عبدالله البقالى عبدالله البقالى

حديث الأسبوع

ضرورة إعادة ترتيب الأولويات والاختيارات

بوابة أخبار اليوم السبت، 11 أبريل 2020 - 07:27 م

أحتمل أن الإعلان عن نهاية مرحلة أزمة « كوفيد 19 « سيتم بصفة مفاجئة، تماما كما اقتحم علينا حياتنا اليومية بمباغتة انطلقت من خبر صغير لم يحظ بكثير اهتمام من وسائل الإعلام الدولية حول ظهور فيروس جديد بمدينة ووهان الصينية، ولن نملك حينها إلا الاستسلام إلى الأمر الواقع والانتقال إلى انشغالات أخرى ستكون أكثر أهمية وراهنية، ولن نتجاوز مستوى تكريس الشك الذى رافق ذوى العقول النقدية منذ بروز هذا الوباء.
وبغض النظر عن المعطيات العلمية والسياسية المرتبطة بالوباء التى قد يتم الكشف عنها فى المدى البعيد، فإن الهزة العنيفة التى أحدثها الوباء فى مجموع الكرة الأرضية أفسحت المجال أمام الكشف عن حقائق كانت سائدة فى المجتمعات البشرية، لكنها لم تكن تحظى بأى أولوية ولا اهتمام، ذلك أن النظام الاقتصادى العالمى الذى قبض بأنفاس النظام السياسي، بما فى ذلك مراكز صناعات القرار فى العالم تطور بشكل لافت وسريع إلى نظام رأسمالى متوحش، متجرد من أى قيمة من قيم الإنسانية، نظام يركز على تحقيق الربح السريع وبأقل تكلفة مالية ممكنة، وكان من الطبيعى أن السرعة المذهلة التى سار عليها تطور النظام الاقتصادى العالمى أتاحت الفرص السانحة لتثمين جيل جديد من القيم التى تبوأت الصدارة فى اهتمامات المجتمعات البشرية، قيم الصناعة السريعة فى عوالم التغذية كما فى الفن والرياضة وفى مختلف مجالات الإنتاج، وبالتالى تحول ما أفرزته هذه القيم من نجوم ومشاهير قدوة، ليس لأجيال من المراهقين والشباب، بل وأيضا إلى قدوات يحتدى بها لدى الآباء والأمهات.
وموازاة مع ذلك توارت إلى الخلف قيم العلوم والتعليم والبحث العلمى، وصارت أجيال من اليافعين يتابعون أدق تفاصيل حياة النجوم فى مختلف مناحى الفنون والرياضات، ويجهلون كل شيء عن عالم العلوم وأسماء العلماء.
الحقيقة الصادمة التى كشفتها أزمة وباء كورونا تتجلى بوضوح كامل فى أن كل النماذج التى أفرزها نظام التفاهة العالمى، مهما بلغت شهرتهم وذاع صيتهم، وبغض النظر عن أوزانهم المالية وأحجام ثرواتهم الطائلة، فهى عاجزة تمام العجز عن مواجهة الأزمات الطارئة التى تهدد سلامة وأمن وحياة الأفراد والجماعات ومصير المجتمعات، بل كل هذه النماذج التى تحولت إلى قدوات لدى بعض المستسلمين لشراسة النظام الاقتصادى العالمى توارت إلى الخلف، واحتمت فى البيوت امتثالًا لأوامر الحجر الصحى على غرار باقى المواطنين. بيد أن مهمة الإنقاذ أنيطت بمن لم تعد المجتمعات البشرية توليهم الاهتمام اللازم وألقى بهم الاهتمام الجماعى إلى مراتب متخلفة. كتائب الإنقاذ لم تكن غير العلماء فى تخصصات الطب وعالم الجراثيم والفيروسات والصيدلة والبيولوجيا، فى مختبرات التحاليل والصور بالأشعة ومواقع تقنيات الكشف والفحص الطبى. مما يعنى أن مصير البشرية برمتها أضحى متوقفًا ورهينا بمستوى البحث العلمى وقدرته على الغوص فى تفاصيل قهر الأزمات الطارئة التى ستظل تهدد المجتمع الإنسانى، فى مراحل صراع وتنافس بين القوى الاقتصادية العالمية التى استباحت استعمال كل الأسلحة، طالما أن الغاية بالنسبة إليها تبرر الوسيلة.
إن الوباء «كوفيد 19 المستجد» أكد بما لا يدع مجالا للشك بأن النظام الدولى السائد فى حالة هشاشة مفرطة جدا، لأن الاختيارات المعتمدة فى السياسات العمومية القطرية، أو حتى الدولية،انساقت وراء خدمة أهداف غير إنسانية، ولم تعط الأولوية للبحث العلمى، ولتحفيز العلماء والخبراء فى مختلف التخصصات العلمية والتقنية،التى كانت ولاتزال أولى وأحق بالأموال الطائلة التى كانت ولاتزال تصرف لتحقيق أغراض تافهة، حتى صار لاعب كرة قدم واحد فى العالم يملك ثروة طائلة، قد لا يملكها الباحثون فى مجالات العلوم فى العالم بأسره وإن اجتمعوا، وأضحى دجال فى مجال الفنون يكدس فى حفل واحد ما لا يمكن أن يحققه عالم باحث طيلة مساره المهنى.
وباء كورونا نبهنا إلى حتمية إعادة ترتيب الأولويات فى مجتمعاتنا الحديثة التى ستزداد حدة أزماتها الطارئة فيما سيأتى من أزمان، نبهتنا الأزمة إلى ضرورة إعادة الاعتبار للتعليم الذى لم يعد مجالا ولا فضاء لاستثمار الخواص الذين لا يهمهم فيما يقدمون من خدمات غير تحقيق الربح فى أسرع وقت ممكن، نبهتنا الأزمة إلى أن التعليم مسئولية الدولة أولًا وأخيرًا، تعليمًا ينمى قدرات النقد لدى الطفل ولدى الشاب، ويمكنه من ملكات البحث العلمى الذى ينتظر منا اليوم أن نعترف له بشرعيته وبفضله فى استمرار الحياة. نبهتنا الأزمة إلى ضرورة الالتفات إلى الصحة العمومية التى تدهورت أحوالها فى كثير من مناطق العالم، لأنها لم تعد أولوية ضمن السياسات العمومية، وكشفت الأزمة عن محدودية، إن لم نقل هشاشة الأنظمة الصحية، التى كنا نعتقد أنها بلغت أوج قوتها ومتانتها، لنكتشف فى زمن أزمة طارئة أن ( مناعة القطيع ) ألقت بمئات الآلاف من المواطنين على الأرض بعدما لفظهم عجز الاستقبال فى المنشآت الصحية والاستشفائية.
أهم درس يمكن استخلاصه مما عاشته البشرية من لحظات عصيبة يتمثل فى ضرورة إعادة ترتيب أولوياتنا واختياراتنا فى السياسات العمومية المعتمدة،بما يزيد من قوة ومناعة المجتمع البشرى على مواجهة الأزمات الطارئة، التى ستتواصل فى المدى المنظور والبعيد.



الاخبار المرتبطة

السؤال الحقيقى بقى بدون جواب السؤال الحقيقى بقى بدون جواب السبت، 23 مايو 2020 08:48 م
الأهلى الأهلى الأربعاء، 20 مايو 2020 07:35 م
فايروس كورونا فايروس كورونا الأربعاء، 20 مايو 2020 07:34 م

شاشة التلفزيون شاشة التلفزيون الأربعاء، 20 مايو 2020 07:31 م
رمضـان غيـر مـع كورونـا رمضـان غيـر مـع كورونـا الإثنين، 18 مايو 2020 08:18 م
  أنهكتهم الحياة  أنهكتهم الحياة الخميس، 14 مايو 2020 06:24 م
فيروس الكورونا فيروس الكورونا الأربعاء، 13 مايو 2020 07:29 م

الأكثر قراءة



 

 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة