علاء عبدالهادى علاء عبدالهادى

يوميات الأخبار

لهذه الأسباب.. مصر أم الدنيا

علاء عبدالهادي الخميس، 17 أكتوبر 2019 - 07:42 م

«بمجرد الخروج من باب المطار واستنشاق هواء مصر تتجدد دماؤك لتصبح بقدرة قادر مصرية مائة بالمائة».

الرئيس مهموم بمساحة الوعى بين المصريين، يراهن عليهم، ظهر ذلك جلياً فى الندوة التثقيفية الـ31 للقوات المسلحة، هو يرى أن أية مشكلة، مهما كانـت صعبة، لها حل عند المصريين، بشرط أن تبقى اللحمة الوطنية بخير، ويبقى المصريون على قلب رجل واحد، مثلما حدث فى مقدمات نصر أكتوبر 1973، الأعداء يحاولون فى العقدين الأخيرين هدم البنيان (من الداخل) بأيدى أبناء البلد، وينتهى بنا الأمر أن المصريين (يأكلوا مصر) تشبيه صعب؟ ولكنه حدث من البعض ويحدث فى دول مجاورة، أقربها سوريا التى تداعت وأصبحت أرضها مستباحة لعدة جيوش، وعدة منظمات جهادية، وعدة أنظمة استخباراتية، تتعارك لنيل أكبر قسم من الفريسة التى قدمها أولادها لقمة سائغة للئام، وآخر اللئام أردوغان، كانوا يريدون لمصر نفس المصير، ولكن الجيش المصرى كان الشوكة التى علقت فى أفواه الضباع التى تقتات على الجيف، لذلك حاولوا استهداف شرفاءه بكم من الأكاذيب، يفوق الوصف، أكاذيب تحاصرك وتجدها عند أطراف أصابعك وأنت تتصفح تليفونك المحمول، أو تشاهد الفضائيات، لكن أكاذيب هذه الأيام ليست أكاذيب بريئة ساذجة، زمان قالوا «كذب مرتب، ولا صدق منعكش» كذابو هذه الأيام جنود مجندة يحاربون فى حروب الجيل الرابع والخامس أيضا، أسلحتهم، تكنولوجيا متقدمة، وأجهزة كمبيوتر، وبرامج تتجسس على سيادتك ليل نهار، تليفونك يتجسس عليك لصالح من يدفع، أنت سلعة تباع وتشترى لمن يدفع: سواء شركات أو أجهزة استخبارات، طبعا بعضنا ينكر ويقول هذه فزاعة، ولكن كل ما يحدث حولنا يؤكد صدق ذلك واذا كنت مش مصدقنى على الأقل صدق د. محمد الجندى خبير الأمم المتحدة للمعلومات الذى فجر فى وجوهنا عدة حقائق مرعبة أثناء الندوة التثقيفية، وقال إن البرامج التى تقوم بتحميلها على جهاز الموبايل، أو الكمبيوتر تحتفظ ببيانات كاملة عنك، وتعرف عنك ما لا تعرفه عن نفسك (أى والله) وتعرف عدد الخطوات التى تخطوها مترجلاً، أو راكباً سيارة، أو حتى عجلة، رحت فين و«جيت منين»، وبتقول ايه، ولمين.. جرب كده تتكلم عن منتج عايز تشتريه أنت والمدام، وافتح الموبايل بعدها بدقائق ستجد اعلانات تتوافق مع احتياجاتك وتعلن لك عن أماكن قريبة منك تحدد لك محلات تبيع ما تريد.
عرائس «الماريونيت»
هل تعتقد انك عندما تبحث عن شىء فى محرك البحث (جوجل) سوف يعطيك نفس النتائج التى قد يعطيها لى أو لشخص فى دولة ثانية سأل نفس السؤال؟ بالطبع النتائج تختلف، حسب مكانك، ولغتك وسنك، ونوعك: ذكر أم أنثى، كبير أم صغير، شاب أم كهل، بتسمع أغانى إيه، بتحب عمرو دياب، ولا فيروز، أم أنت من مستمعى فرق «الأندر جراوند» كل زبون له طلبه.. والمعلومات موجودة ومتاحة لدى أكبر وعاء معلوماتى على وجه البسيطة، المعلومات هى بترول القرن الحالى والقادم، والمهم من يحصل على هذه الثروة ويطوعها لاحتياجاته سواء أكانت اقتصادية تجارية ام سياسية أم أمنية.
المطلوب فقط أن تعى، لا تجعل نفسك سلعة تباع وتشترى، وتعتقد انك فاعل فى صنع مستقبل بلدك، وأنت فى الحقيقة أشبه بعرائس «الماريونيت»، يتم تحريكك من قبل آخرين خلف الستار، يزينون لك الباطل وكأنه حقيقة، فتضغط على أزرار الكمبيوتر لتهدم بلدك، بناء على معلومات خاطئة، ولكنها «متزوقة ومترتبة» وناطقة بالفيديو (المفبرك بتقنيات عالية الجودة).. هل تعلم أن كل الحيوانات التى تراها وتعجب بها فى الفيلم العالمى «علاء الدين» لا وجود لها أصلاً؟ وكل الطائرات التى هاجمت قواتنا فى فيلم «الممر» ما هى الا شغل جرافيك؟ لماذا اذن تستغرب من يريدون أن يطفئوا شمس مصر التى أراد الله لها أن تشرق؟ انهم «يستعموننا» ليل نهار.. لا أطلب منك شيئا.. فقط فكر وأعمل فكرك فى كل ما يعرض عليك لأن الحرب لم تنته بعد «إذا إنتوا مش منتبهين».
خلطة سحرية
عندما كنت أسمع مصريا يقول بثقة وحزم (مصر أم الدنيا) كنت أشعر بامتعاض شديد، لم أكن أقتنع بهذه العبارة مطلقا، كنت أعتبرها مجرد ثقة زائدة فى النفس بل كنت أعتبرها نرجسية و«شوفينية»، وتعصبا مرضيا، وكنت أقول: كيف يجرؤ شعب بأكمله وعلى مدى أجيال أن يعتبر بلده هذه أم الدنيا؟ هل أطلقها أحدهم هكذا اعتباطاً فصدقوها وأصبحت متداولة وشائعة؟
لا بد أن فى الامر سراً.. سراً لا بد أن تكتشفه بنفسك، وأن تقف عليه وأنت فى مصر. كنت تواقاً إلى معرفة واكتشاف هذه الخلطة العجيبة التى أعطت للمصريين كل هذه الثقة فى النفس، وجعلت كل من زار بلدهم يحمل الشعار نفسه بل ويدافع عنه، كنت سأزورها منذ سنوات لكن للأسف كل الفرص التى أتيحت لى فشلت، أولها سنة 2011 حيث كنت سأحضر معرض كتاب القاهرة لكن وقع ما وقع (ثورة 25 يناير) وألغيت الرحلة، ثم بعدها ببضع سنين قليلة تلقيت دعوة من مهرجان القاهرة السينمائى فاعتذرت عن عدم الحضور بسبب ظروف عملى، لأحجز بعدها بسنة فى رحلة سياحية لتضطرنى نفس الظروف لإلغاء الحجز مجدداً، لم أستسلم ولم أتخل عن فكرة الزيارة بل تشبثت بها أكثر فجاءت المناسبة أخيراً من حيث لم أحتسب لتكون زيارتى إلى مصر للنقاهة والسياحة حيث كان الاختيار بينها وبين بلدى الأم المغرب، فاخترتها دون تردد.
كنت متخوفا مما سمعته، ومما قرأته، ومما أشاهده فى بعض القنوات التليفزيونية، حتى عندما أردت الحجز فى طيران مصر (مصر للطيران) نصحنى البعض بالعدول عن قرارى، واختيار شركة أجنبية، ترددت لكن فى الأخير اخترت الشركة المصرية وكانت الرحلة بصدق ممتعة ومريحة، بل كان طاقم الطائرة فى كلتا الرحلتين (الذهاب من أمستردام والعودة من القاهرة) خدوماً ومتجاوباً والخدمات كانت جد ممتازة، من هنا بدأت رحلة الانتماء، من الطائرة نفسها، وأنا مسافر وسط المصريين لم أشعر لبرهة أنى غريب عنهم، بل كلما عرفوا أنى مغربى ازداد ترحيبهم بى وتضاعف، سواء من طرف المسافرين أو من طرف المضيفات.
ما إن تطأ قدمك أرضية مطار القاهرة حتى تذوب وتتلاشى كل تلك الحواجز التى شيدت فى لاوعيك سواء بسبب الاعلام الايديولوجى الموجه، أو بسبب كثرة الشائعات المتناسلة هنا وهناك، والتى للأسف الشديد ساعد ويساعد على ترويجها بعض المثقفين المصريين أنفسهم، حواجز فى الحقيقة لم تكن متينة وقوية وإلا لما تهاوت بهذه السرعة وفى أول لقاء، وهذا بفضل الحب والاحترام لهذا البلد واللذين زُرعا بداخلك منذ الصغر.. كان الترحيب بابتسامة وبعبارة (مرحبا بك فى بلدك الثانى) من طرف كل الضباط الذين التقيت بهم فى المطار يشعرك بارتياح تام وكأنك فعلا فى بلدك، وبمجرد الخروج من باب المطار واستنشاق هواء مصر تتجدد دماؤك لتصبح بقدرة قادر مصرية مائة بالمائة، اللهجة المصرية تنطلق لوحدها دون مجهود يذكر، وكل تلك الثقافة المصرية المتراكمة والكامنة بداخلك تخرج بسلاسة وكأنها كانت بزنزانة مغلقة مظلمة تنتظر فقط من يُطلق سراحها، من هنا، من باب المطار تلبسك تدريجيا عبارة (مصر أم الدنيا) وقبل نهاية رحلتك تجد نفسك أكثر ايمانا بها من المصريين أنفسهم.
ليست هناك أية خلطة سحرية أو سر كما اعتقدت، بل ولا يميز مصر كبلد أى شيء آخر عن باقى البلدان، اختلافها يبقى فى كونها أمًّا كباقى الامهات، قدرتها على احتوائك، على معانقتك، على احتضانك، على عدم تركك تشعر بالغربة بين أحضانها، على حنانها الذى يظهر جليا على ملامح أناسها، على "طيبوبتها" التى تجدها فى معاملات أبنائها لك، على دفئها المتدفق فى كل ركن من أركانها... هذا ما يجعلها أمًّا، وبلدا متميزاً عن غيره. مصر ليست مجرد معمار، وأزقة، وميادين، وثقافات، وفنون، مصر ليست خان الخليلى فقط ولا مقهى منزويًا فى زقاق مزدحم، مصر ليست نهر النيل ولا أهرامات ولا حضارات ولا تاريخا ممتدا لآلاف الاعوام وكفى، مصر ليست مجرد جدران باردة وأسوار وقلاع... مصر أكبر من هذا كله، مصر بلد ليس ككل البلدان، بلد بروح ومشاعر وأحاسيس، مصر خُلقت واختيرت دون باقى أخواتها حتى تحمل مشعل الأمومة، كى تكون أماً، تلك الأم التى لا تفرق بين أهلها وضيوفها.
أثناء عودتى من القاهرة كانت تجلس بجانبى فى الطائرة امرأة مصرية عجوز وبجانبها سيدة فى مقتبل العمر، مصرية أيضا، الأولى كانت فى زيارة لابنها المقيم بهولندا والثانية قادمة للالتحاق بزوجها، السيدة العجوز بشكلها ولباسها وملامحها وكلامها البسيط الحلو الجميل ذكرتنى بأمهاتنا المغربيات، كنت أشعر وأنا بجانبها أن شيئا ما يشدنى إليها شداً، غفوت قليلا، سقطت البطانية التى كنت ألتحف بها بسبب البرد، فشعرت بها تتناولها بلطف وتضعها من جديد على جسدى، أثناء الأكل كانت تحثنى على عدم التوقف والتهام كل ما يوجد أمامى بدعوى حاجتى إلى الطاقة، حتى أثناء حوارنا أو محادثتنا كانت تقدم لى بعض النصائح والحِكم وكأن أمى تتحدث، أثناء وصولنا مطار أمستردام وفى أحد ممراته شعرت ببعض الالم فى ركبتى، توقفت كى أرتاح، استندت على أحد الأعمدة، فجأة أحسست بيد تربت على كتفى، التفتُّ لأجد السيدة نفسها تسألنى بحنان لن أنساه أبدا: (مالك يا ابني؟ فيه حاجة؟ تعبان ولا إيه؟). هذه المرأة هى مصر، هذه المرأة هى تلك الأمومة التى يتغنى بها كل مصرى ويشعر بها كل ضيف، هذه المرأة هى ملامح مصر الحقيقية الصادقة، هذه المرأة هى التى تختزل كل ما يمكن أن يقال عن أم الدنيا.
    ما سبق كتبه فؤاد زويريق مواطن مغربى على صفحته على «الفيسبوك»، ولأن ما كتبه يفوق فى دقته وروعته، وصدقه ما قد نكتبه فى صفحات، قررت إعادة نشره، وأهدى ما كتبه لبعض من شبابنا الذين قد لا يشعرون بنعمة الوطن: مصر.
    أغنياء لو تعلمون
    ما رأيته فى معرض تراثنا هذا العام يؤكد أننا نسير فى الطريق الصحيح فى مجال رعاية وإحياء الحرف التراثية، وتحويلها لرافد اساسى للدخل القومى، ورفع معدل التشغيل ومحاربة البطالة، ناهيك عن حماية الهوية الوطنية، أتمنى أن نكرر تجربة الصين ونتوسع، ولا يبقى الأمر بهذا التمثيل المشرف، نريد صناعة قوية عفية ترتكز على المفردات الثقافية الغنية، نريد أذرعاً فى كل قرية وفى كل نجع، نريد منظومة شاملة تنتشل قرى مصر، وشبابها وفتياتها من البطالة، نحن أغنياء بتراثنا لو تعلمون.
- سئل أحدهم: مَن أسعدُ الناس؟
> قال: مَن أسعدَ الناس!


الاخبار المرتبطة

 

 

 

قد يهون العمر إلا لحظة قد يهون العمر إلا لحظة الخميس، 21 نوفمبر 2019 06:55 م
ذكريات.. ترسم مستقبلنا ذكريات.. ترسم مستقبلنا الأربعاء، 20 نوفمبر 2019 07:05 م
الحياة داخل فقعة هائلة! الحياة داخل فقعة هائلة! الثلاثاء، 19 نوفمبر 2019 06:17 م
هؤلاء وحمو بيكا هؤلاء وحمو بيكا الإثنين، 18 نوفمبر 2019 07:15 م
قناة السويس وتمثال ديليسبس قناة السويس وتمثال ديليسبس الأحد، 17 نوفمبر 2019 07:39 م
إنها ليست مجرد منصة إنها ليست مجرد منصة السبت، 16 نوفمبر 2019 07:51 م
درس فى الهوية درس فى الهوية الخميس، 14 نوفمبر 2019 07:03 م
ورق دشــت ورق دشــت الأربعاء، 13 نوفمبر 2019 07:55 م
متغيرات طارئة.. وظواهر سلبية متغيرات طارئة.. وظواهر سلبية الثلاثاء، 12 نوفمبر 2019 06:42 م

الأكثر قراءة

الرجوع الى أعلى الصفحة