صورة تعبيرية صورة تعبيرية

مفاوضات سد النهضة| الانسحاب الإثيوبي تكتيك انتخابي

بوابة أخبار اليوم السبت، 07 مارس 2020 - 02:39 ص

دراسة: د. أحمد أمل


المراوغات الإثيوبية فى قضية سد النهضة كشفت عن حقيقة الموقف الإثيوبى الذى يسعى لتحقيق مصالحه على حساب مصالح باقى الدول، وأكد أن الادعاءات السابقة ضد مصر كانت مجرد تكتيكات تسوق بها إثيوبيا قضيتهاعلى حساب الحقوق المصرية فى نهر النيل.


تمسك مصر بالمفاوضات لحل أزمة السد رغم تهديده المباشر لحياة المصريين اكتسب احترام العالم ودعم من الادارة الامريكية التى رعت مفاوضات نزيهة ومحايدة بين كل الأطراف لتحقيق اتفاق عادل يحفظ الامن والسلم والمصالح المشتركة بين الدول الثلاث ومن المتوقع ان تمارس ضغوطا على الجانب الاثيوبى من اجل العودة مرة أخرى لمساندة المفاوضات والتوقف عن تشدده غير المبرر.


لقد اكدت القيادة المصرية على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسى أن مصر ليست ضد التنمية فى إثيوبيا وأنها تعترف بحق الأشقاء فى الاستفادة من مواردهم الطبيعية لكن دون المساس بحقوق مصر خاصة ان الجميع يدرك أنها قضية حياة أو موت بالنسبة للمصريين ولا يمكن التفريط فيها تحت أى ظرف ولذلك فكل الخيارات متاحة أمام المفاوض المصري.


فى السادس والعشرين من فبراير، وقبل يوم واحد من موعد بدء اجتماعات التوقيع على المسودة الأمريكية الخاصة باتفاقية ملء وتشغيل سد النهضة، أعلنت إثيوبيا اعتذارها عن المشاركة، وأن الوفد الإثيوبى لن يغادر العاصمة أديس أبابا للمشاركة فى الاجتماع المنعقد برعاية أمريكية فى واشنطن، متذرعة بارتباط التوقيع على الاتفاقية المهمة بالأوضاع الداخلية فى إثيوبيا حيث بدأت بالفعل إجراءات الاستعداد لعقد الانتخابات العامة بعد نحو ستة أشهر. ويأتى هذا الغياب الإثيوبى عن اجتماعات السابع والعشرين والثامن والعشرين من فبراير بعد أن تسلمت مصر والسودان وإثيوبيا فى الرابع والعشرين من الشهر ذاته النسخة الأولى المكتملة لمسودة اتفاق ملء وتشغيل السد، والتى أعدتها وزارة الخزانة الأمريكية بعد جولات متعددة من المفاوضات شاركت فيها الولايات المتحدة والبنك الدولى بصفة مراقب منذ نوفمبر الماضي.


وقد أثار هذا الموقف الإثيوبى المفاجئ العديد من الأسئلة بشأن الدوافع الإثيوبية الحقيقية للانسحاب من المفاوضات فى مرحلتها الأخيرة، والتى تمثلت فى عدد من الأسباب المترابطة هى استمرار إثيوبيا فى سياسة المماطلة وكسب الوقت، وذلك من خلال المشاركة فى جولات التفاوض، قبل الانسحاب من الجولة النهائية، وطلب مهلة زمنية إضافية، فى الوقت الذى لا تزال فيه أعمال التشييد والبناء فى موقع السد مستمرة دون تعطل أو انقطاع. ويعد هذا الموقف نموذجاً مكرراً لما جرى خلال المفاوضات الثلاثية قبل التدخل الأمريكي، الأمر الذى يشير لإمكانية تكراره، من خلال عودة إثيوبيا للانفتاح مجدداً على المفاوضات قبل التراجع فى اللحظة الأخيرة عن توقيع أى اتفاق ملزم.


تهديد آخر


عكست السياسة الإثيوبية من قضية مفاوضات سد النهضة تغليباً واضحاً للاعتبارات التكتيكية ذات الأفق الزمنى الضيق، على الاعتبارات الاستراتيجية التى تمثل نقطة ارتكاز الموقف المصري، وهو ما كان وراء الكثير من المواقف الإثيوبية المتعنتة غير المبررة. حيث لا يتمتع صانع السياسة الإثيوبية فى ظل التحديات الجسيمة التى تواجهها داخلياً وإقليمياً بترف استشراف التداعيات بعيدة المدى لتبنى نهج الحلول الأحادية فى ملف سد النهضة، بما فى ذلك تعريض الأمن القومى الإثيوبى نفسه للخطر.


ويتمثل السبب الرئيسى وراء النظرة الضيقة للمفاوض الإثيوبى فى الوضع الداخلى بالغ التردى الذى تعانى منه البلاد منذ وفاة رئيس الوزراء ميلس زيناوى عام 2012، حيث فقدت البلاد التوازن الذى كان قائماً بين مكوناتها السكانية المتنوعة والمتصارعة فى الكثير من الأحيان على امتداد تاريخ البلاد. وعلى الرغم من أن التوازن الذى قام خلال عهد زيناوى قد عكس انحيازاً واضحاً لـ «جماعة التيجراي» التى ينتمى إليها، إلا أنه وفر الحد الأدنى من الاستقرار اللازم للخطوات الواسعة التى قامت بها البلاد على الصعيد التنموى خاصة فى العقد الأخير لزيناوى مستعينة بكافة أدوات الإكراه التى امتلكتها الدولة. وقد أدى اختلال الاستقرار الداخلى لتعرض الحكومة الإثيوبية لخطر داهم يتمثل فى تصاعد أعمال العنف الإثنى والديني، وتصاعد النزعات المتطرفة والانفصالية لدى العديد من الجماعات، فى ظل عجز الحكومة عن تقديم حلول مستدامة للمشكلات الرئيسية على المستوى السياسى والأمنى والاقتصادي.


 على خلفية النقاط الثلاث السابقة، يأتى الانسحاب الإثيوبى المفاجئ من مفاوضات سد النهضة ليؤكد سعى الحكومة الحالية لاستغلال هذا الملف لأغراض انتخابية بالأساس، فى ظل تحديد موعد لعقد الانتخابات العامة فى التاسع والعشرين من أغسطس من العام الجاري، وهى الانتخابات التى يسعى من خلالها آبى أحمد للحصول - للمرة الأولى- على ثقة الهيئة الناخبة بعد التغييرات الهيكلية التى أدخلها على بنية الحزب الحاكم. إذ يسعى آبى أحمد لتجنب توقيع الاتفاق النهائى الذى سيكشف بوضوح عن الفجوة الكبيرة بين الخطاب الإثيوبى الداخلى المتعلق بسد النهضة، وبين ما تسمح به التوازنات الإقليمية والدولية على أرض الواقع. كما يسعى آبى أحمد للبدء فى ملء السد على الرغم من عدم اكتماله النهائى قبل مطلع عام 2023 -وفق البيانات الرسمية الفنية الإثيوبية- قبيل عقد الانتخابات لتعزيز حظوظه فى الحصول على أكبر قدر من الأصوات، والظهور بمظهر السياسى القوى القادر على الصمود أمام الضغوط الإقليمية والدولية.


فرص ضئيلة


فى اللحظة الراهنة، يدرك صانع القرار الإثيوبى أن فرص الوصول ليوليو القادم بدون التوقيع على اتفاق ملزم، وما يلى ذلك من البدء بصورة أحادية غير خاضعة للمراقبة فى ملء خزان سد النهضة ضئيلة للغاية، وذلك فى ظل الموقف المصرى القوى فى حماية حقوق مصر المائية والمدعم برصيد طويل من الانفتاح الإيجابى على المسار التفاوضى وصولاً لتوقيعها على مسودة الاتفاق الأمريكي، والموقف الأمريكى الحاسم الذى عبر عنه البيان العاجل الذى صدر عن وزير الخزانة الأمريكى فى التاسع والعشرين من فبراير الذى أكد أنه لا يجوز ملء الخزان بدون اتفاق. هذا الوضع دفع الجانب الإثيوبى لإصدار بيان تضمن بعض الصياغات المتشددة، إلا أنه فى النهاية عاد أوكد التزام إثيوبيا بالانخراط فى المفاوضات مع مصر والسودان وصولاً لاتفاق نهائى منظم لعملية الملء الأول، والتشغيل السنوى لسد النهضة. 


استمرار سلسلة التقديرات الإثيوبية الخاطئة لمواقف الأطراف المختلفة المنخرطة فى مفاوضات ملء وتشغيل السد، بدايةً من الظن بإمكانية فرض الأمر الواقع على مصر من دون إمكانية حقيقية لرد فعل مصرى رادع، ووصولاً للاعتقاد بإمكانية مراوغة الإدارة الأمريكية فى ظل تصور خاطئ لعدم جديتها فى رعاية الجولات الأخيرة من المفاوضات والتى يعتقد الجانب الإثيوبى أنه تحرك جاء لأغراض تعزيز فرص الرئيس ترامب فى الفوز بولاية ثانية فى انتخابات نوفمبر المقبل، وليس نتيجة استشعار الولايات المتحدة بإمكانية تحول النهج الإثيوبى المتعنت فى التعامل مع قضية سد النهضة إلى مهدد حقيقى للأمن والاستقرار الإقليميين، بما يفرضه من لجوء الأطراف المتضررة إلى إجراءات استثنائية لمجابهة هذا التحدى الوجودي.


وأمام الموقف المصرى الحاسم الرافض للانسحاب الإثيوبى من المفاوضات، والمدعوم بقوة من الإدارة الأمريكية، وأطراف أخرى متعددة من المجتمع الدولي، يتعين على إثيوبيا إعادة النظر فى التداعيات الخطيرة التى قد تطالها على المدى الزمنى القريب والبعيد، إذا ما تحول تصعيدها على مستوى الخطاب الرسمى إلى إجراءات حقيقية على أرض الواقع.


الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة



 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة