مانويل جوزيه الذي لا تعرفه مانويل جوزيه الذي لا تعرفه

حكايات| مانويل جوزيه قبل الأهلي.. «بعبع» البرتغال وقاهر «كبار أوروبا»

عمر البانوبي الأربعاء، 02 أكتوبر 2019 - 08:09 م
بصوت عالٍ، تُقاطع عبلة كامل في أحد مشاهدها الكابتن علي ماهر حين طالبها بالهدوء لعدم قدرة مانويل جوزيه على التركيز: "يركز في إيه يا عّم صلي على النبي.. دا روح الفانلة الحمرا وبركة صالح سليم"؛ لكن الحقيقة غير ذلك والأرقام ترد غيبة مانويل مع نغمة "توفرت له كل الإمكانيات.. هنا تاريخ لم تتخيله من قبل لـ"جوزيه الأوروبي".
 
 
 
هل كان مانويل جوزيه مدربًا كبيرًا قبل أن يتولى تدريب الأهلي؟.. سؤال تردد كثيرًا في البرامج الرياضية ومواقع التواصل الاجتماعي في كل مرة يتعاقد فيها النادي الأهلي مع مدير فني أجنبي لم يسبق له تحقيق إنجازات كبيرة، استنادًا إلى معيار البطولات لتقييم أي مدرب يطمح لقيادة القلعة الحمراء التي لم تعتد في تاريخها سوى على تحقيق البطولات والألقاب.

هذا ليس تحليلاً فنيًا أو تقريرًا للحديث عن المدربين الأجانب، وإن بدا للبعض أنه كذلك، ولكن هي حكاية مدرب برتغالي نجح في فرض نفسه على الساحة في بلاده وأيضًا على مستوى القارة الأوروبية بمعايير التقييم الموضوعية لاختيار المدربين، فالأمر لا يتوقف عند البطولات في سيرته الذاتية.

حكاية جوزيه تشبه إلى حد كبير حكاية كل المدربين الكبار في أوروبا، بدأوا صغارًا ومع أندية ليست بالكبيرة في دوريات بلادهم، ولكنه استطاع أن يفرض شخصيته الفنية، ويحقق نتائج إيجابية جعلته مؤهلاً لمغامرات كبيرة، ووحده القدر الذي يكتب خطوات الأذكياء في عالم الساحرة المستديرة، وحكاية الساحر البرتغالي أثبتت أن الأندية الكبيرة قد تصنع المدرب الكبير بقدرات اللاعبين والميزانيات الكبيرة، لكن التحديات الكبيرة وحدها القادرة على صناعة المدرب الحقيقي.

من هــو؟

مانويل جوزيه دي خيسوس سيلفا الشهير بمانويل جوزيه، ولد بإحدى مدن البرتغال الصغيرة في التاسع من أبريل عام 1946، ونشأ في أسرة فقيره، ليفتح عينه على مشاركة والده في إضرابات العمال ودخول عائل الأسرة للسجن واضطرار الأم للعمل وكذلك ترك الأخ الأكبر للدراسة من أجل كسب قوت يومه.

ترك جوزيه منزل الأسرة وانتقل للعيش مع خالته، وعندما خرج والده من السجن، عاد إلى المنزل، وقتها لعب كرة القدم في الشارع في سن الخامسة عشرة، قاد فريقه للفوز بدورة ودية، ليعود إلى المنزل ويستمع إلى صوت غريب، ليس صوت الوالد أو الوالدة، وإنما صوت مندوب نادي بنفيكا يخبرهم بإحضار سيارة للتعاقد مع نجلهم للعب للنادي الكبير.

جوزيه الذي كان مشجعًا لسبورتنج لشبونة هرب من المنزل إلى خالته، ومكث عندها 15 يومًا، ليؤكد لأهله :"لن أذهب إلى هذا النادي ولو كنت جثة هامدة".. ولكن بعد سنة واحدة انتقل إلى صفوف بنفيكا ليغير عقيدته التشجيعية، ويلعب إلى جوار الأسطورة العالمية إيزيبيو، لكنه يرى أن مسيرته كلاعب لم ترض طموحاته التي حققها بعد ذلك مدربًا.

اقرأ للمحرر أيضا: السد العالي اليوناني.. «براسكوس» حارس قاد مصر لأول بطولة أفريقية

 

النحت في الصخر

اختتم جوزيه مسيرته لاعبًا بنادي إسبينهو الصغير في الموسم 1978-79، وفي الوقت ذاته كان يتولى منصب المدير الفني للفريق، ليحقق الإنجاز الأول بالصعود من الدرجة الثانية للممتاز، ومع انطلاقة الموسم 1979-80، تفرغ اللاعب المعتزل للتدريب فقط، ليبدأ مشواره التدريبي.

اجتهاد جوزيه منحه الفرصة لتدريب فيتوريا جيماريش لموسم واحد فكتب اسمه في تاريخ النادي بتحقيق المركز الرابع في الدوري البرتغالي والصعود للمرة الأولى في تاريخهم لكأس الاتحاد الأوروبي، ثم بورتيمونينسي لموسمين، فاختتم الموسم الثاني بتحقيق أفضل مركز في تاريخ النادي باحتلال المرتبة الخامسة في الدوري البرتغالي والصعود لكأس الاتحاد الأوروبي.

ثم جاءت الخطوة الكبرى باختياره مديرًا فنيًا لسبورتنج لشبونة الكبير موسم 1985-86، ومن هنا بدأت الأحلام الكبيرة للمدرب الشاب الذي لم تكن مسيرته عادية لاعبًا، وانعكست على رحلته في التدريب.

مسيرة الكبار تبدأ بانكسار

بطموحات كبيرة بدأ جوزيه مشواره مع سبورتنج لشبونة، لينهزم فجأة أمام بنفيكا في مارس 1986، بخمسة أهداف نظيفة في ربع نهائي كأس البرتغال، ولأن ديربي لشبونة له قيمة خاصة لدى الجماهير، تلقى الهجوم والانتقاد بشموخ مدرب يعرف كيف يثأر كرويًا لجماهيره.

لم يمر العام ذاته، وجاء شهر ديسمبر 1986، ليلتقي جوزيه مجددًا بنفس مجموعة اللاعبين أمام المنافس ذاته في ديربي لشبونة المشتعل، ليكتب اسمه من جديد في التاريخ بتحقيق الفوز والثأر وبفارق 6 أهداف بنتيجة 7-1، لتصبح أكبر نتيجة في تاريخ ديربي لشبونة.

اقرأ للمحرر أيضا: بدير الشربيني.. مقاتل في «المظاليم» عمره 44 عاما ويحلم بالمنتخب

 

علامات في مشوار جوزيه الأوروبي

لأن القدر أراد أن يكتب بداية كبيرة لجوزيه في البطولات الأوروبية، وبعد صعوده بفيتوريا جيماريش للمرة الأولى في تاريخه لكأس الاتحاد الأوروبي موسم 1983-84، غادر ليواصل رحلته، وكانت البداية مع سبورتنج لشبونة الكبير في كأس الاتحاد الأوروبي موسم 1985-86.

 

ويقول جوزيه لـ"بوابة أخبار اليوم": "نعم، بدايتي في كأس الاتحاد الأوروبي جاءت أمام فينورد روتردام الهولندي موسم 1985-86".


افتتح جوزيه سجله التدريبي في بطولات أوروبا بمواجهة شرسة قاد فيها سبورتنج لشبونة أمام فينورد روتردام الهولندي الذي حمل أول كأس أوروبية في تاريخ الكرة الهولندية، وعلى أرضه ووسط جماهيره حقق فوزًا كبيرًا بنتيجة 3-1 على رفاق ماريو بين، وتأهل من هولندا بمجموع المباراتين 4-3.

وفي الدور الثاني تخطى سبورتنج لشبونة منافسه تيرانا الألباني بهدف نظيف بمجموع المباراتين تحت قيادة جوزيه، الذي اصطدم في دور الستة عشر بأتلتيكو بلباو الإسباني، ورغم الخسارة بهدف لهدفين ذهابًا في إسبانيا، حقق أبناء جوزيه الفوز الكبير في الإياب بالعاصمة البرتغالية لشبونة بثلاثة أهداف نظيفة، ويتفوق المدرب الشاب على خافيير كليمنتي أحد علامات التدريب في تاريخ الكرة الإسبانية.

وجاءت مواجهة ربع النهائي لتضع سبورتنج لشبونة في اختبار جديد تحت قيادة جوزيه أمام كولن الألماني وانتهت مباراة الذهاب بالتعادل 1-1 في لشبونة، قبل أن يخسر أبناء المدرب الشاب في العودة بألمانيا بهدفين نظيفين لتنتهي المغامرة الأوروبية الأولى أمام وصيف البطل في هذه النسخة.

نتيجة تاريخية وانتصار على برشلونة

في النسخة التالية لكأس الاتحاد الأوروبي واجه سبورتنج لشبونة بقيادة جوزيه فريق أكرانيس الأيسلندي في الجولة الأولى ليفوز بتسعة أهداف نظيفة، بالإضافة إلى ستة أهداف نظيفة ذهابًا وإيابًا ليصبح مجموع المباراتين 15-0، كما أن الفوز بالتسعة يعتبر حتى الآن رقمًا قياسيًا لنادي العاصمة البرتغالية في أي نتيجة خارج أرضه بالبطولات الأوروبية.

 

ويروي المهاجم الإنجليزي روب ماكدونالد لـ"بوابة أخبار اليوم" ذكرياته مع جوزيه قائلاً: "كنت في إعارة قصيرة لسبورتنج لشبونة، وأتذكره هادئًا، لا يجيد الإنجليزية بشكل كبير، لكن كان شخصًا جيدًا، في مباراتنا الأوروبية الأولى أمام أكرانيس الأيسلندي سجلت هدفًا على أرض لشبونة، وفي أيسلندا سجلت 3 أهداف بمفردي (هاتريك)، كنت معارًا من بي آس في أيندهوفن بطل هولندا آنذاك".

وفي مواجهة تاريخية أمام المدرب الإنجليزي المخضرم تيري فينابلس، خسر جوزيه مع سبورتنج لشبونة ذهابًا أمام برشلونة في كامب نو بهدف نظيف، لكنه حقق الفوز إيابًا في لشبونة بهدفين لهدف، ليتفوق مجددًا على أحد عمالقة التدريب في أوروبا، حيث أن تيري قاد برشلونة في 108 مباريات وتوج بالدوري الإسباني بخلاف بطولات أخرى في قيادة أندية كبرى مثل توتنهام هوتسبير الإنجليزي، وله تجربة كبيرة مع منتخب إنجلترا أيضًا.

 

ويكشف ماكدونالد تفاصيل مواجهة برشلونة تحت قيادة جوزيه قائلاً: "لعبنا بشكل جيد في المباراتين، أتذكر أننا خسرنا في كامب نو بهدف نظيف، لكننا حققنا الفوز بهدفين لهدف في لشبونة، وجاري لينكر كان مهاجم برشلونة في هذا اللقاء، لكنه لم يسجل".

"في هذا اللقاء شاركت بديلاً، وكنا 3 أجانب في الفريق، واللوائح تسمح بمشاركة اثنين فقط، مواطني رافايل ميد كان قد سبقني إلى سبورتنج لشبونة قادمًا من أرسنال ولم يكن قد سجل كثيرًا من الأهداف قبل انضمامي، والآخر كان لاعب الوسط المكسيكي المميز مانويل نيجريت". 

"حينها طلب جوزيه من مساعده أوسانو أن يخبرني بأن الأولوية لمشاركة رافايل مييد الذي سجل أكثر مني عندما شارك ونيجريت لكونه لاعب وسط مهم، وأنه يعرف بأنني أتدرب بشكل قوي وسجلت أهدافًا عندما شاركت، وكما ذكرت لك كنت معارًا من أيندهوفين وقررت العودة للبحث عن ناد جديد".

جوزيه يقهر الطليان

قدم جوزيه مباراة كبيرة في قيادة سبورتنج لشبونة بكأس الاتحاد الأوروبي موسم 1989-90، وخسر بركلات الترجيح أمام مارادونا ورفاقه، لكنه لم ينس ثأره أمام الأندية الإيطالية بعد ذلك عندما تولى القيادة الفنية لبوافيشتا البرتغالي في الفترة من 1991 حتى 1996، حتى بعد ذلك مع بنفيكا عام 1997.

ففي كأس الاتحاد الأوروبي موسم 1991-92، قدم جوزيه واحدة من أفضل مبارياته في البطولات الأوروبية عندما استطاع الإطاحة بإنتر ميلان الكبير بالفوز عليه 2-1 في البرتغال ذهابًا والتعادل سلبيًا في إيطاليا إيابًا.

 

وقال جوزيه في تعليقه على استعراضنا لتاريخه الأوروبي: "أعتبر أن فترتي مع مع بوافيشتا كانت الأفضل بالنسبة لي، حتى على صعيد منافسات كأس الاتحاد الأوروبي".

وجاءت نسخة الموسم 1993-94، ليواصل جوزيه التألق أوروبيا بتخطي يونيون لوكسمبورج بخماسية نظيفة في مجموع المباراتين بالدور الأول، وفي الدور الثاني عزز تفوقه على الطليان بإقصاء لاتسيو 2-1 بمجموع المباراتين، وسجل البرازيلي ريكي هدفي بوافيشتا بكل اقتدار.

 

ثم تخطى أوفي كريت اليوناني في دور الستة عشر بنتيجة 6-1 بمجموع المباراتين، قبل أن يتلقى صدمة ألمانية جديدة في ربع النهائي بالخسارة أمام كارلسروه الألماني 2-1 في مجموع المباراتين.

ريكي سجل 5 أهداف في هذه النسخة من كأس الاتحاد الأوروبي تحت قيادة جوزيه الذي قال عنه في حديثه لـ"بوابة أخبار اليوم": "بالنسبة لي، فإن ريكي كان أحد مفاتيح اللعب في هذه الفترة، سواء أوروبيًا أو محليًا".

 

ومع بنفيكا في نسخة العام 1997 من كأس أوروبا للأندية أبطال الكؤوس، نجح جوزيه في تحقيق فوز شرفي على فيورنتينا الإيطالي بملعبه ووسط جماهيره بهدف نظيف وتفوق على المدرب الإيطالي كلاوديو رانييري، لكنه كان قد خسر ذهابًا بهدفين نظيفين.

 

ويروي نجم الكرة البلغارية إيليان إيليف لـ"بوابة أخبار اليوم" ذكرياته مع هذا اللقاء قائلاً: "تدربت على يد جوزيه ستة أشهر في بنفيكا البرتغالي، وللأسف كان هو المدرب الذي طلب رحيلي بعد ذلك، لكن بخصوص هذه المباراة، كنا قد خسرنا بهدفين في لشبونة وسط تألق للأرجنتيني باتيستوتا، ولكن في الإياب على ملعب أرتيميو فرانكي معقل فيورنتينا حققنا الفوز بهدف إدجار باتشيكو".

 

"كنا نضغط على الخصم دائمًا وهذا ما اعتدنا عليه، وحتى الدقائق الأخيرة كنا أنا وباتشيكو وباندورو الثلاثي الذي يضغط من الأمام ويحاول التسديد على المرمى، وحتى اللحظة الأخيرة كنا على وشك التسجيل مجددًا والذهاب لوقت إضافي، لكن باتشيكو سدد ولم يوفق، وبالفعل كانت مباراة كبيرة لنا، وعن مانويل جوزيه يمكنني القول بأنه المدرب الرائع والذي حقق نجاحًا عظيمًا في مصر أيضًا وأتمنى له كل الصحة والنجاح".

 

وعلق جوزيه على حديث إيليف قائلاً :"أعتقد أنه كان لاعبًا جيدًا بالنسبة لي في بنفيكا خلال هذه الفترة".

بطل قبل تجربة الأهلي

لا شك في أن تاريخ جوزيه مع النادي الأهلي لا يضاهيه تاريخ أي مدرب آخر تولى القيادة الفنية للقلعة الحمراء ليصبح وبحق أفضل مدرب أجنبي مر على كرة القدم المصرية منذ نشأتها، لكنه أيضًا لم يأت إلى مصر إلا وفي جعبته بطولتين مع بوافيشتا.

نجح جوزيه في قيادة بوافيشتا لتحقيق بطولة كأس البرتغال على حساب بورتو العملاق موسم 1991-92 بالفوز بهدفين مقابل هدف وحيد في المباراة النهائية عن طريق ورقته الرابحة النيجيري البرازيلي ريكي الذي سجل هدف الفوز، وكان ريكي قد منح جوزيه تفوقًا على السويدي المخضرم سفين جوران إريكسون مدرب بنفيكا في نصف النهائي بتسجيله هدفين في فوز صعب بنتيجة 2-1.

 

وفي مواجهة السوبر البرتغالي أمام العملاق بورتو كرر جوزيه التفوق على المدرب البرازيلي المخضرم كارلوس ألبيرتو سيلفا وتوج بالبطولة بمجموع المباراتين 4-3.

 

 
هذه حكاية جوزيه ما قبل الأهلي والتي إذا طبقت عليها شروط اختيار المدرب العبقري ستجدها متطابقة إلى حد بعيد، من الشخصية إلى التطور والمغامرة وحتى تحقيق الإنجاز والأرقام القياسية.. هذا هو مانويل جوزيه الذي لا تعرفه!



الاخبار المرتبطة




الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة