العراب هاني شنودة (4).. «أورج» حليم الذي أغضب أحمد فؤاد حسن  العراب هاني شنودة (4).. «أورج» حليم الذي أغضب أحمد فؤاد حسن 

حكايات| العراب هاني شنودة (4).. «أورج» حليم الذي أغضب أحمد فؤاد حسن 

مصطفى حمدي السبت، 11 يناير 2020 - 03:27 م

أهم ما يميز المبدعون الحقيقيون هو قدرتهم على هضم التجارب الجديدة واستيعابها، السباحة فوق أمواج الزمن برشاقة ونفس طويل، فعلها عبدالوهاب عندما ظهر عبدالحليم فاحتواه وأنتج له أيضًا، كان عبدالوهاب عرابًا حقيقيًا للموسيقى المصرية، وورث تلك الصفة لوريثه في الذكاء عبدالحليم حافظ.

 

لقراءة الحلقة الأولى| من بيانو أمي إلى ساحة السيد البدوي

 

كان عبدالحليم حافظ قارئًا جيدًا لخريطة الموسيقى وتغيراتها، مع مطلع السبعينات كان الشغل الشاغل له البحث عن صيغة جديدة لأغنياته، راح للقصيدة الطويلة مع نزار قباني، مال قبلها للون الشعبي بعد بزوغ نجومية محمد رشدي، ولكن ظل يبحث عن جديد، حتى وجد ضالته في «العيال» اللي بتغني غربي ومكسرة الدنيا اللي اسمهم «لابيتي شاه». 

 

لقراءة الحلقة الثانية| هنا القاهرة

 

يحكي هاني شنودة: «بدأ عبدالحليم يحضر حفلاتنا في فندق عمر الخيام (الماريوت)، حضوره كان مفاجأة، زاد عليها إعجابه الشديد بما نقدمه، كان تشجيعه صادقًا، استمر الحال إلى أن ذهب وراءنا إلى الإسكندرية، شاهدنا في فندق فلسطين عدة مرات، ولكنه باغتني بموقف غريب، كان حليم يغادر طاولته في نصف الفقرة ويتجه ليقف إلى جواري على المسرح، ويتابع بشغف طريقتي في العزف على الأورج، شعرت أن حليم يبحث عن شيء ما».

 

لقراءة الحلقة الثالثة| زوبعة نجيب محفوظ!

 

«بعد فترة دعاني حليم على الغداء، في الحقيقة كنت أتهرب، لأنني شاب طائش مش عارف مصلحتي، لن تصدقني لو قلت لك أنني كنت أفضل قضاء النهار على شاطئ ميامي مع شلتي أكثر من الجلوس مع حليم أو أم كلثوم، كنت أرى أن موسيقاهم ضد موسيقانا، نحن كنا نسمع فرانك سيناترا، وإلفيس بريسلي، والبيتلز وكنا نقلدهم ونتأثر بهم، أما كبارنا في مصر فكان مشروعهم الموسيقي يتعارض كليًا مع مشروعنا، هم جيل ونحن جيل، وكبرت تلك الفجوة التي خلقتها الصحافة عندما هاجمتنا مبكرًا، وهذه قصة أخرى تستحق الحكي، ولكن عندما كبرت وعقلت عرفت قيمة هؤلاء، وعرفت قيمة الجلوس في حضرة أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم».

 

ظل حليم يطارد هاني شنودة لفترة، وهاني يتحجج، وكأنه لا تعنيه نجومية حليم الآمر الناهي في الوسط الموسيقي، ولكن ذكاء عبدالحليم حافظ أرشده للطريقة التي يصطاد بها هذا العبقري الشاب الذي سيغير شكل الموسيقى المصرية.

 

حليم: «ألو.. إزيك يا هاني عامل إيه؟»


هاني: أهلا يا أستاذ أخبار حضرتك إيه؟


حليم: «كله تمام.. بقولك إيه، أنا جبت أروج جديد (سوبر سترينجس) وعايزك تيجي تشوفه»


هاني: «عشر دقايق وهكون عندك»

 


 
يضحك هاني شنودة وهو يتذكر تلك المكالمة ويقول: «عرف يصطادني، أنا نزلت أجري على السلم فريرة عشان أشوف الأورج الجديد اللي كان وقتها ثورة في المزيكا».


«حليم كان دائم السفر للخارج سواء للعلاج أو إحياء الحفلات، وفي كل رحلة كان يعود بشيء جديد، المهم أنه فكر في الدور الكبير الذي سيلعبه الأورج في تغيير شكل الأغنية المصرية ، كانت هذه الماركة تحديدًا حلمًا لأي عازف أورج في مصر لأنها لم تتوفر في أسواقنا ، وكان لديه قدرة على لعب مقامات الوتريات كلها وبالتالي قد يعادل فرقة موسيقية بمفرده».

 

 

«المهم ركبت سيارتي الفيات 128 كانت بيضاء اللون وظلت معي زمنًا طويلا، وتوجهت إلى منزل حليم في الزمالك، طرقت الباب ودخلت، لم أحي أحدًا، فقط توجهت بسرعة إلى الأورج المستقر في ركن من الصالون، عزفت عليه أغنية فرانك سيناترا الشهيرة strangers in the night، خرج حليم مرتديًا جلبابًا أبيض وطاقية، رحب بي ثم قال: تعرف تلعب حاجة ليا؟»

 

قلت له: طبعا.. ممكن «أهواك» 

 

وبالفعل عزفتها ولكن بتنويعات مختلفة، الأمر كان تلقائيًا لأنني بطبعي أضيف بصمتي لأي شيء أعزفه، بعد دقائق من الإنصات باهتمام قال حليم: وقف يا هاني.. أنا عايزك تعملي فرقة صغيرة زي (لابيتي شاه) وتلعبوا معايا.

 

قلت له: بس أنا ليا شرط 

هنا تجهم حليم وتبدلت ملامحه، وكأنه يقول لنفسه: أنت مين عشان تتشرط عليا؟

 

لاحظت ذلك فقلت: شرطي الوحيد إني أنا اللي أعزف على الأورج ده 

 

انفرجت أساريره وقال: يا حبيبي.. ما أنا جايبهولك 

 

يتابع هاني: «شكلت فرقة صغيرة تضم عمر خورشيد وتحسين يلمظ، واقترح حليم أن نضيف هاني مهنا كعازف أورج ثاني، ومختار السيد عازف الأوكرديون، وافقت وبدأت العمل بحماس، كنا نتوجه لمنزل حليم يوميًا في تمام الواحدة ظهرًا، موعد استيقاظه من النوم، تناول حليم إفطاره ونجلس نتناقش ونكتب النوتات، ونصيغ الهارموني حتى موعد الغداء، فيدعونا جميعًا إلى المائدة ونتغدى سويًا حتى يسدل الليل ستائره فنغادر، على هذا الحال لأسبوعين تقريبًا، حتى علم الموسيقار وعازف القانون أحمد فؤاد حسن بالموضوع فغضب، أحمد فؤاد حسن كان قائد فرقة عظيمة وكانت تعزف وراء عبدالحليم في كل الحفلات، غضب لأنه تصور أن حليم سيتخلى عنه تماما ويستبدله بالعيال (الخنافس)»

 

«أخبرني حليم بما حدث، فقلت له: لا مانع لو أردت أن ننسحب من التجربة، لن أغضب، هذه فرقتك ولهم في مشوارك وتجربتك حق».

 

فقال حليم: «لا بالعكس، أنا سامع منكم حاجة عظيمة، خليني أحلها».

 

 

«اتفق حليم على أن نتشارك نحن وفرقة أحمد فؤاد حسن العزف في حفلته بنادي الجزيرة، هم الوصلة الأولى، ونحن الوصلة الثانية، ونجحت التجربة وفرح حليم، وقال لي: هنلف العالم سوا ونعمل حفلات في كل حتة ونغير شكل المزيكا المصرية، ولكن المرض لم يمهله الفرصة لكي يحقق أهم أحلامه، سافر إلى لندن في رحلته الأخيرة بعد أشهر من المعاناة الحقيقية، خطف الموت حليم، وخطف منا مشروعًا ربما كان سيغير فعلًا تاريخ العندليب الغنائي».

 

يصمت المايسترو للحظات ثم يستجمع كلماته: «عارف.. القدر أمر إلهى، في يد الله وحده، لا أعرف بالضبط لو أكملت مشروعي مع عبد الحليم كيف سيكون مستقبلي، هل كنت سأقدم ما قدمته فيما بعد؟ هل كنت سأكتشف مثلا محمد منير وعمرو دياب؟ الله أعلم.. لكن الحقيقة المؤكدة أنني بعد رحيل حليم تيقنت أن القدر يدفعني دفعًا لتأسيس فرقة المصريين.. وهو ما حدث».



الاخبار المرتبطة


الأكثر قراءة



 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة