أرشيفية أرشيفية

الإسعافات الأولية.. ثقافة منسية !

أميرة شعبان الأحد، 16 فبراير 2020 - 05:45 ص

- «مهارات بسيطة» يمكنها إنقاذ الملايين.. لم تجد من يتقنها
- الأطباء: «المواطن المسعف» ضرورة ملحة..وعلينا إحياء«الصيدلية المنزلية»


مجموعة من المهارات البسيطة، لا تطلب متخصصا لتنفيذها، يمكن من خلالها إنقاذ حياة الملايين، ومع بساطتها إلا أنها لا تجد فى مجتمعنا صدى يتلاءم مع أهميتها الكبيرة، فالإسعافات الأولية مؤخرا ارتبطت فى أذهاننا إما بالاتصال بالطوارئ لإسعاف المصاب، أو باللجوء لإحدى الطرق المنزلية التقليدية التى تزداد خطورتها عن فائدتها.
ومع الوقت انعدمت لدينا «ثقافة الإسعافات الأولية» واختفت «الصيدلية المنزلية» من بيوت المصريين، لتحل محلها الخلطات والوصفات الشعبية، والعادات الخاطئة فى التعامل مع المصاب، فى ظل انعدام حملات التوعية المطلوبة.. وفى هذا التحقيق تحاول الأخبار مناقشة أسباب اختفاء هذه الثقافة مع رصد أبرز الأخطاء المتوارثة التى لاتزال عائقا فى سبيل نشر الوعى الصحيح.


«دقائق معدودة».. يمكنها أن تكون فارقة فى حياة الإنسان، وفى ظل التقلبات اليومية المليئة بالمفاجآت من الممكن أن يتعرض الإنسان فى عمله أو منزله أو فى الطرقات لموقف يجعله مسئولا عن حياة شخص قريبا أو غريبا، وتكون طريقة تصرفه واحدة من العوامل المسئولة عن مدى تدهور حالة المصاب من عدمها، بل يمكنها أن تفرق بين «الموت» و«الحياة».
وهنا تزداد أهمية دراية الفرد بالإسعافات الأولية خاصة مع زيادة انتشار حالات الإغماء والحروق والنوبات القلبية ونوبات السكر بشكل كبير، ناهيك عن حوادث الطرق العشوائية التى تقتل كل 25 ثانية شخصا واحدا وفقا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية، وهو أيضا ما دفع اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن رصد أهمية الإسعافات الأولية، فوفقا لآخر مسح أجرته اللجنة فإن 59٪ من الوفيات الناجمة عن الإصابات المفاجئة كان يمكن الوقاية منها لو تم تقديم الإسعافات الأولية قبل وصول خدمات الطوارئ، كما انه يجرى إنقاذ 90% من المصابين فى حالات الطوارئ بفضل الأشخاص الذين يجيدون الإسعافات الأولية.
القتل الخطأ
على عكس ما يعتقده الكثيرون فالإسعافات الأولية لا تقتصر فقط على تضميد الجروح أو علاج الحروق بشكل مبدئي، لكن أهميتها أيضا تنبع فى الحالات الخطرة التى تتطلب تصرفا مبنيا على «علم ومعلومة صحيحة»، فهى الحالات التى يمكن للمواطن فيها قتل المصاب عن طريق الخطأ.
ويوضح الأمر د.سعيد شلبي، استاذ الباطنة بالمركز القومى للبحوث ومدرب بدورات الإسعافات الأولية، قائلا «حوادث الطرق من أكثر ما نمر بها، وفور وقوع حادثة يتهافت المواطنون للمساعدة، لكنهم للأسف يتصرفون بطريقة من الممكن أن تساهم فى وفاة المصاب، فعلى سبيل المثال فى ميدان رمسيس سبق وأن رأيت شابا صدمته سيارة وعلى الفور رفعه المارة من الرصيف وأوقفوه على قدمه ليتأكدوا من سلامته، وهو الأمر الخاطئ كليا، فأى حادث اصطدام يؤدى لطرح الإنسان أرضا، علينا حينها الحفاظ على رأسه مستلقيا مع رفع قدمه فقط لفترة من الزمن لمساعدة الدماء للوصول للمخ لمنع حدوث الإغماء او أى مضاعفات وهذا أبسط مثال يتسبب فى وفاة الكثيرين، فأول 5 أو 10 دقائق من وقت الإصابة تتحكم فى نجاة المخ أو تلفه والدخول فى غيبوبة وهذا ما يحدث عند توقف القلب فى بعض الحالات المصابة فى حوادث الطرق، فيعتقد المواطن أن المصاب قد توفى، لكنه لا يعلم أن بيده انعاشه مرة أخرى بإجراء الإنعاش القلبى الرئوي، وللأسف بسبب عدم انتشار تلك الثقافة يخشى المواطن الاقتراب من المصاب حتى لا يتحمل أى مسئولية».
ويضيف د.شلبى أن نوبات الإغماء أو السكر أو حتى النوبات القلبية التى نراها بشكل مستمر، تكون دراية الفرد بطريقة الإسعافات الأولية لها أملا كبيرا فى إنقاذ حياة المريض.
إصابات العمل
نسمع كثيرا عن إصابات العمل، والتى فى بعض الأحيان يتسبب تأخر وصول الإسعاف إلى تفاقم الأمر، وهنا يؤكد د.شلبى على أهمية أن تبادر كافة الجهات والمؤسسات لتوفير دورات الإسعافات الأولية لكل موظفيها، فإصابات العمل لا تحتمل انتظار سيارة الإسعاف للوصول فمن الممكن أن ينقذ الموظف زميله أو ينقذ نفسه فى أحيان كثيرة.
ويشير شلبى إلى أن المركز القومى منذ 10 سنوات قرر ألا يمنح أى ترقية إلا بعد أن يجتاز صاحبها دورة الإسعافات الأولية، فالوقوف فى المعمل يقابله احتمالية حدوث حوادث بسيطة أو كبيرة، والإسعافات الأولية لها دور هام فى مثل هذه الأمور، مثل حوادث السقوط أو الكسر أو الحروق فيتصرف الفرد لحماية نفسه لحين الوصول لأقرب مشفى.
وأضاف شلبى أن الإعلام عليه مسئولية كبرى فى الأمر، فالكثير من البرامج تستضيف عشرات الأطباء الذين من الممكن أن يساهموا فى نشر ثقافة الإسعافات الأولية عن طريق نصائح بسيطة للجمهور، عن كيفية التصرف مثلا إذا شعر المواطن بتعب أثناء قيادته السيارة، او فى حالة احتراق ربة المنزل بزيت، أو وقوع طفل وحدوث كسر او نزيف، كل تلك الأمور هامة وكل طبيب عليه مسئولية نقل خبراته.
تعليم الصغر
«تعليم الصغر كالنقش على الحجر» هكذا أكدت د. شفيقة ناصر، استاذة الصحة العامة والتغذية بجامعة القاهرة، موضحة أن المدرسة هى الخطوة الاولى لتعليم الطفل الإسعافات الأولية البسيطة التى يمكنه تطوير مهارته بها حين الكبر حتى يتحول لفرد فعال فى المجتمع يساعد غيره فى مختلف المواقف.
أما الخطوة الثانية فتؤكد د. شفيقة أنها تتمثل فى المنزل وبالتحديد فى «الصيدلية المنزلية» تلك الفكرة التى تحتاج لإعادة إحياء، مشيرة إلى أن كل أفراد الأسرة عليهم التصرف بطريقة علمية صحيحة وبخطوات طبية بعيدا عن العادات الغريبة.
وأخيرا تشير استاذ الصحة العامة إلى أن وزارة الصحة والإعلام عليهما دوراً كبيراً فى رسم خطة واضحة لنشر ثقافة الإسعافات الأولية فالوزارة مسئولة عن الرسالة والإعلام عن إيصالها.
قوة السوشيال ميديا
فى ظل اختفاء ثقافة الإسعافات الأولية يلجأ الكثيرون للعادات والخلطات الشعبية المتوارثة خاصة فى علاج الجروح وحالات النزيف، فتشير د. شيرين وفيق استشارى جلدية وتجميل بالحوض المرصود، أن الشعبى المصرى لديه ثقافة غريبة فى التعامل مع الطوارئ،خاصة ربات المنزل اللاتى يلجأن للأم او الجارة فى حالة حدوث إصابة لتبدأ سلسلة النصائح غير المبنية على معلومة صحيحة.
وتوضح د.شيرين أن أبسط تلك العادات الغريبة المتبعة هى وضع بياض البيض او معجون الأسنان والزيت على الجروح، موضحة ان المجتمع معذور فى تصرفاته، فعلى الدولة تبنى حملات مكثفة للوصول لتلك الفئات لتوعيتها والمنصة الأنسب هنا هى «السوشيال ميديا»، فالفيديوهات التوعوية القصيرة المصاحبة برسومات توضيحية من شأنها الوصول الى كل فرد من أفراد الأسرة فى مدة لاتزيد على 5 دقائق، يتعلم من خلالها معلومة ويعدل أسلوبا خاطئا كان يتبعه.


الاخبار المرتبطة




الأكثر قراءة



 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة