غجر البحر.. روايات للناجين من إعصار «تسونامي» غجر البحر.. روايات للناجين من إعصار «تسونامي»

حكايات| غجر البحر.. روايات للناجين من إعصار «تسونامي»

زينب السنوسي الإثنين، 09 مارس 2020 - 08:32 م

وابل من الذكريات يحتم عليك العودة في كل مرة، ينهشك فيها الواقع بويلاته، في البحر ملاذ آمن لهذه القصص؛ لا شيء يضيع هناك.. ففي جزر القلوب المنعزلة التي لا تعرف عمر أفرادها، ولا تشغلها عدد ساعات النهار، يكون للترحال متعة حتى وإن كان في حقيقة الأمر اضطرارًا، لا شوارع لا أموال ولا بشر تضج بهم اليابسة.. وسط البراح؛ كل صراعات الدنيا مهما تضاعفت، تتواضع أمام «غجر البحر».

 

 

ما بين إندونيسيا والفلبين وماليزيا، حائرة هي قبيلة الباجاو، تعيش على الترحال، وسط المياه باستخدام قوارب خشبية بدائية، لذا أطلق عليهم «غجر البحر»؛ لا تعنيهم صراعات اليابسة، لا طبقية، لا طائفية، لا صراعات على تملك الأرض ولا أموال، لا شيء هنا سوى الإنسانية، القابعة في «أكواخ» مصنوعة من خشب بسيط لا يتجاوز حدود الراحة التي يتطلبها الجسد بعد عناء يوم مرهق وسط المياه ما بين مقايضة الأسماك بالسلع الزراعية.

 

 

 

شعب مُنع من العيش في الأراضي الماليزية بعد هجرته من الفلبين، ورجل ضخم اسمه باجاو، ذهب للصيد لشعبه في عرض البحر، وخطط لقتله إلا أنه نجا وتوارث الأجيال سيرته، وشعب كان يعيش على اليابسة ويحكمه ملك ابتلع البحر ابنته، فأمر الشعب أن يبحث عنها لكن سدى فظلوا هناك؛ الجمل السابقة تلخص أبرز ثلاث روايات حول أصول غجر البحر.

 

عن «تسونامي» الذي لم يصب الغجر

 

«كالماء في الخزان».. سكون خاص خيم على صباح يوم الأحد 26 ديسمبر من العام 2004، الذي حملت ساعاته اللاحقة أمواج تسونامي، العاتية في المحيط الهندي، على بعد 55 كيلو متر من البر الرئيسي لجنوب تايلاند، في طريق الموجة المباشرة لتسونامي.

 

 

آلاف الأسماك طفت على السطح، وأعداد كبيرة من الدلافين اتجهت إلى البحر الأعمق تفاديًا للموج العاتي، لكن غجر البحر توقعوا الأمواج التي اجتاحت قراهم في العام 2004، ومعظمهم فروا سالمين، إلى جزر موكو سورين المجاورة.


رواية الناجين من «تسونامي»

 

هوك، شاب من قبيلة الباجاو يعيش في سورين، على متن قارب طويل لصيد الحبار، متذكرًا ذلك اليوم، فيقول: «لم يكن هناك رياح، كان المحيط هادئًا جدًا، حتى رأيت قمة بيضاء لموجة مخيفة تقترب، كانت كبيرة جدًا ظننت أنها سفينة، ثم ارتطمت بالأرض فانقلبت ودفعتني الموجة إلى المياه العميقة لساعات طويلة، لكن لأن الغطس طبيعة ثانية كامنة في ذات غجر البحر، لذلك لا يحتاجون أقنعة تحميهم من الماء».

 

 

وتابع هوك، قائلا: إن كثيرين آخرين كان البحر ملاذهم الآمن فلم يخشوا تسونامي، بما في ذلك طواقم الصيد التايلندية ممن أمضوا حياتهم على الماء، مؤكداً أن التقديرات تشير إلى أن أكثر من 230 ألف شخص لقوا مصرعهم على أيدي الأمواج، التي بلغ ارتفاعها 100 قدم وطالت 14 دولة ساحلية.

 

اقرأ للمحررة أيضًا| «فياجرا» للسيدات فقط.. صرخات من داخل الغرف المغلقة

 

شقيق هوك، كان في طريقه للشاطئ لجمع العسل، ولاحظ انحسار المد والجزر عالقة في الرمال، فعاد إلى القرية، - مجموعة من الأكواخ المحنطة على حافة الماء - لمناقشة هذه العلامات مع كبار السن، بعد ذلك بوقت قصير، قررت عائلته الإخلاء ثم في غضون دقائق، ضربت الموجة، كل شيء، لا تزال عيناه معلقتان كنجمة شاهدة على حدث لن يفلته الزمن وسيبقى محفورًا في تلابيب الذاكرة.

 

 

أما رئيس القبيلة كان لزامًا عليه أن يوجه تحذيرات للجميع مطمئنا إياهم في الوقت ذاته: «هذا شائع، إنه شيء قديم ابتلع جزرًا بأكملها من قبل، عندما جاءت الموجة الأولى، واجهت البحر وطلبت من الله تجنيب شعبي الموت، واستجاب لي».

 

اقرأ للمحررة أيضًا| من الخديوي لعشاق «الأقفال».. كيف رسم كوبري قصر النيل خريطة الرومانسية المصرية؟

 

تسونامي، علم غجر البحر، درسًا هامًا حول تفوق القراءة والكتابة على الثقافات الشفاهية واستعادة احترام للمعارف التقليدية للشيوخ ودعواتهم.

 

كيف يعيش غجر البحر؟

 

الزاوية تبدو أكثر براحًا من فوق موطئ قدم أحد أفراد غجر البحر، في أي اتجاه في عمق البحر يغرس رمحه لصيد الأسماك، الزمن علمهم أن يطوروا تقنياتهم الخاصة في الصيد لجذب الأسماك، مثل قلقلة تيارات الماء لصنع فقاعات تجذب أنواعًا من الأسماك، أو من خلال خفض حبل بأوراق مرفقة، مما يخلق شعابًا طبيعية، كل ذلك يمكن استبداله بأواني الطبخ، ومصابيح الكيروسين، والطعام والماء، إنهم يأخذون ما يكفي فقط تلبية لاحتياجاتهم العاجلة والإنسانية، ورغم ضيق العيش فإن الباجاو شعب مضياف.

 


يمكن لغجر البحر، الغوص إلى أعماق تزيد عن 20 متراً في نفس واحد، والبقاء لعدة دقائق والتحكم في خاصية الطفو، دون الحاجة إلى أوزان، مما يسمح لهم بالسير عبر قاع البحر أو البقاء بلا حراك، أو التعليق فوق الفرائس.


المرونة في مقابل صعوبة العيش

 

مع الفقر المدقع الذي يعش فيه أفراد قبيلة الباجاو تقلصت أعدادهم، إلى حوالي الألفين - قبل بضع سنوات وبالتحديد في العام 2017 كان تعدداهم 5000 بحسب خبراء – بسبب تزايد حالات الوفيات عن جرعات الأفيون الزائدة أو الحوادث الناجمة عن فرقعات الديناميت في البحر، أو عن زيجات مختلطة بين أبناء القبيلة وآخرين من خارجها.

 

 

ومع كل ذلك بدأ كثير من الغجر العمل في مجال السياحة البيئية، فضلا عن قيام البعض الآخر بالعمل لصالح شركات صيد خاصة، وبالنسبة للفتيات بدأ بعضهن الانخراط في التعليم وعقدن طموحاتهن لتعليم مجتمع الباجاو. 


الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة



 
 
 
الرجوع الى أعلى الصفحة