نوال مصطفى نوال مصطفى

التقيت عبد الوهاب فى شارع رمسيس

نوال مصطفى الثلاثاء، 24 ديسمبر 2019 - 06:46 م

أتابعه ويتابعه مئات الملايين حول العالم بانبهار وحب وخوف. الدعوات الصادقة تنطلق من القلوب المحبة « يارب يبعد عنك كل شر».

نعم رأيته بكامل هيئته يمسك عوده، يعزف ويدندن، أخذتنى إليه سيارة الزمن، انطلقت بى عكس الاتجاه بسرعة فى بدايات القرن العشرين. رأيته صبيًا صغيرًا فى السابعة من عمره يقف على خشبة مسرح عبد الرحمن رشدى، يشدو بصوت يخطف القلوب، بين الحضور يجلس أمير الشعراء أحمد شوقي، يلفت نظره الطفل الصغير بصوته المميز وموهبته الواضحة، يأمر مدير المسرح بإيقاف الطفل عن الغناء على الفور. يندهش الرجل لاستياء أمير الشعراء من غناء الطفل المعجزة، يحاول أن يفهم السبب، يقول له الشاعر الكبير، هذا الفتى عنده مدرسة فى الصباح، ولابد أن يتعلم أولاً، وأن يشتغل على موهبته بالدراسة والتدريب. يبكى الصغير، ويغضب لهذا القرار الظالم. ويكره أحمد شوقي.


بعد سبع سنوات يقف مرة أخرى على نفس خشبة المسرح شابًا صغيرًا عمره أربعة عشر عامًا، يراه أمير الشعراء للمرة الثانية فيطلب من مدير المسرح استدعاءه، وتبدأ من تلك اللحظة الرعاية الكاملة للموهوب الشاب، يخصص له الشاعر الكبير مكانا فى بيته الفاخر يعيش فيه ويتعلم دروس الموسيقى، كما يتلقى ثقافة على أعلى مستوى مصدرها كبار الكتاب والشعراء والموسيقيين المترددين على بيت أمير الشعراء. كما يتلقى الدعم الكامل منه عندما يتكفل بمصاريف سفره إلى إيطاليا لدراسة الموسيقى، وأصولها على أيدى كبار الموسيقيين هناك.


يعود إلى مصر ليتعلم عزف العود على يد الموسيقار محمد القصبجى فى نادى الموسيقى الشرقى «معهد الموسيقى العربية الآن» ويدرس فن الموشحات، يغنى فى افتتاح معهد الموسيقى العربية فى ديسمبر 1929 لأول مرة أمام الملك السابق أحمد فؤاد «فى الليل لما خلى».


عائلة عبد الوهاب المحترمة
تجلى الفنان محمد عبد الوهاب أمامى لحمًا ودمًا، صوتًا وصورة فى زيارتى لـ«متحف عبد الوهاب» المقام داخل «معهد الموسيقى العربية» بشارع رمسيس أو الملكة نازلى وقت افتتاحه. أتجول بسيارة الزمن يقودها الدكتور أحمد رشاد، مدير المتاحف بدار الأوبرا المصرية، يصطحبنى إلى فضاء آخر فى جولة ساحرة أشاهد خلالها سيرة حياة شامخة تتجسد. أشعر بقشعريرة تسرى فى جسدى. ذكريات حياة حافلة، غنية بالفن والثقافة والمواقف المؤثرة تتدفق بشاعرية وإنسانية فى المكان، وكان هو حاضرا بشكل ما فى كل ملليمتر بنحنحة صوته التى تسبق الغناء، وابتسامته الشاردة فى هدوء.


داخل قاعات المتحف الذى تم تأسيسه بتقنية عالية جدا بهدف حماية مقتنياته، رأيت الاهتمام والاتقان والتفانى فى العمل، منظومة مبدعة يقودها د. محمود عفيفى بكل حسم وحب واحترافية تناظر متاحف العالم كله، تعرض كل المخطوطات الأثرية من نوت موسيقية مكتوبة بخط يده، إلى عقود أفلام أصلية، أوراق خاصة، صور، دروع قيمة لتكريمات من مصر وكل الدول العربية، وكذلك أفيشات أفلامه الأصلية، الجرامافون والعود الخاص به، بعض الملابس، ومكتبه الخاص فى بيته، الأسطوانات المسجل عليها ألحانه، كل هذا قدمته زوجته المحبة المثقفة نهلة القدسى وابنه الدكتور محمد محمد عبد الوهاب إلى وزارة الثقافة فى عصر الفنان فاروق حسنى من أجل إنشاء متحف يخلد ذكرى الفنان القدير محمد عبد الوهاب. إنها حقا عائلة محترمة.


المكان مفتوح للزيارة، وقد رأيت بالفعل خلال جولتى أعدادا من الزوار المصريين والعرب، رأيت فى عيونهم، وسمعت فى تعليقاتهم انبهارًا بمستوى المتحف والمقتنيات وطريقة العرض. شكرًا لكل من شارك فى إخراج هذا العمل الرائع بداية من الوزير السابق فاروق حسنى إلى الفنانة رتيبة الحفنى التى أعادت المعهد إلى الحياة عام 1995 بتكليف ومساندة من الوزير، كل الشكر لعائلة الفنان محمد عبد الوهاب الذين لم يقصروا فى منح كل ما يملكون من آثار مهمة لهذا الرمز الرفيع من رموز مصر، قاموا بواجبهم تجاهه، فلم يحتفظوا بشئ حتى الهدايا النفيسة قدموها بطيب خاطر من منطلق إيمانهم بأن محمد عبد الوهاب ملك لمصر، وليس لعائلته فحسب. الشكر أيضا للفنان مجدى صابر رئيس الأوبرا المصرية والدكتور محمود عفيفى مدير معهد الموسيقى العربية والدكتور أحمد رشاد مدير المتاحف لهذا الجهد المبذول فى الحفاظ على جزء مهم من تراثنا الفنى والإنسانى وذاكرة مصر الحية.


غادرت معهد الموسيقى العربية، لكن محمد عبد الوهاب لم يغادر فكرى وروحى، تذكرت حوارا مطولا أجريته معه وأنا أعكف على إنجاز كتابى «رحلة إلى أعماقهم» وكنت أحاور عشر شخصيات أدبية وفنية وفكرية أثرت فى المجتمع المصرى والعربى. قابلته وقتها فى بيته المطل على نيل القاهرة فى الزمالك. استدعيت أكثر من جملة تضمنها حوارى معه وهذه بعضها:

- الفنان لا يخطط، عندما يأتيه الخاطر لا يحدد موعدا، والغريب أن الخاطر كان يختار مواعيد غريبة يأتينى فيها. فمثلا أكون ذاهبا إلى سريرى متعبا فيأتينى ليذهب النوم من عينى وأبقى ساهرا حتى الصباح مع ألحان تتدفق على رأسى، وأحيانا يأتينى وأنا أستعد لتناول الغداء، فأقوم وأترك المائدة، وأفقد الشهية لأى شئ إلا العمل حتى أنتهى من الخاطر ويخرج منى.


أحجار ونياشين
أهدانى الكاتب الصحفى علاء عبدالهادى رئيس تحرير «كتاب اليوم» أجمل هدية فى نهاية عام 2019، كتاب فاتن تحت عنوان «أحجار ونياشين.. حكايات من أرشيف الصحافة والثقافة والفن». صدر الكتاب بمناسبة العيد الماسى لأخبار اليوم وقام بإعداده وتقديمه الكاتب الأديب محمد شعير. أخذنى الكتاب من اللحظة الأولى لتصفحى لمحتوياته، فرض وجوده، وانتزعنى من جدول مشاغلى وأعمالى. لم أستطع التوقف فعلا عن قراءته حتى انتهيت منه بالكامل.


الكاتب الأديب محمد شعير يملك مفاتيح الكتابة الأدبية، لذا استطاع أن يخلق من ذكريات وقصاصات تحكى أجمل فترة فى حياة أخبار اليوم قصة مثيرة زاخرة بالمعنى والمغزى، جعلنا نعيش أجواء الحياة السياسية والاجتماعية فى مصر قبل إصدار أخبار اليوم، وعرج بنا إلى يوم 11 نوفمبر 1944 الذى صدر فيه العدد الأول من أخبار اليوم ليحدث زلزالا فى الشارع المصرى.
كيف فاق توزيع العدد الأول ما كان متوقعا بأضعاف، نفد بعد ساعات من الصدور، وباع 110 آلاف نسخة! كيف تغيرت الصحافة المصرية بدخول المدرسة الصحفية الجديدة التى تعتمد على الخبر التلغرافى المكثف فى المعلومة، المكتمل الأركان.


كيف اختار الأخوان التوءم مصطفى وعلى أمين المحررين والمحررات، وكيف استكتبوا مشاهير الكتاب والمفكرين فى مصر والعالم كله. اختيارات رائعة قام بها شعير لمقالات مصطفى أمين، على أمين، أحمد بهاء الدين، عباس محمود العقاد، أحمد يوسف، هدى شعراوى، درية شفيق، محمد التابعى»الأب الروحى للتوءم صحفيا»، سلامة موسى، محمد حسنين هيكل، توفيق الحكيم، طه حسين، إبراهيم عبد القادر المازنى، فاطمة رشدى، نجيب الريحانى، يوسف وهبى، جليل البندارى، محمود السعدنى، والأديب الأيرلندى الشهير برنارد شو الذى رفض استلام جائزة نوبل التى حصل عليها عام 1925. نجح على أمين فى اقناعه بالكتابة لأخبار اليوم، وكتب بالفعل سبع مقالات وتقاضى عن المقالة الواحدة 200 جنيه مصرى وكان هذا أعلى مبلغ دفعته جريدة مصرية لكاتب فى تلك الفترة.


شكرا للكاتب الأديب محمد شعير الذى قدم وجبة غنية بكل المشهيات لقراءة ممتعة، واستدعاء لنستولجيا زمن ملهم ومؤثر جدا لايزال.


محمود صلاح
كلنا كتبنا التعازى ونعيناه، كلنا بكينا عندما سمعنا الخبر الحزين: وفاة الكاتب محمود صلاح أشهر صحفى حوادث وصاحب الأسلوب الأدبى القصصى الذى يحول الحادثة إلى قصة قصيرة مشوقة مثيرة. لكننا أبدًا لم نفعل معه ما كان واجبا علينا أن نفعله!!.


كان محمود صديقًا عزيزًا وإنسانًا حقيقيًا. أحد الأقلام التى حصلت على صك النجومية من قرائه. تولى العديد من المناصب القيادية فى أخبار اليوم حتى تم تعيينه رئيسا لتحرير مجلة آخر ساعة ثم أخبار الحوادث. كان باختصار ملء السمع والبصر لسنوات طوال منذ تخرجه فى كلية الإعلام جامعة القاهرة.
بعد يناير ٢٠١١ جرت فى النهر مياه كثيرة وتغيرت الأحوال. لم يعد الكبير كبيرا.. ولا للقيمة الحقيقية مكان!! لم يستطع محمود تحمل هذا الزلزال الذى زعزع أساسات البناء الصحفى الذى نشأنا جميعا فى رحابه.. توجع وتألم، كتب مقالات فى جريدته «أخبار اليوم» أشبه بالصراخ أو النواح.


كان واضحا أن قلاع مقاومته النفسية قد انهارت الواحدة تلو الأخرى حتى هوت الأخيرة يوم صعدت روحه إلى الرحمن الرحيم. لم أتحرك لمساندته ولم يتحرك أحد.. كان من الممكن أن تفعل مكالمة قصيرة أو فنجان شاى فى أى مكتب من مكاتبنا شيئا.. كان من الممكن أن يقدم له أصدقاؤه وهم كثر فرصة تليق به وبقلمه فى واحدة من جرائد يرأسونها.. أو برامج يقدمونها.. كان وكان وكان.. لكن شيئا من هذا لم يحدث.. كنا نقرأ صرخاته تقفز بين السطور ولا نتحرك.. فقط نأسف لحاله. الآن وقد رحل محمود إلى الأبد نبكيه بحرارة ونشعر بالتقصير فى حقه.


يداهمنى سؤال فى حزنى الشديد : هل كان أحد سيغير ما فعله لو كان حيا لا يزال؟
تأتينى الإجابة: لا .. لو كان لا يزال بيننا الآن، كان سيظل وحيدا كما كان يتجرع مرارة الأسى والوجع بعيدا عن الأضواء التى عاش تحتها طوال عمره.


هذه هى الحياة بكل أسف. من ينهزم نفسيا لا يجد من يشد يده.. يبقى وحيدا حتى إذا مات بكيناه جميعا وتألمنا وحزنّا حزنا شديدا وشعرنا بالذنب لأننا لم نفعل ذلك فى حياته.. ربما لو فعلنا لرحل مبتسما راضيا. فى رحاب الله يا محمود صلاح.. المؤكد أنك ستجد الرحمة والمغفرة هناك.. وما لم تجده بين بنى البشر !


شخصية 2019
أشعر برغبة هائلة فى ترشيح نجمنا المحبوب محمد صلاح للفوز بلقب شخصية العام 2019. هذا الشاب الجميل، فخر العرب الذى يرفع رأسنا كل يوم بإحراز نجاح يفوق الذى سبقه. أتابعه ويتابعه مئات الملايين حول العالم بانبهار وحب وخوف. الدعوات الصادقة تنطلق من القلوب المحبة «يارب يبعد عنك كل شر.


محمد صلاح يفوز منذ أيام قليلة بجائزة أحسن لاعب فى كأس العالم للأندية المقامة بدولة قطر، يشد علم مصر فى لحظة من لحظات المجد والزهو، يلفه حول جسده فى رسالة قوية واضحة أمام العالم كله: ها هنا العظمة والعراقة.. ها هنا جينات الفراعنة تتجدد جيلا بعد جيل. أنا محمد صلاح.. المصرى حتى النخاع، أتحدى نفسى وأتجاوزها كل يوم. ها هنا مصر القوية، الشامخة، المبدعة دوما.. على مر العصور.


الاخبار المرتبطة

اظهر وبان «ملكش» أمان ! اظهر وبان «ملكش» أمان ! الأحد، 29 مارس 2020 07:07 م
كورونا يحكم العالم كورونا يحكم العالم الأربعاء، 25 مارس 2020 06:49 م

هوامش على دفتر «الكورونا» هوامش على دفتر «الكورونا» الثلاثاء، 24 مارس 2020 05:48 م
السيجارة والشيشة السيجارة والشيشة الإثنين، 23 مارس 2020 06:58 م
«الشوطة» فى زمن الكورونا «الشوطة» فى زمن الكورونا الخميس، 19 مارس 2020 06:53 م

الأكثر قراءة



 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة