صلاح الدين كما بدا في السينما، وكما ظهر في المنمنمة صلاح الدين كما بدا في السينما، وكما ظهر في المنمنمة

حكايات| الشكل الحقيقي لـ صلاح الدين (2)..«أعرج» وشكوك حول عينه اليمنى

بوابة أخبار اليوم الأربعاء، 29 يناير 2020 - 05:17 م

كتب: عبدالمجيد عبدالعزيز


رسمت السينما ملامح السطان صلاح الدين الأيوبي، في أفلامها، واستعرضنا في الحلقة الأولى معظم الأفلام العربية والعالمية التي تناولت شخصية صلاح الدين، وكيف أظهرت صفاته الشكلية وملامحه وحالته الجسدية والصحية، وفي السطور التالية ننتقل لمحاولة التعرف على الشكل الحقيقي للسلطان وكيف كانت ملامحه في الواقع.



لقــراءة الحلقة الأولــى: 

 

الشكل الحقيقي لـ صلاح الدين (1).. قاهرة الصليبيين بعيون السينما


ولكن لابد أن نشير بداية، إلى صعوبة عملية البحث التي واجهناها في هذه المسألة، فبالرغم من كم المؤلفات التي كتبت عن صلاح الدين في حياته، من مؤرخين وقضاة وعلماء عاشوا في عصره، أو حتى من مؤلفين غربيين في حياته أو بعد مماته، إلا أن الغالبية العظمى منها لم تتطرق بشكل واضح إلى الصفات الشكلية والمظهر الخارجي للسلطان، بينما ركزت بشكل كبير على صفاته الخلقية وطباعه وشجاعته وتعاطيه مع الأحداث التاريخية، ويرجع ذلك إلى تأثرهم الكبير بكاريزما الرجل التي لازالت تظهر في كتاباتهم حتى الآن.


فمؤرخه الأهم القاضي بها الدين ابن شداد لم يتناول هذه الجزئية في كتابه الشهير "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية" بينما أقصى ما أورده هو الحديث عن أمراض السلطان في سنواته الأخيرة، كما تجاهل ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ" هذه المسألة أيضا واهتم أكثر بنقد قرارات صلاح الدين، نفس الأمر في مؤلفات ابن مماتي ورسائل القاضي الفاضل، حتى المقريزي في كتابه "السلوك" وابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" لم يذكرا شيئا عن الهيئة التي كان عليها صلاح الدين في حياته.


وأمام هذه الحالة، سعينا إلى استقاء الصورة الشكلية لصلاح الدين لمقارنتها بمخيلتنا عن الرجل النابعة من الصورة السينمائية له، من بعض التفاصيل غير المباشرة التي وردت في هذه المؤلفات، والتي حاولنا من خلالها رسم صورة عامة لحالة الرجل في تلك الحقبة التي اهتمت السينما دائما بتصويرها، وهي السنوات الثماني الأخيرة في حياته، التي حفلت بفتوحاته الكبيرة التي كان أهمها دخول القدس، ومعركة حطين، وصراعه مع الصليبيين.

 

الرجل المريض
يبدأ فيلم «الناصر صلاح الدين» ليوسف شاهين بحوار بين ثلاث الشخصيات: 
- أين السلطان؟
- السلطان مريض، ويلازم الفراش.
- قد يكون مريضا، لكنه لا يلازم الفراش.

من المفارقات الكبرى في تصورنا لشخصية صلاح الدين، أن الفترة التي اعتادت السينما أن تركز عليها في تاريخه، هي الفترة التي عانى فيها من المرض أكثر من أي وقت آخر في حياته!


يقول الدكتور محمد مؤنس عوض، إن أول ذكر لإصابة صلاح الدين بمرض واضح ومعروف كانت إشارة في كتاب "النوادر السلطانية" لابن شداد وهو مرض أصيب به في عام 1186، وكان قد بلغ من العمر حينها 48 عاما (اتفقت المصادر التاريخية على أن صلاح الدين ولد عام 1138م وتوفي عام 1193) ثم توالت عليه الأمراض بعد ذلك، ويشير عوض إلى أنه منذ ذلك التاريخ تعرض صلاح الدين للمرض على فترات متقطعة خلال السنوات الثماني الأخيرة في حياته، وهي الأعوام التي شهدت إنجازاته البارزة، مثل موقعة حطين وفتح بيت المقدس والتصدي للحملة الصليبية الثالثة، أي أن أبرز مراحل حياة صلاح الدين اقترنت دائما بالمرض!


ويكشف عوض في دراسة له بعنوان "التاريخ المرضي لصلاح الدين الأيوبي"، أن من أبرز الأمراض التي تعرض لها صلاح الدين، ما أصابه أثناء هجوم الحملة الصليبية الثالثة على مدينة عكا عام 1189م، حيث انتشرت في جسده الدمامل من وسطه إلى ركبته، بحيث أنه لم يكن يستطيع الجلوس أو امتطاء فرسه، وكان يجلس متكئا أغلب الوقت ولم يكن قادرا على مد يديه لتناول الطعام بشكل طبيعي بسبب آلامه.


وقبل هذا المرض بأربعة أعوام تقريبا، وأثناء تواجده في منطقة الجزيرة الفراتية أثناء قتاله للزنكيين، تعرض صلاح الدين لمرض آخر لم تذكر المصادر التاريخية أعراضه بالتحديد، بينما أورد ابن شداد قصة تظهر منها أنه كان مرضا قاسيا يخشى منه على حياة السلطان، حتى أن أحد المقربين من السلطان طالبه بأن ينذر إن شفاه الله من هذا المرض ألا يقاتل أحدا من القادة المسلمين الذين يعادونه ويجتهد فقط في قتال الصليبيين.


أما عن مرضه الأخير الذي توفي بسببه، فقد ذكر البعض أنه مرض الحمى الصفراوية، بينما قال آخرون إنه أصيب بالتيفويد، إلا أن عوض يرى -طبقا للوصف الذي أورده ابن شداد لمرض السلطان الأخير- أن صلاح الدين أصيب في آخر أيامه بمرض الملاريا الذي ينقله البعوض، لأن الأعراض التي ذكرت في وصف حالته تنطبق على ذلك المرض بشدة.

 

إعاقة السلطان 
هل سمعتم من قبل عن أن صلاح الدين كان «أعرجا» ؟ سؤال إجابته ستكون بالنفي غالبا لدى معظم القراء، فلم نسمع أبدا أن هذا البطل الكبير عانى يوما من إعاقة في جسده!


إلا أن هذا الأمر يبدو حقيقيا بدرجة كبيرة، وهي مسألة أثارها شاعر من معاصري صلاح الدين يدعى «ابن عنين» في قصيدة له كان يهجوا فيها صلاح الدين ووزرائه وكبار رجاله؛ فإن صحت هذه المعلومة، فلماذا تجاهلها المؤرخون؟!


في دراسة أخرى له بعنوان «معاقون من عصر الحروب الصليبية في القرن 12م.. صلاح الدين الأيوبي نموذجا»، يفسر الدكتور محمد مؤنس عوض تجاهل المؤرخين المسلمين المعاصرين لصلاح الدين لهذه النقطة؛ بأنهم انشغلوا بتناول السلطان من خلال الأحداث السياسية والعسكرية المتصلة به وأغفلوا أمر الإعاقة التي حدثت له، وربما رجع ذلك إلى التأثر بالشخصية الكاريزمية للسلطان التي كانت تأسر كل أنصاره بل وأعدائه أيضا.


ويضيف أن «ابن عنين» هو الشاعر الوحيد الذي هجى صلاح الدين، مما دفع السلطان إلى نفيه إلى الهند، مشيرا إلى أن جزءا كبيرا من شهرة الشاعر الموهوب «ابن عنين» يرجع إلى هجائه لأبرز قائد مسلم من عصر الحروب الصليبية.


ويقول ابن عنين في قصيدته المشار إليها الأبيات التالية: 


قد أصبح الملك ماله سبب ** في الناس إلا البغاء والكذب 
سلطاننا أعرج وكاتبه ** ذو عمش والوزير متحدب
معايب كلها لو اجتمعت ** في فلك لم تحله الشهب 


حيث يشير بشكل واضح إلى عرج السلطان، ويقول عوض، أن البيت الثاني تحديدا الذي أشار فيه إلى إعاقة صلاح الدين، ورد في أكثر من مصدر تاريخي، مثل كتاب «معجم الأدباء» لياقوت الحموي، و«البداية والنهاية» لابن كثير، و«النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي، وهو ما لا يدع مجالا للشك في هذه المسألة، خاصة وأن أحدا من المؤرخين المعاصرين لصلاح الدين لم ينف هذه النقطة أو يرد على ابن عنين ويتهمه بالكذب.

ولا توجد أي معلومات متاحة عن توقيت إصابة صلاح الدين بتلك الإعاقة، وهل ما إذا كان ولد بها أم أصيب بها في إحدى المعارك؟، فيما يرجح عوض أن يكون صلاح الدين ولد بهذه الإعاقة، لأنه لو كان أصيب بها في أحد المعارك لكانت أشارت إليها المصادر التاريخية للتعبير عما يقدمه السلطان دفاعا عن المسلمين.


كما يرجح أن تلك الإعاقة كانت يسيرة وغير ظاهرة، ولم تمنع صلاح الدين الأيوبي من أن يكون فارسا بارزا شجاعا في الحرب، وهو ما يبرر أيضا إغفال المصادر التاريخية الصليبية لهذه الإعاقة بحكم كونها مصادر معادية.

 

هل رُسم صلاح الدين في حياته؟
في معرض بحثنا عما يساعدنا على رسم صورة أوضح للهيئة الشكلية التي كان عليها صلاح الدين الأيوبي، بحثنا عما إذا كانت هناك أي لوحات رسمت لصلاح الدين في حياته، إلا أن المشكلة التي صادفتنا، أن أغلب اللوحات الفنية التي جسدت صلاح الدين كانت لفنانين غربيين، ورسمت بعد وفاته بسنوات طويلة، وكانت تحمل في طياتها غالبا معاني سلبية مقصودة، بخلاف التباين الكبير في ملامحه وبشرته بين تلك اللوحات، وهو ما يجعلها مصادر غير موثوقة بدرجة كبيرة في تحديد شكل هذا السلطان.

 

إلا أننا في معرض بحثنا، عثرنا على منمنمة نادرة، فتحت الباب أمامنا لمصدر جديد قد يحمل معلومات جديدة عن صورة صلاح الدين كما كانت في الواقع، وهي منمنمة يعتقد أنها رسمت في حياة صلاح الدين -أي قبل عام 1193م- وعلى يد عالم مسلم هو العالم والمخترع إسماعيل الجذري، إلا أن أهم ما تثيره هذه المنمنمة، هي شكوك حول إصابة صلاح الدين في إحدى عينيه أو معاناته من عيب خلقي في عينه! 
لذا بدأنا عملية بحث طويلة للتأكد من صحة نسب هذه المنمنمة لصلاح الدين الأيوبي.

علاقة المنمنمة بالسلطان
توجد هذه المنمنمة حاليا في المعرض الحر للفنون بالولايات المتحدة "Freer Gallery of Art" التابع لمؤسسة «سيمثسونيان» الأمريكية، الذي حصل عليها منذ عام 1932، وهي منمنمة مأخوذة من صفحات كتاب «في معرفة الحيل الهندسية» الذي كتبه ورسمه الجزري لعدد من اختراعاته، وكانت اللوحة تجسد شخصا جالسا أسفل ساعة مائية من اختراع الجزري.


ظهرت هذه المنمنمة لأول مرة في العصر الحديث، في كتاب صادر عام 1912 للمستشرق السويدي ومؤرخ الفن فردريك روبرت مارتن، بعنوان «المنمنمات والرسامون في بلاد فارس والهند وتركيا».


وقال مارتن نصا عند إشارته لهذه المنمنمة «تم العثور على أقدم نماذج معروفة للمنمنمات العربية في بعض الأوراق التي تنتمي لمخطوطة تأتي من إحدى المكتبات في القسطنطينية، وتحمل اسم السلطان الأرتقي نور الدين محمد المتوفي عام (1185م)، بينما كتب على أوراق أخرى اسم صالح صلاح الدين (صلاح الدين الأيوبي؟)» وكان من بين الأوراق التي كتب عليها اسم «الصالح صلاح الدين» المنمنمة محل النقاش.


ويبدو أن المقصود الأول بكلام مارتن هو السلطان الأرتقي محمد بن قره أرسلان نور الدين المعروف بـ«نور الدين محمد»، الذي كان يحكم كل من كيفا وآمد في زمن صلاح الدين الأيوبي، ودخل في حلف معه كما أناب عنه أخيه عماد الدين في حصار الموصل إلى جانب صلاح الدين، وتوفي نور الدين عام 1185م، وهو ما جعل مارتن يؤرخ هذه المنمنمات بتاريخ وفاة نور الدين، أي عام 1185م، كما أن المنمنمة رسمت طبقا لأساليب الفن الفاطمي، ما يقوي صحة هذا التاريخ الذي كان قريبا للغاية من سقوط الدولة الفاطمية في مصر.


أما عن الشخص الثاني الذي ورد اسمه على بعض تلك المنمنمات، وبينها المنمنمة التي نشرها مارتن في مفتتح كتابه -المنمنمة محل النقاش- فقد قال إنها جاءت تحت اسم صالح صلاح الدين وبين قوسين وضع كلمة (صلاح الدين الأيوبي؟) مع علامة استفهام، وكأنه يتساءل في شيء من عدم اليقين: هل المقصود هو صلاح الدين الأيوبي؟ إلا أنه لا يعطي إجابة واضحة.


وهنا يجب أن نشير إلى أن هناك سلطان آخر تسلطن على مصر باسم "الصالح صلاح الدين" وهو الابن الثامن من أبناء الناصر محمد بن قلاوون، حيث تمت مبايعته بالسلطة في مؤامرة نفذها بعض الأمراء للتخلص من أخيه السلطان الناصر بدر الدين حسن -صاحب جامع السلطان حسن الشهير بميدان محمد علي- وكان الصالح يبلغ من العمر حينها 14 عاما، إلا أنه لم يجلس في السلطنة سوى قرابة 3 سنوات حيث عاد أخيه السلطان حسن إلى السلطة مرة أخرى عام 1354م وكان الصالح وقتها يبلغ من العمر 17 عاما، فيما توفي الصالح بعد ذلك بسنوات قليلة وهو لم يتجاوز الـ22 من عمره.


وبالتدقيق في المنمنمة محل النقاش، سنجد أنها لا يمكن أن تكون لشاب في أواسط العقد الثاني من عمره، بل هي لرجل ناضج ربما قارب على الخمسين من العمر، بلحيته ونظرته، ما يجعلنا نستبعد فرضية أن يكون المقصود هنا السلطان الصالح صلاح الدين بن الناصر محمد بن قلاوون، الذي لم يكن موجود على الإطلاق في حياة مؤلف الكتاب إسماعيل الجزري.


وترجع أهمية الإشارة إلى هذه النقطة، إلى أن المعرض الحر للفنون المالك الحالي للمنمنمة كتب على موقعه الإلكتروني، وبالتحديد في صفحة التعريف باللوحة، أن تاريخها يرجع إلى العصر المملوكي في مصر وبالتحديد إلى عام 755هـ (1354)، وهو ما يرجح أن مسؤولي المتحف حددوا هذا التاريخ بناء على اعتقادهم أن المقصود بها هو السلطان الصالح صلاح الدين بن الناصر محمد بن قلاوون مستندين في ذلك إلى كلام مارتن، بالرغم من أنهم لم يقولوا ذلك صراحة، بل أحالوا لمزيد من التفاصيل بالرجوع إلى كتاب مارتن السابق ذكره.


ومما يؤكد نسبة هذه المنمنمة إلى صلاح الدين الأيوبي، هو أن إسماعيل الجزري راسم هذه المنمنمة، اعتاد أن يضع رسومات ترمز لصلاح الدين في كتبه المرتبطة باختراعاته، ففي رسمة "ساعة الفيل" الشهيرة الواردة بكتابه "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل" نجده قد رسما شخصا جالسا أعلى الساعة مشيرا إلى أنه السلطان، حيث يرى الكثيرون أنه كان يرمز إلى صلاح الدين، كما ظهرت صورة أخرى يرمز من خلالها لصلاح الدين في رسمة لساعة مائية في الكتاب السابق ذاته وحوله يعزف الموسيقيون، إلا أن المنمنمة التي نتناولها هنا كانت هي الأكثر وضوحا والأكبر حجما.


ويرجع ذلك إلى أن الجزري كان يخدم في بلاط ملوك "ديار بكر" -شمال سوريا وجنوب تركيا حاليا- التابعين للدولة الأرتقية، وكانت الدولة الأرتقية قد خضعت لصلاح الدين وباتت من بين المناطق التابعة له، فمن المنطقي أن نجده يمجد صلاح الدين برسمه في كتابه.

 

تفاصيل مثيرة للتساؤل
وهنا بعدما رجحنا صحة نسب هذه المنمنمة لشخص صلاح الدين الأيوبي، نستعرض أهم ملامحها، حيث أظهرت السلطان جالسا وقد مد يديه على ركبتيه تعبيرا عن العظمة والأبهة، مرتديا رداء أحمر منقوشا وعلى رأسه عمامة خضراء اللون.


فيما ظهر كذلك ببشرة قمحية وله لحية صغيرة مشقوقة من المنتصف، وأنف حاد، أما أهم ما يمكن ملاحظته هو ضيق واضح في العين اليمنى، حيث ظهرت وكأن السلطان عانى من شيئا في عينه!


ويصعب اعتبار أن الجزري لم يتحر الدقة في الرسم، فقد كان عالما ومهندسا شديد الدقة، وهو ما يظهر في مختلف لوحاته، كما أن منمنمة صلاح الدين نفسها حفلت بالعديد من التفاصيل والتزيين، أي أن الرجل كان يعني بالتفاصيل بشكل كبير، ما يرجح أن ظهور العين اليمنى بهذا الشكل مقصود بنسبة كبيرة.


إلا أننا وكما أشرنا أعلاه، فإن مسألة تناول شكل وهيئة صلاح الدين كانت أمرا نادرا في المصادر التاريخية، خاصة الصفات التي ربما تنتقص من شخص السلطان أو تشكل إساءة إليه، ما يجعلنا غير قادرين على الجزم بأن صلاح الدين كان مصابا في عينه، ولكن ذلك لا يمنعنا من فتح الباب لتساؤل له ما يبرره.

 

البطل الذي لم نشاهده
في النهاية يمكننا أن نستنتج حجم الاختلاف الكبير بين الصورة التي ظهر عليها صلاح الدين الأيوبي في السينما، والتي كانت سببا مباشرا في رسم صورة استثنائية له بالمخيلة الجمعية، وبين الواقع الذي يكشفه لنا التاريخ عن هذا الرجل، خاصة في سنواته الأخيرة.


فلم تجسد أغلب هذه الأعمال السينمائية صلاح الدين في سنه الحقيقية، خاصة في سنواته الأخيرة التي شهدت أهم إنجازاته، حيث كان قد تجاوز الخمسين، وتعرض لعدة وعكات صحية بعضها كان مميتا، وفي بعض الأحداث الهامة من تاريخه عانى لدرجة أنه كان غير قادر على الجلوس أو امتطاء الفرس. 


أضف إلى ذلك كثرة أسفاره وهو في هذه الحالة وهذه السن التي زادت من معاناته الجسدية وأثرت على صورته، بخلاف تعرضه لأكثر من محاولة اغتيال على أيدي عناصر فرقة الحشاشين، بحسب ما يكشف برنارد لويس في كتابه «الحشاشون»، ما جعله دائم القلق، ولا ينعم بنوم عميق.


وفي وسط كل ذلك، عانى من عرج بإحدى قدميه، ربما لم يؤثر على حركته بشكل واضح إلا أنه ترك في نفسه شيئا ما من الإحساس بالإعاقة، بالإضافة إلى الشكوك المثارة حول معاناته من شيء في عينيه طبقا للمنمنمة سالفة الذكر.


لقد كان صلاح الدين شخصا أسطوريا له سمات كاريزمية أثارت إعجاب كل المحيطين به، ولكنه كان شخصا مرهقا مريضا، كان صلاح الدين بطلا قاد الجيوش وحقق انتصارات تاريخية لم تتكرر، ولكنه عانى من الإعاقة والقلق الدائم من الاغتيال، هذا ما لم نره أبدا على شاشة السينما، وربما لن نره، فكثيرا ما تكون الحقيقة صعبة القبول.
 


الاخبار المرتبطة




الأكثر قراءة



 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة