اللواء د. يحيى السنجق اللواء د. يحيى السنجق

حوار| اللواء د.يحيى السنجق: قطعنا الذراع الطولى للعدو والمقاتل «كلمة السر»

بهاء المهدي الأحد، 06 أكتوبر 2019 - 12:50 ص


على الرغم من مرور 46 عاما على انتصارنا فى حرب أكتوبر عام 1973، إلا أن اللواء د. يحيى السنجق، أحد أبطال سلاح الدفاع الجوى، ما زال يتذكر كل تفاصيل معركة الكرامة، يحكى عنها بحب واشتياق، يحن إلى تلك الذكريات ويتحدث عنها بفخر.
يتحدث اللواء يحيى بهدوء وثبات بالغ، ما إن تسأله عن يومياته قبل حرب أكتوبر وذكرياته أثناء الحرب، تندفع الكلمات منه بحماس شديد، تشعر بلهيب المعركة مازال يشتعل فى وصفه للأحداث، وكأنما يحدثك عن الحرب التى وقعت بالكاد منذ بضع ساعات.


فى البداية سألناه عن أهم سلاح فى حرب أكتوبر «الدفاع الجوي» والذى تصدى بعنف لطائرات الفانتوم الإسرائيلية ليقول : «بعد الهزيمة مباشرة دخلنا فى حرب الاستنزاف ضد العدو الصهيونى، ونصبنا كمائن ضد طائراته الحديثة من طراز الفانتوم، والميراج، من خلال المواقع التبادلية، وكنا نضرب الطائرات الإسرائيلية بصواريخ الدفاع الجوى فجأة، ونسقط الطائرات ثم ننسحب منه بسرعة إلى موقع تبادلى آخر، وعندما كانت تأتى طائرات أخرى لقصف موقع الكتيبة التى أطلق منها الصاروخ، لا تجد به شيئا فنستهدفها بنفس الكتيبة من مكان آخر، وبسرعة نخلى الموقع إلى مكان ثالث لتكرار ذلك، رغم ثقل معدات كتيبة الدفاع الجوى، فالصاروخ سام 2 وسام 3 كان يبلغ طوله حوالى 12 متراً، وكنا نحمله فوق شاحنة ضخمة، إضافة إلى حجم القاذف الكبير، وبفضل التدريب والروح المعنوية المرتفعة كنا نتحرك ونشتبك ونخلى فى ربع الزمن الروسى المحدد لذلك.
ويستكمل قائلاً: «كانت المقاولون العرب تبنى لنا مواقع تبادلية بطول خط الجبهة، على بعد 15 كيلو من قناة السويس، وكانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تسقط فى خليج السويس، وكنا نبلغ وزير الحربية الفريق محمد فوزى بالطائرات التى نتأكد من سقوطها فقط، عن طريق أسر الطيار أو الحصول على حطام الطائرة وكان يقول لقائد الدفاع الجوى: «أنا نفسى أنشف خليج السويس عشان أعد الطيارات اللى انتوا وقعتوها».
ملحمة حائط الصواريخ
ملحمة إنشاء حائط الصواريخ، الذى استشهد من أجله عدد كبير من العسكريين والمدنيين بشركة المقاولون العرب، يحكى لنا اللواء السنجق ذكريات تلك الأيام ويقول «إسرائيل كانت تستهدف مواقع إطلاق الصواريخ بقسوة لأنها كانت تعلم أن حائط الصواريخ سيوقف تفوقها الجوى وسيعرض طائراتها للخطر، انتقلنا إلى قناة السويس بالتدريج، بعد أن وضعنا خطة محكمة لإنشاء حائط الصواريخ، بدأناه على مسافة بعيدة من القناة تزيد على 60 كيلو مترا ووضعنا قدما على الطريق، لم نحرك الثانية نحو القناة إلا بعد ثبات الأولى وبعد تأكدنا من أنها ستحمى الخط الأول، وهكذا تقدمنا إلى القناة بالتدريج حتى اقتربنا منها جدا قبل نهاية عام 1970، ومنعنا ذراع إسرائيل الطولى من التحليق فى العمق المصرى واستهداف المنشآت به، كما حدث فى مدرسة بحر البقر وغيرها».
وأضاف: أن كتائب الصواريخ دخلت الخدمة فى عام 62، وكان قبل ذلك التوقيت أسلحة الدفاع الجوى عبارة عن رشاشات ومدافع مضادة للطائرات، وكانت أسلحة بريطانية وأسبانية وروسية، وبعد هزيمة 67، طلب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من الاتحاد السوفييتى وحدات مقاتلة من الدفاع الجوى والقوات الجوية لحماية المراكز الحيوية للدولة، وبدأت مرحلة إعادة التنظيم والتسليح للقوات المسلحة المصرية.
وعن أبرز الدروس المستفادة من هزيمة يونيو 67 قال اللواء يحيى السنجق إنه تم الدفع بقيادات أكثر علماً وكفاءة على مستوى القوات المسلحة ككل، وتم تعيين الفريق محمد فوزى وزيراً للحربية، واهتم الفريق فوزى بتحقيق الإنضباط والتدريب فى القوات المسلحة بالكامل، وتم تعيين الشهيد الفريق عبد المنعم رياض وهو ضابط مدفعية مضادة للطائرات ومن أفضل ضباط المدفعية فى ذلك الوقت، وتعاون الرجلان فى تطوير القوات المسلحة.
يضيف بطل حرب أكتوبر: أن منظومة الدفاع الجوى مرتبطة بعدة عوامل عند الاشتباك مع العدو، مثل درجة الحرارة والرطوبة واتجاه الرياح وسرعة الطائرة وارتفاعها، والتصدى للطائرات التى تطير على مستوى منخفض يختلف عن مواجهتها وهى مرتفعة، ويوضح اللواء يحيى السنجق أن الدفاع الجوى ينقسم إلى جزءين، الأول الكتائب الثابتة والتى تحمى المنشآت الحيوية والاقتصادية بالدولة باستمرار، وحجمها ضخم جدا وصواريخها غالبا تكون من طراز سام 2 وسام 3، والثانى: المتحركة التى تتحرك مع القوات البرية لتوفير الغطاء الجوى لها بالاشتراك مع القوات الجوية، وحجمها أقل وتكون غالبا من طراز سام 6 وسام 7.
ويقول اللواء السنجق إن قوات الدفاع الجوى لم تشتبك فى أول لحظة فى القتال، ولكننا بدأنا الاشتباك بعد انقضاء 45 دقيقة أى فى حوالى الساعة الثانية و50 دقيقة ظهراً، وهو وصول أول فوج من الطائرات الإسرائيلية لكى تجهض عملية العبور، وكنا على أهبة الاستعداد والجاهزية وعندما لاحت لنا الفرصة هاجمنا بضراوة، وكانت الطائرات الاسرائيلية تتفاجأ بكثافة نيران الدفاع الجوى ومنها صواريخ «سام 7» المحمول على الكتف، وشاهد الجميع الطائرات تقع فى القنال، والطيارين الإسرائيليين يقفزون بالبراشوتات من الطائرات، وتم أسر عدد كبير منهم، وهو ما ساهم فى رفع الروح المعنوية للجميع.
100 طائرة إسرائيلية
يواصل بطل حرب أكتوبر حديثه، قائلا: «فى الحرب حقق الدفاع الجوى عنصر المفاجأة للعدو، بكثافة نيرانه وصواريخه، حتى استطاعت مصر إسقاط أكثر من 100 طائرة، حسب كلام المحللين العسكريين الإسرائيليين أنفسهم، ومن الأمور العجيبة وغير المتوقعة أننا كنا نواجه طائرات الفانتوم والميراج بطائرات الميج 15، وكانت الميج تسقطها وهذا شىء مذهل.
ويضيف : «قبل وقوع الحرب بأيام شعرت بأن شيئا ما سيحدث بحكم عملى اللصيق بقائد الدفاع الجوى، لكننى لم أستطع سؤاله عن موعد الحرب وأنا رجل عسكرى، ولابد أن أحترم السرية، كما أن طرد الخبراء الروس كان مؤشراً قوياً على أن شيئا ما سيحدث، ولا ننكر دور الخبراء الروس فى معاونتنا بحرب الاستنزاف، سواء فى القوات الجوية والدفاع الجوى، لكن السادات وضع مبدأ احترمته، فقد قال الرئيس السادات: «محدش هيحارب لى، أنا هحارب لنفسى، وأشرف لنا أن نقوم بالمعركة بنفسنا وأن نستشهد فى سبيل وطننا»، تلك الجملة التى انتقلت لكل الجنود فى القوات المسلحة، وألهبت حماس الجميع.
كذلك لا نستطيع إغفال دور الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، الذى أعاد بناء القوات المسلحة المصرية، وكنت أحضر لقاءاته أثناء مناقشة القادة لإعادة بناء الجيش.
استرداد الأرض
وأشار إلى أن الحديث عن تحرير سيناء وعودة كامل التراب الوطنى لا يمكن فصله عن حرب أكتوبر المجيدة بأى حال من الأحوال، مؤكداً أن حرب أكتوبر هى التى مهدت الطريق لاستعادة الأرض الغالية، وفتحت باب المفاوضات أمام مصر من موقع القوة، التى لا تعرف إسرائيل غير لغتها، ولا يقبلون إلا بالاستيلاء على أراضى الدول وهذه طبيعتها.
وأضاف «السنجق» أن إسرائيل استحلت دماء العرب منذ نشأتها، ولم تعرف طعم الهزيمة إلا على أيدى المصريين، وزادت أطماعها عقب النكسة، وخططت ببناء خط بارليف للبقاء فى سيناء للأبد، ولذلك كانت حرب اكتوبر بمثابة صاعقة للعدو، جاءت على حين غرة فكسرت شوكته، وحطمت آماله وأطماعه فى المنطقة العربية.
انتقاء المقاتل
وأشار إلى أن انتصار أكتوبر جاء نتيجة وعى القوات المسلحة المصرية واستيعابها لدروس النكسة التى يمكن تلخيصها فى اليقظة التامة وعدم التهاون فى التعامل مع العدو أو التقليل من شأنه حتى مع زيادة قدراتنا القتالية، كما تعلمنا أن نحسن من استخدام السلاح طبقاً لإمكانياته القتالية والاهتمام بالفرد المقاتل ووضعه فى طبيعة لا تختلف كثيراً عن طبيعة المعركة الحقيقية، كما تعلمنا أهمية حسن انتقاء الفرد المقاتل، وتعلمنا أهمية جمع المعلومات عن العدو بمختلف وسائل الاستطلاع، واستوعبنا جميع هذه الدروس وطبقناها على جميع وحداتنا فى جميع التخصصات وأعدنا تدريبها وتسليحها وتنظيمها لكى تكون مستعدة للمعركة، وقمنا بتطعيم وحداتنا بتطعيم المعركة فى قتال فعلى بالذخيرة الحية خلال الاستعداد لحرب أكتوبر حتى يشعر الفرد بجو المعركة الحقيقى وضغوطها النفسية والعصبية والجسمانية والحمد لله أثبت المقاتل المصرى ضباطاً وجنوداً كفاءة عالية فى التدريب والجلد والصبر حتى حانت اللحظة المناسبة.
وعن مشاق التدريبات التى قام بها جنود وضباط القوات المسلحة استعداداً للمعركة قال اللواء يحيى إن الجميع كان يتدرب على الأصعب وكان العبور للجنود بمثابة «عبور كوبرى قصر النيل مش القناة»، وهذا أكبر دليل على أن التدريب الشاق قبل المعركة يجعل المعركة نفسها أمراً هيناً بالنسبة للمقاتل.
المقاتل المصرى
لقد كان المقاتل المصرى هو كلمة السر ومفاجأة العبور العظيم، فهو نفس الفرد الذى انهزم فى النكسة، وهو أيضاً من حارب وانتصر وعبر المستحيل، وفى هذا درس كبير للأجيال التى لم تعاصر الحرب وظروفها الطاحنة، فقد مرت مصر بظروف قاسية على مختلف النواحى، ولكن المصريين أصحاب الحضارة لا تكسرهم الأزمات.. وأوضح اللواء السنجق أنه لم يكن أحد يتوقع أن تقوم مصر من بعد هزيمة 67، ولكن بعدها بأيام بدأت القوات المسلحة فى تنفيذ عملياتها الانتقامية، ودخلنا أيضاً فى حرب الاستنزاف ضد العدو، وخلال حرب الاستنزاف أرهق العدو وتكبد خسائر فادحة وأعطت هذه الحرب رسالة واضحة للعدو أنه لن يهنأ فى سيناء، ولن يدم بقاؤه طويلاً على أرضها.
الزعيم السادات
ثم كان قرار الرئيس الشهيد البطل الزعيم أنور السادات بالعبور وتحقيق الانتصار العظيم، ليحقق نصراً فى المفاوضات لاستعادة سيناء كاملة، لا يقل عن انتصار الحرب، وتستمر المفاوضات المصرية على أرض صلبة، حيث كان الرجل لديه رؤية واقعية ومستقبلية لمجريات الأمور والتى أثبتت الأيام صحتها.
واستكملت القوات المسلحة كافة معاركها خلال مراحل التفاوض حتى عادت سيناء بكامل مساحتها إلى مصر، وتستكمل القوات المسلحة خلال السنوات الماضية تطهير أرض الفيروز من الإرهاب الذى توطن خلال حكم الجماعة المحظورة، وفى نفس الوقت تشهد تنمية وعمراناً ومشروعات قومية غير مسبوقة لتظل القوات المسلحة درع الوطن وسيفه وداعماً وسنداً لشعبها وقت السلم والحرب.. وأود أن أقدم التحية للرئيس الراحل أنور السادات لأنه كان شجاعاً بشن الحرب والهجوم يوم 6 أكتوبر بالتنسيق مع سوريا، ليتم تشتيت القوات الإسرائيلية، بفتح الجبهة الشمالية مع سوريا والجنوبية مع مصر وهو ما أعطانا الفرصة للتقدم وتحقيق النصر.



الاخبار المرتبطة




الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة