أبى أحمد مع الرئيس السابق عمر البشير أبى أحمد مع الرئيس السابق عمر البشير

مفاوضات سد النهضة| السودان.. موقف متذبذب

بوابة أخبار اليوم السبت، 07 مارس 2020 - 02:52 ص

دراسة: شيماء البكش

منذ شروع إثيوبيا فى وضع حجر الأساس لسد النهضة فى أبريل 2011 تتخذ السودان موقفًا مذبذبا من الأزمة. فعلى الرغم من أن موقفها بدا حريصًا على حصتها المائية، وانعكس ذلك فى رفضها الانضمام لاتفاقية عنتيبى، وكذا موقفها التفاوضى فى الفترة من 2011 وحتى 2013، إلا أنها بدأت تدريجيًا تتخذ موقفًا محايدًا، وصل فى مراحل كثيرة، خاصة بعد 2013،إلى الانحياز للموقف الإثيوبي، وذلك دون أى منطق، سوى أن «نظام البشير» فى مراحل كثيرة كان يجد مصالحة  فى معارضة الجانب المصرى، والانحياز للجانب الإثيوبي، متجاهلًا فى ذلك المصالح الجيوسياسية السودانية، إذ وجد مصالحه فى أحيان كثيرة تتحقق عبر ابتزاز الطرفين، والمقايضة على مصالح السودان من أجل ضمان بقائه فى الحكم.


وفى هذا الصدد، أعلن الرئيس السودانى السابق عمر البشير عن أهمية سد النهضة للسودان فى مناسبات كثيرة، وأرجعت بعض الآراء الموقف السودانى إلى حصوله على احتياجاته الكهربائية من إثيوبيا، فضلًا عن التقاء مصالحه مع مصالح الجانب الإثيوبي، وخاصة موقفها من تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية.


واتصالًا بهذا الموقف الرسمى للنظام السودانى،الذى كان موقفًا سياسيًا، غير متضمن للأبعاد الفنية، والمصالح الجيوإستراتيجية السوادنية، جاءت المواقف التفاوضية السودانية محايدة وكأنها وسيط وليس شريكًا فى الأزمة، وتغلفت كل المواقف التفاوضية بالمواقف السياسية، دون أخذ الأبعاد الفنية فى الاعتبار، كما أنه كان يتم استبعاد كل من هو معارض من الخبراء والفنيين السودانيين لهذا الموقف الرسمى من الوفود التفاوضية السودانية.


ورغم عملية الابتزاز الممنهجة للجانب المصرى التى اتبعها البشير طيلة مراحل الأزمة، إلا أنه مع مطلع العام المنصرم، واشتداد الاحتجاجات ضده، واختلال توازنه الداخلي، وتنامى الحاجة للدعم المصري، اتجه إلى التحول فى الموقف نسبيًا.


ومع رحيل نظام البشير، ثارت التخوفات الإثيوبية من إمكانية تحول نظام الحكم الجديد فى السودان عن دعم سد النهضة، إلا أنه وبالرغم من اتخاذ المجلس السيادى موقفًا أكثر إيجابية حيال الدول العربية بما فيها مصر، إلا أن ذلك لم ينعكس على موقف صريح من «سد النهضة» حتى لحظتنا الراهنة.


الموقف التفاوضى السوداني


ومع رحيل النظام السابق، أصبح السؤال الحاضر بالنسبة لملف سد النهضة، هو: كيف يبلور السودان الجديد موقفًا تفاوضيًا جديدًا من تلك القضية، وهل سيسير على نفس النهج السابق، أم أنه سيعمل على إعادة التوازن الاستراتيجى بين مصر وإثيوبيا، يستند هذا التوازن بداية فى توازن الموقف التفاوضي، الذى يأخذ فى الاعتبار المصلحة القومية ويعيد تقدير الموقف وفقًا لدراسات فنية رصينة، محيدة تمامًا للأبعاد والمواقف السياسية.


فلم توقع السودان على اتفاقية عنتيبي، التى وقعت عليها ست دول من حوض النيل، والتى استندت إليها إثيوبيا عند الشروع فى بناء السد. ومع ذلك اتسم موقف السودان بالتعامل مع الأزمة كوسيط وليس شريكًا فيها.


ومنذ بدء المفاوضات بين الدول الثلاث: إثيوبيا- مصر - السودان»، ولم تتخذ السودان موقفًا مناهضًا للموقف الإثيوبى المتعنت، فمنذ الاجتماع الأول للجنة الثلاثية التى تضم: مصر وإثيوبيا والسودان للتباحث حول صياغة الشروط المرجعية للجنة الفنية وقواعدها الإجرائية، فى سبتمبر 2014، والاتفاق فى أكتوبر من العام نفسه بين الأطراف الثلاثة على اختيار مكتبين استشاريين لعمل الدراسات المطلوبة للسد، والسودان تتبنى موقفًا سلبيًا من الدفع قدمًا بإنجاح المفاوضات.


وفى مارس 2015، تم توقيع «إعلان المبادئ» بين الرئيس السيسى والبشير ورئيس الوزراء الإثيوبى السابق «ديسالين»، كما تم التوقيع على وثيقة الخرطوم فى ديسمبرمن العام نفسه، بين وزراء خارجية الدول الثلاث، تضمنت التأكيد على اتفاق إعلان المبادئ الموقع من قيادات الدول الثلاث.


ومع صدور التقرير المبدئى حول السد فى مايو 2017 وهناك خلاف بين الدول الثلاث، وممطالة فى المفاوضات، إلى أن قام الرئيس عبدالفتاح السيسى بطرح القضية فى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر الماضي.


كما أنه لم يتضح موقف السودان مع احتدام الموقف المصرى - الإثيوبى عقب الجلستين التفاوضيتين اللتين عقدتا فى مصر والخرطوم فى سبتمبر وأكتوبر الماضيين، واللتين أسهمتا فى اتجاه مصر نحو عرض الموقف دوليًا فى الأمم المتحدة.


وعلى الرغم من التحول فى الموقف، إلا أنه لا يزال تحولا حذرا، إذ أن السلطة الانتقالية التزمت الصمت لفترة على النحو الذى بدت معه وكأنها لا تزال منحازة لإثيوبيا، إلى أن وافقت متأخرًا على الانضمام للقاء برعاية واشنطن فى السادس من نوفمبر الماضي، وذلك بعد أن أعلن الجانب الإثيوبى عن موافقته على الحضور.


تحولات الموقف


ويستند التحول فى الموقف إلى التحول فى طبيعة الفواعل الداخلية، وخاصة من جانب قوى الحرية والتغيير، والتى مثلت عامل ضغط على الحكومة السودانية الجديدة، ودفعتها نحو تبنى موقف مناهض للمواقف السابقة، إلا أن السودان حتى الآن لم يتبن سياسة خارجية جديدة.


إذ عكست التفاعلات الداخلية إمكانية التحول فى الموقف، مع الضغوط التى تعرض لها رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، من قبل قوى الحرية والتغيير، وقوى المجتمع المدنى والخبراء المتخصصين.. وفى هذا السياق، شهد السودان نقاشات موسعة بين النخب السياسية، بما فيها الأحزاب السياسية، التي مثلت ضغطا على رئيس الوزراء، ومطالبته بضرورة تبنى موقف واضح، يستند إلى دراسة المخاطر والمكاسب السودانية بشكل موضوعي، والتحذير من خطورة الصمت السوداني، وترك القضية بين مصر وإثيوبيا فقط. وبالتالى يتعين على السودان تبنى موقف رسمى واضح بعيدا عن التردد والتذبذب.


وفى السياق ذاته، جاءت التحولات فى الموقف الإعلامى السوداني، الذى كان يتبنى موقفًا مهاجمًا لمصر فى مراحل سابقة، إذ أظهرت المعالجات الإعلامية والصحفية السودانية تحولات فى الموقف السوادني، الذى كان مدفوعًا بمدركات متحيزة فى السابق.

وفى سياق متصل، اتجهت الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى نحو تبنى منهج موضوعى فى التعامل مع الأزمة، من خلال تشكيل مجموعات لدراسة الأزمة موضوعيًا بأبعادها المتعددة، على غرار « مجموعة مخاطر سد النهضة» وغيرها، مما يمثل ضغطًا على النظام السوداني.


وبالتالى تفرض هذه الضغوط على السودان ضرورة خلق إطار مؤسسى شامل يضم كل الأطراف المعنية، فنياً واقتصاديا وبيئيا واجتماعيا وعسكرياً وأمنيا ودبلوماسيا، وجميع المجالات ذات الصلة لتدرس هذا القضية بعمق استراتيجى شامل لتتخذ القرار الذى يحفظ للسودان استقراره وأمنه ومصالحه الجيوإستراتيجية الراهنة والمستقبلية.


وبالفعل مثلت هذه المطالبات ضغطًا على رئيس الوزراء، ففى تصريح «لحمدوك» مع جريدة الأهرام المصرية منذ شهرين،أكد أن موقف السودان من سد النهضة هو نفسه موقف مصر بل إنه معها فى كل خطوة، فالسودان دولة فى المنتصف بين إثيوبيا وبين مصر، وأى تأثير لسد النهضة سيكون السودان أول المتأثرين، مؤكداً أن بلاده، لن تسمح بحدوث أى ضرر لمصر، والسودان، وأن مصالح الخرطوم تتفق مع رؤية مصر من السد، وبالتالى لابد من التفاهم والتنسيق بين الدول الثلاث فى إدارة وتشغيل السد.


كل المواقف جاءت لتعكس عدم الإجماع فى الموقف السوداني، وأن هناك الكثير من المواقف والآراء الرافضة للسد، أو على الأقل غير متفقة مع وجهة النظر السابقة، ومع ذلك أوضح الموقف السودانى الأخير من التوقيع على الوثيقة المطروحة على خلفية المفاوضات التى رعتها واشنطن، تردد الجانب السوداني، إذ تغيبت إثيوبيا، فيما امتنعت السودان عن التوقيع، بل وتحفظت على بعض بنود الاتفاق، مشترطة عدم التوقيع بدون حضور الجانب الإثيوبي، مما يعكس أن الموقف السودانى لا يزال مذبذبا، أو على أقل تقدير أنه لا يزال يقف مبتعدًا عن المسافة التى تقف بها مصر، لكن يبقى موقفه المتسق مع الموقفين المصرى والأمريكى من رفض بدء ملء وتشغيل سد النهضة دون توقيع اتفاق بين الدول الثلاث.


الاخبار المرتبطة




الأكثر قراءة



 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة