د. مبروك عطية د. مبروك عطية

يوميات الأخبار

صناعة الجمال

بوابة أخبار اليوم الخميس، 10 أكتوبر 2019 - 07:35 م

فأجمل قصيدة عند الشاعر هى التى لم يكتبها بعد، ويرى كل ما ينتجه دونها بكثير، تعجب الناس، وهو يرنو إلى ما يعجبه.

السبت:
الجمال صناعة لا تقل فى مهمتها، وتكاليفها عن الصناعات الثقيلة، وربما كانت أشق منها بكثير؛ لأن الجمال روح قبل أن يكون مادة تتألف منها الأشياء، التى سرعان ما تتألف تلقائيا فى الصناعات المعروفة، وكم رأينا ماكينات تدور وبسرعة، يسلم بعضها إلى بعض مكونات الصنعة حتى تخرج متقنة، تسحر الأعين، ولكن قبل سحرها أعين الناظرين يجب أن تكون متقنة الصنع معمرة، لا تعطب بسهولة، وهذا بخلاف ما نراه فى تنسيق الورود، وتزيين الجدران، والموائد، وترصيص ما يوضع فوقها ليقبل عليها الراغبون فى تناول الطعام، وهذا الدين لا يعرف غير الجمال فى الشكل والمضمون، وهو جمال منقطع النظير، ومن صوره بموضوعية لا تفقد القارئ روح المتابعة أقول:
1- جمال العشرة: كان النبى صلى الله عليه وسلم حسن العشرة، وجعل من أحبه إليه، وأقربه منزلة يوم القيامة الذين يألفون ويؤلفون، وجعل شر الناس من هجره الناس اتقاء فحشه.
2- جمال المفارقة: وإذا كان الجمال فى العشرة غير مستنكر فإن جمال الفراق شيء يلفت النظر، ألا ترى إلى قوله تعالى :" وسرحوهن سراحا جميلا " وقد بتنا نرى الذين يقيمون الشعائر أولى بأس شديد عند الفراق، سواء فى أكل الحقوق، أو فى التنابز بأسوأ الألقاب المختلقة، فمهاجر يذم من هجره حتى يقول له الناس: لا ندرى كيف تحملت صاحبك زوجا أو غير زوج كل هذه ىالسنين؟، ليرد قائلا: صبرت واحتسبت، وعملت خاطرا للعيش والملح، وعظام المقابر، واتقيت الله فيه، وكذا وكذا، وقلما تسمع عن أناس لم يفارقوا مقتضى قول من يقول: "كما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف" وفى الحقيقة أنهم لم يدخلوا بالمعروف، بل دخلوا بالرغبة، والإغماض من أجل تحقيق هذه الرغبة، فكم وقعوا على أوراق ليسوا على قناعة بها كقائمة المنقولات الزوجية، ومؤخر الصداق الكبير قائلين: وماذا نفعل، كل الناس يفعلون هذا، وكم ورد على ألسنتنا، بعيد الشر، بعيد الشر، وما هذا سوى حبر على ورق، وقع وقع ولا يهمك، معقولة برضه نحبسك، دا احنا مدينلك بنتنا، حتة مننا! والحبس قادم لا محالة، إن لعب بذيله، أو أساء إليها، والإساءة عند كثير من الناس تتأتى باعتبار ما يفهمون، لا باعتبار ما يفهم غيرهم، أو من يعاشرهم، فهناك تناقض دائما فى التفاهم، والتعايش، والأصل الأصيل أن نتفق ولو اختلفنا، نتفق على ما يحقق الجمال فى العيش المشترك بيننا.
3- جمال الشكل:
ويتمثل جمال الشكل فى نظافة المكان، والإنسان، والتزيين، فربنا تعالى يقول فى السماء :" إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب " وفى الأنعام :" ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون"، وفى الحديث :" إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"، وقد دخل النبى صلى الله عليه وسلم المسجد يوما، فوجد على جداره نخامة ؛ فحكها بحصاة بيده الشريفة، وقد وجدت امرأة مثل ذلك، فحكتها، وعطرت مكانها، فقال عليه الصلاة والسلام : ما أحسن هذا !
وقد كان عليه الصلاة والسلام لماحا لمواطن الجمال، رأى ثوب أمة بنت خالد بن سعيد جميلا، فقال لها : سناه سناه يا أم خالد، أى جميل جميل بالحبشية ؛ لأنها ولدت بها فى هجرة أبيها رضى الله عنه، ورأى ثوبا مشرقا على عمر رضى الله عنه، فسأله : غسيل أم جديد ؟ فقال : غسيل يا رسول الله ؛ فدعا له قائلا: لبست جديدا، وعشت سعيدا، ومت شهيدا، وأمر الأمة أن يكون لكل عامل ثوبان، ثوب لحرفته، وثوب لصلاته، فالله تعالى يقول :" يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ".
4- جمال المعانى:
يتيم لا يقهر، وسائل لا ينهر، ومعسر ينظر، والصدقة عليه خير لمن تصدق لو يعلم مدى رضا الرب عنها، وثوابه عليها، وجار يحسن إليه، وضيف يكرم، وجان يتصدق عليه، ويعفى عنه، ووعد يصدق، ووعيد يتجاوز عنه، وبيع وشراء قائمان على السماحة، وصغير يرحم، وكبير يوقر، وامرأة تكرم، وبر يحرص عليه، وتواضع لوجه الله يرفع صاحبه عنده، ولين فى الخطاب، وبيان فى الجواب، وإيجاز فى القول، وإطناب فى العمل، وإتقان فيه، وجائع يطعم، وجاهل يتعلم، وغيظ يكتم، وأمانة تؤدى، ويمين تحفظ، فأى جمال بعد هذا!
هذا هو الإسلام الذى ينبغى أن يكتنف الخطاب الدينى، صناعة جمال، ورسالة حسن، ونور للدنيا، لسان يشتهى الناس أن ينطق؛ لأنه لن ينطق إلا بحق وجمال، وإلا كان الصمت خيرا، تستطيع أن تقول فى البيئة المسلمة، لسانها جمال، وصمتها حكمة، فكل من خاطب أفرادها آمن على عرضه من ألسنتهم ؛ فالمسلم ليس بسباب، ولا لعان، ولا فاحش، ولا بذيء.
مكونات صناعة الجمال
الأحد:
ولكل صنعة مكونات، ومكونات صناعة الجمال تتوقف فى البداية على نفس راغبة فيه، باذلة كل جهد فى إخراجه للدنيا فى أبهى ثوب، فهيهات أن تصنع الجمال نفس مدمنة للقبح، مطبوعة على البغضاء، والعداء، والفحش فى القول، والفجر فى الخصومة، نفس بناها الدين على عشق الجمال، والخير، ففى مكنونها كل أسراره، وهى تتحرك منطلقة من هذا المكنون، كنفس الشجاع، الذى تمده بالقوة فى مواجهة من يبدو للناظرين أنه أقوى منه، وأشد، وكنفس الشاعر الذى يكمن فيها معنى القصيد، فهو ينطلق من هذا إلى بنائها، وإخراجها، ولذا يسمون المبدع ساعة إبداعه يعانى المخاض، وكل قصيدة يبدعها ابن من أبنائه، ويظل حنينه دوما للذى لم يلد، فأجمل قصيدة عند الشاعر هى التى لم يكتبها بعد، ويرى كل ما ينتجه دونها بكثير، تعجب الناس، وهو يرنو إلى ما يعجبه، وهو عزيز عليه، يظل هكذا فى صراع جميل كى ينتج الأجمل، ومن ثم أقول : إن نفس الصانع للجمال لا تخلص له حتى يتخلص من معوقات صناعته، يجب أن يتخلص من الغرور والكبرياء، ليصل إلى جمال غير مرئى للعيون، وهو التواضع، ويجب أن يتخلص من الحقد والسواد، لأنه من معوقات صناعة الجمال، فالصانع للجمال إن كان يبدع فى بناء شيء، أو حتى إعداد لقمة، لا يصل إلى الجمال فى بنائه إلا إذا كان محبا للخير، الذى ينهل من معينه كل الناس، هيهات أن يقول النبى صلى الله عليه وسلم : إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليفعل، وصاحب هذه الصفة : زارع قبيل أن يموت لابد أن يتخيل أن هنالك من سيعيش بعده ليأكل من غرسه، وإن كان على يقين انها الساعة التى لا تبقى ولا تذر، وتبقى الدلالة الحقيقة على الاستمرار فى العمل حتى اليقين بأن لا عمل يجدى، ولا ثمر يجد من يأكله، والدليل على ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم : من يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه إنسان أو حيوان أو طير إلا كان له به صدقة، ومعنى ذلك أو وجه دلالته أن هذا الزارع محب لكل الصنوف الآكلة، حتى الطير الذى قد يكون مسافرا من بلد إلى بلد، أو من مكانه إلى عش غيره، وهو لا يحمل له بغضا، ولا يجد فى نفسه كرها أن يطعمه قبل ان يرحل عن اشجار بلاده، ويحرم مواطنيه متعة النغم الصافى، وإذا كان الجمال خاصا بالخطاب، أو ما يسمى الحوار كلف عشاقه وصانعيه علما، ليس شرطا أن يكتسب بالدراسة فى المدارس والجامعات، فقد يكتسب من التدريب، وسماع الصانعين قبلُ لفن الكلمة، وهو يرتكز على محورين : سماع الآخر حتى ينتهى من حديثه، والثانى الاجتهاد فى الرد بالحجة، حتى يكون الحوار فى أقل وقت، وأوجز عبارة، خاطب كفار مكة أبا طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شأن تركه تلك الدعوة التىى صدمتهم، وعرضوا عليه ما عرضوا من مال ورئاسة وطب إن كان يعانى مرضا جعله يقول إنه رسول الله، فلما عرض عليه عمه ما جاءوا به كان جوابه: والله يا عمى لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه، ومن المستحيل أن يفعلوا ذلك، ولو فعلوه ما تركه أيضا، وهنا جعل أبا طالب يقول : امض يا ابن أخى ولن يصلوا إليك، وهنا إشكالية مهمة هى أن تسمع أحدا يقول ذلك، لكنه كاذب، فليس هذا من الجمال فى شيء، ألست ترى من يقول : لن أفعل هذا ولو كان كذا وكذا، من المستحيلات، ثم تراه قد فعله، وتقول لك الخطيبة: لن أتزوجه ولو كان الرجل الوحيد فى الدنيا، ثم تراها قد تزوجته، وأنجبت منه، يشوه الجمال فى الخطاب ألا نرى مقتضاه، وكل شيء فقد مقتضاه صار وجود كلا وجود، فلا جمال إلا ومضة كانت بارقة ثم اختفت حيث لا غيث نزل من السماء ولا نبات خرج من الأرض.
معوقات صناعة الجمال
الاثنين:
لا يخلو شيء من معوقات، ومعوقات الجمال تكاد تنحصر فى أن سوقه قليلة الزبائن، ولا يجد صانعوه من يقدر قيمته، إلى درجة أن من منهم من يقول: لا أحد يقدر، لا أحد يستحق، ولكى يعمل صانعو الجمال مساحة وفرصا طيبة، تربو على مساحات صانعى المواد الجامدة، والسلع الغذائية النادرة الغالية الثمن يجب أن ينطلقوا من ضمان الثمن، وهو إن لم يكن عند الناس كائن عند الله الذى أمرهم به، يوفيهم أجورهم فى الدنيا، ويزيدهم من فضله فى الآخرة، فالذين يطعمون الطعام يقولون لمن أطعموهم: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا قال الله فيهم: فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا. ولا شك أن ما عند الله خير للأبرار، وليس هناك من بأس فى أن يكون من ثمنه أن يشعروا هم أنفسهم بشعور من لا يريحه إلا أن يقدم الشيء جميلا على تمام أداء، وكمال عمل، لا يعنيه أن يجد من يقدره بعد أن يقدر هو نفسه، ويمنحها حقها من الشعور بالكمال، فمن الناس من إذا شعر بالنقص أو بوجه من القبح مرض، فليس جميع الناس قادرين على المعاملة السيئة، وهم مرتاحو الضمير، ومن المعوقات أن يوجد من العثرات ما يجتهد فى إحباط صانعى الجمال، وليست هذه العثرات مما يشبه المطبات الصناعية غير المهندسة، والطرق غير المعبدة، إنما هى عثرات من نفوس مؤذية، سكن فيها القبح فلا تود أن ترى فى الأرض جمالا، ولا تشتهى أن تجد فوق الرمال ينبوعا، أو شجرا يهدى للحياة ظلا أو ثمرا، تريد الضوء نارا لا نورا، ومثل هؤلاء محبطون، أو كما قال القرآن الكريم: معوقون :" قد يعلم الله المعوقين منكم " فمن أعطاهم أذنه لم يأمن أن يتسلل أذاهم إلى قلبه، فلا يصنع شيئا من جمال، لذا قال ربنا: "ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم" إنما يتبع صناع الجمال من يدعونهم إليه.


الاخبار المرتبطة

 

 

 

قد يهون العمر إلا لحظة قد يهون العمر إلا لحظة الخميس، 21 نوفمبر 2019 06:55 م
ذكريات.. ترسم مستقبلنا ذكريات.. ترسم مستقبلنا الأربعاء، 20 نوفمبر 2019 07:05 م
الحياة داخل فقعة هائلة! الحياة داخل فقعة هائلة! الثلاثاء، 19 نوفمبر 2019 06:17 م
هؤلاء وحمو بيكا هؤلاء وحمو بيكا الإثنين، 18 نوفمبر 2019 07:15 م
قناة السويس وتمثال ديليسبس قناة السويس وتمثال ديليسبس الأحد، 17 نوفمبر 2019 07:39 م
إنها ليست مجرد منصة إنها ليست مجرد منصة السبت، 16 نوفمبر 2019 07:51 م
درس فى الهوية درس فى الهوية الخميس، 14 نوفمبر 2019 07:03 م
ورق دشــت ورق دشــت الأربعاء، 13 نوفمبر 2019 07:55 م
متغيرات طارئة.. وظواهر سلبية متغيرات طارئة.. وظواهر سلبية الثلاثاء، 12 نوفمبر 2019 06:42 م

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة