دكتور ياسر منجي دكتور ياسر منجي

ياسر منجي عن «كورونا»: ظاهرة «غَني الحرب» لم تتوقف عند زمن بعينه

نادية البنا الأربعاء، 18 مارس 2020 - 03:39 م

عقب ظهور فيروس كورونا ووصوله مصر وإصابة البعض به، ازدادت التكهنات والشائعات، التي دفعت بعض المستغليين لزيادة أسعار السلع، وكان للناقد والفنان التشكيلي دكتور ياسر منجي رؤية مختلفة للمشهد.. فما أشبه اليوم بالبارحة .


قال «منجي» إنه في زَمَنٍ سابقٍ، كان وصفُ (غَني حَرب) يُطلَقُ على كل مَن استَحَلّ الإثراء باستغلال عوز الناس خلال أوقات الحروب، أو أباح لنفسِه التَرَبُّح بالتعامُل مع جيوش الاحتلال، أو لم يترَفَّع عن الاتجار بمخلفات الجيوش المُنسَحِبة وبقايا مُتعَلّقات ضحاياها. 

 

وأضاف: غير أن كل جائِحةٍ جديدة، صارت تؤكد أن ظاهرة (غَني الحرب) لم تتوقف عند زمنٍ بِعَينِه، وأنها تتطور، وتُغَيّر من أدواتها وأساليبها، تبعاً لمستجدات كل عصر، ووفقاً لمتغيراته، وأنها لم تعد تقتصر فقط على من يُثرون من انتهاز الفرص في أوقات الكوارث، ويفتشون عنها في أحشاء مصائب الناس، ويستَبيحون استغلال حاجات الآخرين وآلامهم.

 

وأوضح: لقد صنعت ظروف عصرنا نمطاً جديداً من أغنياء الحرب، يلتقطون غنائمَهم من الفضاء الافتراضي، بدلاً من ميادين الحروب التقليدية، فيتاجرون في الفضول، والترَقُّب، والإثارة، والهواجس، بدلاً من السلع التموينية والذخائر. وهُم في ذلك قد لا يهدفون للإثراء المادي، بِقَدرِ ما صار سُعارُهم حصد (اللايك) و(الشير)، بتحويل منشوراتهم وصفحاتهم إلى ألسنة أفاعٍ مشقوقة، تتذبذب في الفضاء الافتراضي لاصطياد الشائعة، وفَبرَكة المعلومة، واقتناص السَّبْق الخَبَري، والصورة الغريبة، لتطويعها جميعاً في خدمة هدف أوحد، هو الانتشار على أوسع نطاق ممكن، لا يُهمُّهم في سبيل ذلك بَث الفزع، ونشر الأكاذيب، وانتحال الأفكار، والرقص على إيقاع كل غريبٍ مثير.

 

وتابع: فهذه صفحة تُسارع إلى نشر خبرٍ قد بَثَّته وكالات الأنباء لِتَوِّها، دون أن تشير لمَصدَرِه، لتوحي للآخرين بأنها هي المَصدَر، وبأنها وكالة أنباء لا يُشق لها غبار، وكأنما هي مَن صَنَعت الحدث واتخذت القرار ونشرت الخبر!، وأخرى يعمد صاحبُها إلى منشورٍ لاقى استحساناً على صفحة غيره، فينتَحِله بعد أن يُغَيِّر في صياغته، ليعيد نشر محتواه، استثماراً لطرافته أو رجاءً لانتشارِه بمثل ما انتشر على صفحة صاحب المنشور الأصلي.

 

واستكمل: وهذا منشورٌ سَمِج، لا يتورع عن تحويل مصائب الآخرين إلى مادةٍ للهُزء والسخرية المَمْجوجة، التي لا تكشف إلا عن فطرة سَقيمة وضميرٍ هامد، وتلك منشورات تتخذ من مُستجدات الأحداث غلافاً للإعلان عن سلعة بائِرة، أو مُنتَجٍ هزيل، أو للترويج لأصحابها.

 

وأشار «منجي»: ثم يطالعك مُحتَرفو إعادة صياغة المنشورات القديمة، التي كُتِبَت في سياق خطرٍ سابقٍ أو مناسبةٍ ضاغطة مَرّت عليها سنوات، ليعيدوا نشرها بعد إضافة بعض الرتوش، التي تجعلها تبدو وكأنما هي نبوءة كانت تستَشرِف الحدث، وكأنهم أصحاب كرامات ورؤىً إعجازية.

 

وقال «منجي» ثم تجدُ صفحاتٍ مِن نوع (نبيع ونشتري كل حاجة)، تواصل نهارَها بِلَيلِها عصفاً لمنشورات لا رابط بينها، باستثناء رابطٍ واحد فقط، هو ركوب موجة الحدث، وضبط المؤشر على ترَدُّد المصيبة، فتُوافيكَ بمنشورٍ عاطفي قد أُقحِمَ فيه ُ ذِكرُ الكورونا، ثم بمنشور حزين عن الكورونا، ثم بتأمُّل فلسفي عن الكورونا، ثم باقتطاع لأقوال مشاهير من سياقها، وإقحامها على الكورونا، لتجد، بقدرة قادر، أن "أخناتون" و"تولستوي" و"لاوتسو" قد (تَلَحوَسَت) أقوالهم برذاذ الفيروس. ثم إذا بهذه الصفحات تُتحِفُكَ في المنشور التالي بدرس تاريخي عن أشباه الكورونا، ثم بتحليل سياسي يلوي عنق الكورونا – ولو استطاعت أن تصفَ لك طريقة عمل الكورونا في الفُرن لَفَعَلَت - حتى إذا ما طاش منشورٌ منهم ولم يُفلح في جذب الزبائن، أفلحت منشوراتٌ أخرى.

 

وأضاف: ربما كانت دوافع تجار الحروب التقليديين واضحة وبسيطة، فهم في النهاية أناس يهدفون للإثراء المادي، ولو من مصادر غير مشروعة. غير أن أغنياء الحرب الجُدُد يضعونك في مواجهة نماذج معقدة من البشر، تتجَلّى فيها تشوهات الشخصية السَيبَرانيّة المُعاصرة، المَمسوسة بشهوة الوُلوغ في وَهم شهرة الانتشار، أياً كان نوعُ الانتشار، وأياً كان اتجاهه، حتى ولو كان من قبيل انتشار الدود في جِيَفِ ضحايا الكوارث.
 


الاخبار المرتبطة




الأكثر قراءة



 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة