموسيقى كهاني شاكر وعلي الحجار ومدحت صالح ومحمد الحلو وهشام عباس ومحمد محسن ومحمد عدوية وعمرو سليم ومجد القاسم وهشام خرما وياسر سليمان والشيخ ياسين التهامي و"سعيد الآرتيست" وفرقة "على مر الأجيال".

والتقى الجمهور الكبير مبدعات مصريات وعربيات في الطرب والغناء والموسيقى كمي فاروق ومروة ناجي ودينا الوديدي وسما سليمان ومنى بوركهارد وغالية بن علي، وصولا أمس الجمعة لعازفة "الماريمبا" نسمة عبد العزيز وفرقتها، والمغنية اللبنانية تانيا قسيس فضلا عن فرقة "النور والأمل". 

ووسط توافد لافت للعائلات على "مسرح المحكى" في قلعة صلاح الدين، كانت وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبد الدايم قد اعتبرت الحضور الجماهيري الكبير في هذا المهرجان الجامع بين التراث المصري والموسيقى والغناء والاستعراضات وفنون الشعوب حول العالم، ثمرة لتنفيذ استراتيجية العدالة الثقافية للوصول بالمنتج الفني والفكري لكل المصريين.

وإلى جانب "فرقة رضا للفنون الشعبية" وفرقة سوهاج التي تشارك باستعراضاتها الشعبية في فعاليات اليوم الختامي للمهرجان، الذي افتتح في الثامن عشر من شهر أغسطس الحالي، يتجلى الحضور الإبداعي لفرق للإيقاعات والفنون الشعبية من دول شقيقة وصديقة كالجزائر وغينيا وناميبيا والصين والهند وفنزويلا.

وعلى مدى أسبوعين لهذا المهرجان الذي يصل مجموع فعالياته إلى 42 حفلا فان الدورة الحالية التي توشك على نهايتها تبرهن بالفعل على الدور الكبير للفن في تطوير الوعي والارتقاء بالوجدان بقدر ما يثبت الاقبال الكبير للجماهير مدى ترحيبها بالفن الراقي والأصيل والجميل. 

وفي السنوات الأخيرة، باتت قلعة صلاح الدين حاضنة لمهرجانات ثقافية وفنية دولية مثل المهرجان الدولي للطبول والفنون التراثية الذي اختتمت دورته السابعة في السابع والعشرين من شهر ابريل الماضي فيما حضر نحو خمسة آلاف مشاهد وقائع افتتاح هذا المهرجان بمسرح بئر يوسف في القلعة التي تتعاظم دلالاتها الثقافية والفنية.

كما تحتضن قلعة صلاح الدين بعض فعاليات "مهرجان سماع الدولي للانشاد والموسيقى الروحية" والذي جاءت فعاليات دورته الحادية عشرة في الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر الماضي ليشكل علامة دالة ومضيئة على الخارطة الثقافية المصرية" فيما تفاعلت الجماهير مع فنون وثقافات الدول المشاركة في هذا المهرجان من شتى انحاء العالم ليتجلى المعنى الكبير للثقافة بأطيافها المتعددة والوانها المدهشة. 

وإذا كانت الموسيقى لغة الشعوب في العالم والتاريخ قصة هذه الشعوب فان فكرة اللقاء بين الموسيقى والتاريخ تتجسد في مهرجان قلعة صلاح الدين فيما تتعاون وزارتا الآثار والسياحة في سياق قصة نجاح مصرية لمهرجان فني ثقافي يحمل الكثير من الدلالات والإمكانات.

وجاءت الدورة الثامنة والعشرون للمهرجان لتؤكد مجددا أن "الأوبرا المصرية" قادرة على تقديم الكثير للحياة الثقافية والفنية في مصر ووضع الفن في خدمة الجماهير وصياغة ذائقة وجدانية راقية للمجتمع ككل مع تقديم الوان رفيعة المستوى لثقافة البهجة.

وكان رئيس دار الأوبرا المصرية الدكتور مجدي صابر قد نوه في تصريحات صحفية بأن الموسم الفني الجديد للأوبرا الذي يبدأ في شهر سبتمبر المقبل حافل بالمفاجآت لعشاق فنون الأوبرا وكشف عن تقديم "أوبرا عايدة برؤية جديدة" وكذلك عرض "كليوباترا برؤية مصرية خالصة" الى جانب عروض عالمية تشارك فيها فرق شهيرة "كالبولشوي الروسية". 

وبقدر ما تعبر دار الأوبرا المصرية كصرح ثقافي-فني عن معاني وتجليات القوة الناعمة ودعم وشائج التواصل مع الدول الشقيقة والصديقة فانها تقدم في فعاليات كمهرجان القلعة اجابات هامة على اسئلة تتعلق بالفن والمجتمع.

وفيما ترى وزيرة الثقافة الدكتورة ايناس عبد الدايم الأوبرا كمنارة ثقافية يلتف حولها كل المصريين فان ليالي مهرجان قلعة صلاح الدين تتسق مع توجه بدا واضحا في السنوات الأخيرة نحو "كسر الطابع النخبوي الضيق للأوبرا " والاتجاه نحو تقديم روائع الموسيقى والغناء للشعب المصري بكل أطيافه وشرائحه ناهيك عن الضيوف الأجانب والارتقاء بالذوق العام للمجتمع ودحر ثقافة القبح والتلوث السمعي-البصري.

وقالت إيناس عبد الدايم التي شغلت من قبل منصب رئيس دار الأوبرا، إن الثقافة والفنون يتعدى دورهما مجرد الترفيه للمساهمة في بناء الإنسان المصري فواقع الحال ان الدورة الثامنة والعشرين لمهرجان صلاح الدين توميء بوضوح لهذا الدور وتبشر بنجاحه مع الإقبال الجماهيري الكبير.

وتأتي المشاركة الفاعلة لدار الأوبرا في الأنشطة الثقافية والفنية ذات الطابع الجماهيري في وقت يحظى فيه هذا الصرح المصري باهتمام كتاب ومعلقين من أصحاب الاهتمامات الثقافية ابدوا اعجابهم بعروض سبق وان قدمت مثل اوبرا عايدة على المسرح الكبير لدار الاوبرا معيدين للأذهان ان فن الأوبرا عريق ويرجع تاريخه في ايطاليا الى اواخر القرن السادس عشر فيما تمنى بعضهم ان تتزايد أعداد دور الأوبرا في مصر. 

ومن حسن الطالع في وطن يزهو بحضارته ان"مدينة الثقافة والفنون في العاصمة الإدارية الجديدة تشمل ضمن معالمها دارا جديدة للأوبرا لتكون هذه المدينة الثقافية والفنية الجديدة التي تقام على مساحة 127 فدانا منارة جديدة للابداع المصري.

وحسب بيانات معلنة فان دار الأوبرا الجديدة في مدينة الثقافة والفنون بالعاصمة الإدارية ستكون أكبر دار للأوبرا في منطقة الشرق الأوسط وتتسع قاعتها الرئيسية لنحو 2000 شخص فيما تضم أيضا مسرحين للموسيقى والدراما الى جانب مركز الابداع الفني ومتحف الشمع.

وكانت الدكتورة إيناس عبد الدايم قد أشارت إلى تحرك لاقامة دار أوبرا في الأقصر بتعاون مصري-صيني . مؤكدة أهمية تقديم حفلات في صعيد مصر فيما طرحت أفكار لاقامة "سوق دولية للفنون المصرية بمنطقة الأوبرا على غرار معرض القاهرة الدولي للكتاب".

وارتبط تأسيس الأوبرا القديمة بافتتاح قناة السويس وافتتحت في الأول من نوفمبر عام 1869 لتكون الأولى في قارة أفريقيا فيما تولى رئاستها شخصيات ثقافية وفنية رائدة مثل الفنان سليمان نجيب والشاعر عبد الرحمن صدقي والفنان التشكيلي صلاح طاهر.

ومع التأسيس الثاني للأوبرا في عام 1988 بعد ان احترقت الأوبرا القديمة في فجر الثامن والعشرين عام 1971 تولت الموسيقية الكبيرة الدكتورة رتيبة الحفني رئاسة هذا الصرح الثقافي الفني لتتوالى أسماء شخصيات ثقافية وفنية شغلت المنصب ذاته مثل الدكتور ناصر الأنصاري والدكتور مصطفى ناجي والدكتور سمير فرج والدكتور عبد المنعم كامل وصولا للدكتورة إيناس عبد الدايم ثم الدكتور مجدي صابر.

ويقول الرئيس الأسبق لدار الأوبرا المصرية الدكتور سمير فرج انه قرر منذ الأسبوع الأول له في هذا المنصب الخروج بالأوبرا للشعب ليعرفه بهذا النوع من الفن الراقي ومن هنا قرر خروج "الأوبرا الى الجامعات في مختلف ربوع مصر وخاصة في في محافظات الصعيد لتقديم عروض الأوبرا على مسارحها" مؤكدا على ان دار الأوبرا المصرية التي يصفها بالصرح الثقافي والفني الكبير هي "واجهة مشرفة لمصر وللعالم العربي ومازال يضع مصر على قمة القوى الناعمة في دول المنطقة".

وكانت الدكتورة ايناس عبد الدايم قد سعت لوضع برنامج الأوبرا على الخارطة السياحية المصرية ووصفت دار الأوبرا "بالمشروع القومي" منوهة بأن "لدينا مواهب غير طبيعية في العزف وثقتها بلا حدود في قدرات الفنانين الشباب" وهي قدرات تجلت في الدورة الثامنة والعشرين لمهرجان قلعة صلاح الدين.

وإذ تختتم فعاليات الدورة الثامنة والعشرين لمهرجان قلعة صلاح الدين بمختارات يعزفها الموسيقار عمر خيرت من اهم مؤلفاته على مدى مسيرته الفنية الثرية فان هذا الموسيقار الذي حفر اسمه اسمه "كأيقونة ثقافية فنية مصرية" فيما يشكل الاقبال الجماهيري الكبير على حفلاته في دار الأوبرا ظاهرة ثقافية جديرة بالتأمل.

وعمر خيرت الذي ولد في الثاني عشر من نوفمبر عام 1947 بالقاهرة يعد من اشهر الموسيقيين المصريين في الوقت الحالي وهو مؤلف موسيقي وموزع وعازف بيانو بل انه يوصف بأنه "ملك البيانو" بينما يصف هو ذاته البيانو "بصديقه الأثير وأم الآلات الموسيقية".

ويمكن القول إن عمر خيرت يشكل "نقلة نوعية في تطوير الشخصية الموسيقية المصرية الخالصة" التي كان عمه الموسيقار ابو بكر خيرت احد من وضعوا ملامحها التأسيسية في العصر الحديث فيما يلفت عمر خيرت الى انه اذا كان القاريء في الأدب بمقدوره ان يتعرف على الكاتب من اسلوبه وهو ماينطبق كذلك على الفنون التشكيلية فلابد ايضا ان يكون للمؤلف الموسيقي شخصيته الموسيقية ومفرداته المميزة. 

ورغم شهرته التي طبقت الآفاق يؤكد عمر خيرت انه يشعر بحالة من القلق البالغ قبيل أي حفل يواجه فيه الجمهور حتى انه يصف الأمر "بالامتحان الصعب" موضحا انه "يحب جمهوره ويخشاه في الوقت ذاته" وهو صاحب الفضل الأول عليه.

وعمر خيرت كفنان صاحب رؤية ثقافية وطنية يؤكد دوما أن مصر هي "منارة الدنيا وصاحبة الجذور التاريخية العريقة" وهاهي جماهيره الكبيرة تنتظره غدا في قلعة صلاح الدين لمنح بابداعه صيف القاهرة هذا العام المزيد من وعود الجمال وليالي الشرق الفاتن والحلم الجميل ويصنع من المدى مدى ساحرا في قصة نجاح مصرية بقلعة تنبض بتاريخ أرض الكنانة وحاضر شعب عظيم.



الاخبار المرتبطة




الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة