مشروعات السوريين.. «استثمارات صديقة» مشروعات السوريين.. «استثمارات صديقة»

مشروعات السوريين.. «استثمارات صديقة»

سامح مسلم- محمد قنديل الإثنين، 02 سبتمبر 2019 - 09:49 م

هربوا من جحيم الحرب وويلاته،  جاءوا إلى مصر، لاقوا ترحابا كبيرا من اشقائهم المصريين فى وطنهم الثانى، وبدأوا فى العمل والجد والكفاح، اقاموا مشروعات خاصة بهم، حققوا بها نجاحا كبيرا، ويساهمون فى انعاش حركة التبادل التجارى،   فوفقاً لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، وصل الحد الأدنى من مساهمة السوريين فى الاقتصاد المصرى منذ مارس 2011، إلى 800 مليون دولار على شكل استثمارات بمعدل 30 ألف مستثمر مسجل لدى الدولة.

وطبقاً لتقرير صادر عن وزارتى الاستثمار والتجارة والصناعة فى اواخر 2018 حول الشركات الأجنبية المؤسسة فى الآونة الأخير بمصر فقد وصل عدد الشركات السورية منذ أول يناير 2018 حتى شهر سبتمبر من نفس العام إلى 818 شركة، وهو ما يمثل ربع عدد الشركات المؤسسة بواسطة أجانب فى نفس الفترة .. وفى الآونة الأخيرة أثار إغلاق أحد المحال السورية فى الإسكندرية الجدل، بسبب نشوب خلاف بين سيدة تقيم فى العقار الذى يضم المطعم وبين صاحب المحل، ولكن سرعان ما انتهت الأزمة باعتذار صاحب المطعم وتأكيده على حبه وتقديره لمصر والمصريين.

«الأخبار» تلقى الضوء فى هذا التحقيق على الوضع الاقتصادى للسوريين فى مصر، وترصد عدداً من النماذج لمشاريع حققت نجاحا فى السوق المحلى.

يتجمع السوريون فى مناطق عديدة بمصر، أبرزها منطقة الحصرى بمدينة 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، بالإضافة لبعض المدن الجديدة مثل العبور والرحاب، وتحقق مشروعاتهم نجاحا كبيرا نتيجة الاقبال الكثيف من المواطنين على منتجاتهم، «الأخبار» قامت بجولة ميدانية فى منطقة الحصرى لرصد مشاريع وأراء السوريين حول وضعهم الاقتصادى بمصر.
 

يتحرك بخفة ونشاط داخل محل للمشويات، يعد الطعام للزبائن المصطفين أمام المطعم.. أبو خالد البالغ من العمر 45 عاماً يعمل فى مصر منذ عام 2013، فيقول أن عمله فى أرض الكنانة يسير على أفضل وجه، ولا تواجهه صعوبات فى ظل المعاملة الطيبة التى يلقاها من زملائه وجيرانه، فمصر بلد الأمن والأمان والتاريخ العريق، ومنذ قديم الأزل وعلاقة الأخوة والمحبة تجمع الشعبين السورى والمصرى.

 

ويضيف وعلى وجهه الابتسامة : «مصر أرض الخير صاحبة فضل كبير على السوريين، الذين قدموا إلى هنا فرارا من جحيم الحرب، ووفرت لنا الإقامة، والتحول إلى أصحاب مشروعات مفيدة للمجتمع، وتحقق لنا دخلا يساعدنا على ظروف المعيشة حتى لا نتحول إلى مشردين».

المعاملة الحسنة

من داخل محل لبيع الفطائر والحلوى، يقول علاء محمد، أنه يعمل فى مصر منذ شهور قليلة، فوجد فرصة عمل توفر له احتياجاته وأسرته لذا فهو يبذل قصارى جهده للاستمرار بها، ويضيف انه وجد الترحاب والمعاملة الحسنة من الجميع بما فيهم الأشقاء والزملاء المصريون، وهو ما ينفى وجود ضغائن او خلافات فى فرص العمل، فالعمل متاح للجميع ونجد المصرى يعمل بجانب السورى فى نفس المكان، كما أن المحال السورية ملتزمة بدفع الضرائب وكافة الالتزمات تجاه الدولة.

 

 ويتابع أن المنتجات السورية تلقى إقبالا كبيراً، ومن الطبيعى أن تكون مرتفعة التكلفة عن باقى المنتجات بالسوق المحلى نظراً لاختلاف المواد المستخدمة فى المنتج، فعلى سبيل المثل «الطعمية» أو «الفلافل» فى المطاعم السورية تنتج من الحمص وليس الفول.

 

ويختتم علاء حديثه قائلاً : تظل مصر «أم الدنيا» مهما مرت بظروف صعبة، وتظل حاضنة للأمة العربية، ونحن السوريين لا نشعر بالغربة إطلاقاً لأن شعبها وعاداتها وتقاليدها أشبه بسوريا والشعب المصرى من أفضل الشعوب وهو كريم بطبعه. 

 

تنقلنا بعدها داخل شارع «السوريين»، هنا تحيطك المحال والمشاريع السورية وكأنك داخل دمشق، مطاعم للأكل والملابس والعطارة والإكسسوارات و«كافيهات»، وعلى الرغم من الانتشار المكثف للعمالة السورية بالمنطقة، إلا أننا لاحظنا بعض الأماكن التى يعمل بها مصريون وسوريون مع بعضهم البعض.

 

فوائد استثمارية

 

فى محل ضيق وصغير يتجمع عدد من الشباب السورى لاعداد الخبز متحدين «نار الفرن» وحرارة المناخ، يعملون فى همة ونشاط والعرق يتصبب من جبينهم، فيؤكد ماهر أيمن وعلى وجهة علامات الإرهاق، أنه يعمل فى هذه المشروع منذ 7 سنوات، حتى أصبح يدر عليه دخلا مناسباً يعينه على العيش وتوفير التزامات أسرته، ويضيف أن الفرن يصنع فقط «العيش السوري» وهو من أنواع الخبز التى تشهد إقبالا كبيراً من محال المشويات والشاورما، وغيرها من المطاعم.

 

ويؤكد «أيمن» أن المحل ملتزم بدفع الضرائب والالتزمات ولديه كافة التصاريح الصحية، بالاضافة إلى استخدام أجواد المواد المستخدمة فى الخبز، ويشير إلى المعاملة الطيبة التى يتلقاها السوريون فى بلدهم الثانى مصر، وانه لا توجد أى مضايقات فى العمل، فالسوق متاح للجميع.

 

 انتقلنا إلى احد المولات الشهيرة بالمنطقة والذى يعج بالمشاريع السورية، بداخله تسمع اللهجة السورية ورائحة الطعام الشامى الشهية التى تجذبك، بالتجول فى المول نادراً ما تقابل عاملا مصريا، ولكن الاقبال الكبير على هذه المشاريع يؤكد نجاحها.

 

فى محل لبيع «الاكسسوارات» والعطور، يقف محمد أمير،  فيقول انه جاء إلى مصر منذ 6 سنوات بعد الحروب التى ضربت سوريا، وبعدها بفترة صغيرة التحق بالعمل داخل متجر للملابس، ثم عمل داخل مشروع صغير لبيع العطور.

 

ويؤكد أن العلاقة بين العمالة السورية والمصرية طيبة، فمجال التجارة من الطبيعى أن يشهد منافسة، ولكن يظل الاحترام المتبادل باقياً.

 

  فى نهاية جولتنا التقينا «أبو مروان»  خياط سورى يفصل ويجهز الملابس، يُعرف عنه المهارة والدقة فى العمل، فيقول أنه مستقر بمصر منذ عام 2013، وبدأ مشروعه بمشاركة شخص أخر، إلا انه بعد فترة استقل بملكية المحل وكثف من عمله حتى اكتسب ثقة الزبائن، ويضيف أنه لا يوجد أى مضايقات من العمالة المصرية، وانه يعامل هو أسرته باحترام كبير ولا تقابله مشاكل أو عقبات.

 

ويؤكد أبو مروان: السوق المصرى من أفضل الأسواق، واعتدنا دائماً أن مصر هى قلب الوطن العربى، وتحتضن الجميع فى أمان وسلام.

 

ويتابع بأن اصعب ما يواجه السورى هو تعقيدات الاجراءات من اجل الحصول على إقامة، وهى المشكلة الوحيدة التى تواجه السوريين فى مصر، مناشداً السلطات بضرورة تخفيف الاجراءات وتسهيل استخراج الإقامة.

 

 قصص الأوائل!

 

من رحم المعاناة يولد النجاح، هكذا يمكن ان نطلق على معظم المشاريع السورية فى مصر، فقد نجوا من ويلات الحروب ليحققوا ذاتهم ونجاحاتهم فى مصر، نستعرض بعض النماذج الرائدة لسوريين تركوا ذكرياتهم الأليمة ليبدأوا حياة جديدة تنعم بالاستقرار والرخاء .

 

 ترك «أبو أيمن» قبل 7 سنوات موطنه هرباً من الحرب التى لم تتوقف رحاها فى سوريا، مخلفا وراءه ذكرياته الجميلة فى ريف دمشق، والتى يتجدد أمل العودة لها فى كل عام، على الرغم من الخراب والفوضى والمستقبل المجهول.. لم يجد ملجأ أكثر أمانا وسلاما افضل من مصر، فجاء رفقة زوجته وطفليه إلى أرض الكنانة بحثاً عن حياة جديدة لا يشوبها رائحة الدماء والبارود.  

 

خلال سنته الأولى فى مصر عانى كثيراً من ضيق الحالة المادية، فأصبح توفير احتياجات اسرته الأساسية كابوساً يؤرقه، فيقول :» كنت أعمل فى احدى المقاهى براتب 40 جنيهاً يومياً، وبعدها بفترة وجيزة انتقلت للعمل «نادل» فى احد المطاعم بمدينة 6 أكتوبر براتب ضئيل أيضاً، حتى اننى أصبحت غير قادر على سداد إيجار المنزل».

 

فكر «أبو أيمن» فى البدء بمشروع صغير خاص به لعله يدر عليه ربحاً يستطيع من خلاله توفير حياة كريمة لأسرته، ولكنه اصطدم بعقبة رأس المال، باعت زوجته مقتنياتها الثمينة واستطاع توفير مبلغ للبدء فى مشروع عبارة عن عربة صغيرة لبيع الحلوى السورية.

 

 حقق المشروع البسيط نجاحا كبيراً ساعده على ذلك المنطقة الحيوية فى مدينة 6 أكتوبر، حتى استطاع بعد فترة تأجير محل صغير ليخطو بمشروعه خطوة هامة للأمام.. فيقول :» تغيرت حياتى للأفضل واستطعت تأمين حياة جيدة لأسرتى بعد فترة كبيرة من معاناة الغربة والهروب من الحرب، كما اننا وجدنا فى مصر الأمن والمعاملة الرائعة من المصريين ذلك الشعب الطيب الكريم».

 

 بنكهة سورية

وعلى الرغم كون «الفول والطعمية» من أهم الأكلات الشعبية فى مصر إلا أنه قرر المشاركة مع زملائه فى مشروع لاعداد هذه الأكلة المصرية المميزة.. جاء «خالد السوري» صاحب الـ25 عاما إلى مصر منذ 3 سنوات وبعد أن واجهته صعوبات كثيرة فى إجراءات الإقامة، استقر على العمل فى مشروع مميز يجذب الانتباه ويحقق الأرباح.. فيقول خالد :»الشعب المصرى ذواق ويحب الأكل السورى، وفى سوريا كان لدينا مطعم أيضاً يقدم «فول وطعمية» وبالتالى نمتلك الصنعة والخبرة لانشاء هذا المشروع بمصر أيضاً، وقد وجدنا اقبالا على الشراء منذ أول أيام الافتتاح».

 

 ويتابع قائلاً أن اختلاف بعض المواد فى الطعام يجعله مميزاً، والانسان غالبا ما يحب تجربة الأشياء الجديدة، فيستخدمون الحمص لعمل الطعمية وليس الفول، وهو ما لاقى اعجاب المشترين، كما يتم الاهتمام بجودة الطعام والنظافة وغيرها من الأمور التى تجعل المطعم مفضلا للكثير من الزبائن.

 

داخل المطعم يعمل مجموعة من الشباب كخلية نحل، وسط الطلبات المتزايدة من الزبائن، فتقول منى حسين، طالبة، انها اعتادت الافطار يومياً من هذا المطعم الذى يقدم وجبات شهية، وتابعت أن الاهتمام بالنظافة وجودة الأكل ومذاقه الرائع يجعل من المطعم الخيار الأول لها.

 

   بائع فنان

 

حالته المادية ميسورة، ولكن هذا لم يمنعه من انشاء مشروع يناسب سنه المتقدم، نايف عبد القادر الذى رفض الجلوس فى منزله وقرر العمل وفتح محلا لبيع الملابس باحد المولات الشهيرة، جاء إلى مصر منذ 6 سنوات ليعيش مع ابنه لاعب كرة القدم الذى أنشأ هو الآخر مشروعا خاصاً به، تزوج من مصرية جمعهما الحب والرغبة فى الاستقرار والعيش بسلام.

 

 يقول نايف:» المحل يضم تشكيلة متنوعة من الملابس مثل العباءات وغيرها، وسوق التجارة فى مصر يشهد انتعاشاً كبيراً ووجود استثمارات السوريين به يعد ميزة للاقتصاد المصرى وليس عيباً فيه، كما أن وجود المشاريع السورية خلق نوعا من المنافسة والنشاط التجارى وهو مايصب فى صالح مصر بالنهاية».

بيع الملابس ليس المهنة الأصلية لنايف، فهو نحات ماهر اشتهر بالتميز فى عمله ولديه تاريخ طويل فى هذه المهنة الفنية، ولكن بسبب التقدم فى السن لم يعد قادراً على مواصل هذه العمل الذى يتطلب مجهوداً بدنيا.. فيقول :»عملت كنحات منذ عام 1975 وحتى 2011 والاستمرار فى هذه المهنة بمصر كان سيوفر لى دخلا كبيراً للغاية فهى مطلوبة فى سوق العمل، ولكن للعمر قيود». 

الحلاق الموهوب

أبى أن يكون مجرد لاجئ مشرد، وجاء إلى مصر منذ 3 سنوات بعد أن ضاقت به السبل، اتخذ محمد حسن من موهبته فى الحلاقة سلاحا لجذب الزبائن وتكوين مشروع ناجح، لم تقف عقبة فى طريقه سوى اجراءات الإقامة المعقدة حتى انطلق فى البحث عن فرصة ليجد ضالته.

يقول محمد البالغ من العمر 23 عاماً :»اعمل كحلاق منذ 7 سنوات، وكان لدينا صالون للحلاقة فى سوريا، ولكن بعد الحرب تركنا البلد بحثا عن الأمن والاستقرار والهروب من الدمار والخراب».

ويضيف أنه اصبح لديه الكثير من الاصدقاء فى مصر، ناهيك عن حسن المعاملة والتقدير، فالشعب المصرى يمتاز بالمودة والروح الطيبة، كما ان العادات والتقاليد متشابهة فى مصر وسوريا، مما يجعل السوريين يشعرون كأنهم فى بلدهم.

ويتابع أن الصالون يأتى إليه زبائن من مختلف الجنسيات العربية، وانه يحاول باستمرار التجديد وتطوير المشروع حتى يجذب الكثير من الزبائن فهو مصدر رزقه الوحيد.



الاخبار المرتبطة




الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة