ياسر رزق ياسر رزق

ورقة وقلم

ياسر رزق يكتب: أولويات ما بعد الأزمـة

ياسر رزق السبت، 18 أبريل 2020 - 07:03 م

«لا بأس الآن من استخلاص دروس مما مضى، لعلها تخفف وطأة ما هو مقبل في الأزمة، أو تنير دروباً قد نسلكها في المستقبل»

نحن في قلب عاصفة.

لا نعرف ما إذا كنا في بدايتها، أم في نهاية بدايتها، أم في منتصفها، أم في بداية نهايتها..!

لا أحد يعلم على وجه الدقة متى تزول، حتى أولئك الذين يهوون التنبؤ بالمستقبل على غير دراية.

تراهم إذا تصادف وصدقت تنبؤاتهم، صعدوا درجات وعلوا مراتب. وإذا خيبت الأحداث توقعاتهم، اعتمدوا على ذاكرة الناس ذاتية المسح..!

فقط.. ندعو الله ألا تكون عاصفة الكورونا موسمية، تدور دائرتها وتعود كلما حسبنا أنها تلاشت، فتتجدد كل عامين أو بضعة أعوام..!

< < <

لا أحب وصف أننا في معركة.

هذا الوصف هو غطاء لسلوك جلد جماعي للذات، وحساب مبكر ومجمع للبشر، قبل يوم الحساب.

قطعا لسنا في معركة مع الله وجنوده. الخالق قادر - لو أراد - أن يزيل الوجود من الوجود، وقادر - لو شاء - أن يسلط جنده على كل الناس أو بعضهم ويأتي بخلق جديد.

الله الذي خلق الأوبئة والأمراض، هو الذي خلق الأمصال والأدوية، وهو الذي خلق عقل الإنسان الذي يكتشف الدواء للداء.

لو كنا في معركة مع فيروس الكورونا، لكانت الهزيمة هى المصير.

فكيف نحارب عدوا لا نراه، في ميدان لم نختره، وفي توقيت لم نحدده، وننتظر أن ننتصر؟!

ربما كانت جائحة «الكورونا» إشارة عند منحنى لتعديل مسار جماعات وأفراد.

العالم ينفق سنويا 1.8 تريليون دولار على التسليح أي أن نصيب الفرد من الإنفاق على السلاح يبلغ 257 دولاراً كل عام.

برغم ذلك لم تستطع أقوى معدات السلاح أن تحمي الناس أو أن تحمي نفسها من الفيروس المستجد غير المرئي بالعين المجردة ولا بالرادارات، وإنما بالميكروسكوبات في المعامل الطبية!

حاملة الطائرات الأمريكية «ثيودور روزڤلت»، سقط قرابة 15٪ من طاقمها مرضى بڤيروس كورونا، ومن بعدها أصيب أكثر من ثلث طاقم حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديجول» بالڤيروس، وتعطلت الحاملتان بنسبة كبيرة عن العمل بسبب هذا المخلوق متناهي الصغر..!

< < <

أزمة «كورونا»، تختلف عن سابقاتها في تاريخنا المعاصر، سواء الأزمات والكوارث الطبيعية، أو تلك من صنع الإنسان، على الأقل في الخسائر البشرية الحالية أو المنتظرة، أو المتوقعة وفقا لأسوأ السيناريوهات.

على سبيل المثال.. حصدت الأنفلونزا الأسبانية (1918- 1919) أرواح نحو 50 مليون إنسان وفق أقل التقديرات، حين كان عدد سكان العالم لا يتجاوز 1.9 مليار نسمة.

وأزهقت الحرب العالمية الثانية (1939-1945) أرواح قرابة 50 مليون إنسان أيضا، حين كان تعداد العالم يبلغ 2.5 مليار نسمة فحسب.

وجه الاختلاف أن العالم في مجمله يعيش أزمة «الكورونا» بكل قاراته وبلدانه على أطراف أصابعه، لأن الأجيال الحالية لم تعاصر الأزمات الطبيعية والبشرية السابقة، فليس من يقرأ كمن يعايش..!

العالم يتابع الآن وعلى الهواء مباشرة تأثيرات تغلغل الجائحة بمختلف أبعادها على الأقاليم والدول، مما يجعل ما يحدث في إقليم فاعل أو دولة كبرى له تأثير «الدومينو» على اقتصادات باقي الدول، على نحو لحظي ومتسارع وهائل.

ولن يكون مدعاة للاستغراب بمرور الوقت أن تنتقل معدلات التدهور في الخسائر المالية باقتصادات الدول والتجمعات الإقليمية من المتوالية العددية إلى المتوالية الهندسية، كلما استشرت حالة الذعر في الأسواق، وانتقلت عدواها عبر أجهزة الاتصال والتواصل في الفضاء الالكتروني، وكلما خيمت حالة «اللا تيقن» أكثر وأكثر على أروقة صنع القرار الاقتصادي والسياسي.

سبب آخر يزيد من وطأة الإحساس بهذه الأزمة الراهنة هو تنامي شعور الناس وسط حظر التجوال والعزل الجبري في المنازل، بـ«رهاب الأماكن المغلقة» أو ما يعرف بـ«كلوسترو فوبيا». برغم أن أجيال الشباب، بل والبعض من كبار السن، يعيشون من قبل نشوء الأزمات، في أماكن مغلقة هى ذواتهم، بينما هم يحسبون أنفسهم وسط العالم الافتراضي في حالة انفتاح وتواصل اجتماعي مع الآخرين..!

< < <

القدر كان رحيما بنا نحن المصريين، وببلدنا مصر.

نتخيل ماذا لو جاءت هذه الجائحة منذ 9 سنوات مضت، في قلب ثورة 25 يناير 2011 والتسونامي المصاحب لها؟!

ماذا لو جاءت أثناء حكم الإخوان، وما أدراك ما حكم المرشد؟!

ماذا لو جاءت في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013، حينما كانت الدولة فى حالة ترنح فوق مفاصل سائبة؟!

ماذا لو جاءت أثناء «العسرة» الاقتصادية قبيل إجراءات الإصلاح وتحرير سعر الصرف؟!

ربما كان لتلك الإصلاحات ومعها تدشين المشروعات العملاقة والكبرى ومشروعات بناء المدن الجديدة ومد شبكة الطرق والتوسع في البنية الأساسية، الأثر الفعال في توقع المؤسسات الدولية للاقتصاد المصري بأن يكون هو الوحيد الذي يسجل معدل نمو موجبا في المنطقة وسط معدلات تراجع لاقتصادات دول الشرق الأوسط.

كأننا كنا ننجز، وفى نفس الوقت نتحصن لما هو غير معلوم من تصاريف القدر.

< < <

سواء كنا في قلب عاصفة نحتمي من رياحها، أو كنا على طريق نتلمس خطانا وسط المطبات والعراقيل، فلا بأس من استخلاص دروس مما مضى، لعلها تخفف وطأة ما هو مقبل في الأزمة، أو تنير دروب ما بعد الأزمة..!

حتى لو قيل أن الوقت مبكر لاستخلاص عبر من عاصفة لم تتبدد ومن طريق لم يبلغ نهايته، فالأفضل أن نتخيل متطلبات المستقبل على ضوء ما مررنا به وعشناه، بدلا من أن يأتي الغد بأشياء كنا نستطيع أن نتهيأ لها أو أن ندرأها.

في تقديري المتواضع، أنه مع انشغال أجهزة الدولة سواء منفردة أو في إطار جمعي، بمجريات الأمور ومواكبة تأثيراتها المنتظرة وآثارها المتوقعة على مختلف نواحي الحياة وإدارة شئون البلاد، لابد من وجود خلية عمل أو كيان ما، يستخلص الدروس ويضع تصورات لتعديل بعض الاستراتيجيات واستحداث بدائل، تناسب الأحوال المستجدة في اليوم التالي لزوال الأزمة.

وأحسب هذا الأمر إما في الأذهان، أو دخل الخدمة فعليا، وأظنني على صواب بالنظر إلى التجارب الماضية على امتداد 6 سنوات مضت في جمهورية السيسي.

< < <

ثمة دروس - في رأيي- يمكن استخلاصها من آثار ڤيروس «كورونا» بأبعادها المختلفة على مصر تحديدا.

أهمها كما أظن، هو مراجعة السياسة التي كانت مقترحة للحد من دور الجيش في مشروعات التنمية، وإعادة النظر في هذه السياسة، بعدما ثبت أنه أكثر أدوات الدولة فعالية، في سرعة إنجاز ما لا يستطيع غيره من جهات انجازه بنفس الكفاءة والتكلفة الرشيدة، وأيضا في سرعة التلبية في مواجهة الطوارئ من أزمات وكوارث، وبعدما ثبت أيضا أنه لا غنى عن الدور المتضافر للقوات المسلحة وأجهزتها في الحماية والبناء مع الدفاع والردع.

في ذات السياق.. لابد من عدم الانسياق إلى ضجيج جماعات أصحاب المصالح الذين دأبوا على التصايح مطالبين بقصقصة أجنحة الدولة، وقصر دورها على التنظيم دون التخطيط والإدارة والملكية في بعض مجالات الاقتصاد، برغم أننا شاهدنا الرئيس الأمريكي ترامب الذي يعتبر من دهاقنة الرأسمالية الغربية، يتوعد اثنتين من كبريات الشركات الأمريكية بالتأميم ما لم ترضخ لقرارات السلطة الفيدرالية وتنتج أقنعة الوجه والأردية الوقائية بكميات ضخمة تلبى الاحتياجات المطلوبة في البلاد.

< < <

وأعتقد أن الدروس المستفادة من أزمة «كورونا» تفرض على الدولة المصرية التعمق أكثر في إدارة الاقتصاد والتخطيط المركزي للمجالات التي يتطلبها الواقع الجديد بعد الأزمة، والتوسع في إنشاء مشروعات زراعية صناعية لإنتاج سلع إستراتيجية لا غنى عن توافرها في أوقات الأزمة.

ولابد من وجود قطاع عام مشترك جديد تمتلك فيه الدولة حصة حاكمة وتطرح أسهمه للمواطنين وللشركات الخاصة ورجال الأعمال لتملكه، مع اختيار عناصر كفؤة لحسن إدارته وفقا للإستراتيجية التي تضعها الدولة.

أظن الدولة سوف تزيد من سرعة إنجاز مشروعات الاستصلاح التي تستهدف زراعة مليون ونصف المليون فدان، بجانب مزارع الصوب التى ينتظر أن تنتج وفقا لما هو مستهدف ما يعادل حصاد مليون فدان فى المحاصيل والخضراوات والفواكه.

وسوف تزيد أيضاً من إيقاع مشروعات تحويل مصر إلى قوة صناعية، من خلال تقديم التسهيلات اللازمة لاجتذاب رءوس الأموال التي ستغادر الصين فى أعقاب الجائحة، من أجل إنشاء مشروعات تلبى متطلبات السوق الأوروبية القريبة، لاسيما أن إعادة تحريك الاقتصادات في بعض الدول الأوروبية الكبرى يحتاج إلى جهد كبير ويتطلب وقتا غير قصير.

< < <

ولعل الدولة ستعطي الأولوية في خططها القادمة للتوسع في مشروعات الصناعات الغذائية القائمة على مزارع الاستصلاح الجديدة، والصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تلبي احتياجات المواطنين في الحالات الطارئة كالأوبئة والزلازل -لا قدر الله- وغيرها، كأقنعة الوجه والأردية وكواشف الحرارة والمطهرات، في مثل حالة وباء كورونا، وكذلك السلع الخفيفة التي نعتمد على الاستيراد في توفيرها، وربما نجد في أوقات ما أن الاستيراد لم يعد ممكنا وأن الأسواق خلت من تلك السلع وبعضها ضروري للاستهلاك أو لإدخال قيمة مضافة إليها في عملية إنتاج جديدة. 
ثمة أولوية متوقعة أيضاً للتوسع في إنشاء المستشفيات ومراكز البحث العلمي بالجامعات خاصة في المجالات الطبية، وكذلك في شركات السلاسل الغذائية وشركات نقل البضائع والتسليم المنزلي والدفع الإلكتروني ومنتجات الترفيه.

هذا بجانب مشروعات البناء والتشييد والعمران في كل أرجاء مصر، التي تستهدف بجانب تطوير شبكة الطرق وإنشاء المدن الجديدة والإسكان الاجتماعي، إيجاد فرص عمل متجددة توفر مصادر الرزق لملايين من العمالة العادية في مجالات عدة، ومن ثم فإن هذه المشروعات لها أدوار اقتصادية واجتماعية وأمنية متضافرة.

وفى تقديري، فإن البنوك لابد أن تعد من الآن حزما من التسهيلات الائتمانية للقطاع الخاص الراغب في إنشاء مشروعات كثيفة العمالة أو المشروعات التي تستهدف زراعة محاصيل أو تصنيع سلع وبضائع أو توفير خدمات، من تلك التي تعتبرها الدولة ذات أولوية في الوقت الراهن، وتضع لها قوائم واضحة. ويجب أن نضع فى الحسبان، تحديث خطط وبرامج التعليم خاصة التعليم الفني، لتوفير عمالة يحتاجها سوق العمل الجديد.

ولابد أيضا من وضع ضوابط تلزم القطاع الخاص بالتأمين على العمالة لديه، حتى لا نفاجأ بالاستغناء عن أعداد منهم دون توفر تعويضات أو إعانات مؤقتة، في أوقات أزمات مشابهة، لا سيما أن هناك أصواتاً من رموز تنتمي للرأسمالية المتوحشة سمعناها تدعو إما للاستغناء عن العمالة، أو عدم الاكتراث بصحة العمال وحياتهم في سبيل استمرار مشروعاتهم في الدوران ومراكمة ثرواتهم أكواما فوق أكوام..!
< < <

وفي قلب معمعة الخيارات الجديدة والأولويات المستحدثة.. لابد أن ترتفع وتيرة محاربة جماعة الإخوان الإرهابية، وملاحقة عناصرهم المعادية للوطن سواء الموجودة على الأرض، أو التي تمارس أعمالها التخريبية على الفضاء الإلكتروني باختلاق الأكاذيب وترويج الشائعات. ولعل القضاء المصري الشامخ يسارع في إصدار أحكامه العادلة الباتة ضد قيادات الإخوان، إغلاقا لأي أبواب يتوهم أعضاء الجماعة أنها متروكة مواربة للعودة إلى الحياة العامة..!

< < <

ويجب ألا نغفل درسا مستفادا بالغ الأهمية من هذه الأزمة، للاستنارة به في رسم سياسات المستقبل، وهو الدور الذي لا غنى عنه للإعلام الوطني من صحف ومحطات تليفزيون وشبكات إذاعية في الحشد والتأثير وضبط السلوك العام وإحكام سيطرة الدولة في أوقات الأزمات على شئون الإدارة ومصالح المواطنين، فضلا عن نقل قرارات الدولة إلى الناس وهموم المواطنين إلى الحكومة، في جسر من اتجاهين.

ليس خافيا على أحد، التقدير الذي يكنه الرئيس عبدالفتاح السيسي لدور الإعلام المصري بالذات في التعامل مع الأزمة، وهو ما كان محل ثناء علني من جانب الرئيس أمام المشاهدين من جموع الشعب المصري.

فالرئيس يعلم أن رجال الصحافة والإعلام في الشارع جنبا إلى جنب مع رجال الجيش والشرطة وأطقم الرعاية الصحية في أوقات العمل وساعات حظر التجوال ليل نهار، يؤدون رسالتهم في الإعلام والتوعية والتنوير، مؤمنين بدورهم الوطني كمقاتلين بالقلم والميكروفون والكاميرا في سبيل خدمة مصر الغالية وأبنائها.

ولعل الأزمة الراهنة تدفع أيضا إلى العمل على تعزيز المؤسسات الصحفية والإعلامية الرسمية والعامة والخاصة أيضا ودعم دورها وتهيئة المناخ للقيام برسالتها، لاسيما أن الأزمة الحالية كانت رصاصة ثانية تلقتها اقتصادات هذه المؤسسات بعد الرصاصة الأولى التي تلقتها في الصدر إثر قرار تحرير سعر صرف الجنيه، ولعل الرصاصة الأخيرة لا تصيب القلب..!

وعسى أن تبادر الحكومة وعلى رأسها المحترم الهمام الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء بتوفير دعم مالي للمؤسسات الصحفية يمكنها من تخطي الأزمة الراهنة التي أدت إلى توقف معظم مصادر دخل هذه المؤسسات وعلى رأسها إعلانات الصحف والطرق.

وأدعو إلى وضع منتجات الترفيه والثقافة والإعلام ضمن قائمة الصناعات التي تضعها الدولة في صدارة أولوياتها خلال الفترة المقبلة، وتقدم لها التسهيلات المتاحة وشروط التمويل الميسرة.

< < <

في كل الأحوال.. علينا أن نعد حتى «رقم عشرة» قبل أن نتخذ قراراً في لحظة ما، لا نعرف متى ستأتي، برفع أو تخفيف الإجراءات الاحترازية، وعودة الأمور إلى طبيعتها، عند انحسار حدة الإصابات أو عدم تسجيل حالات وفاة جديدة بالفيروس.

فقد يكمن الفيروس، ليعود - لا سمح الله - ملتفاً ومباغتاً على نحو أشد شراسة.

الحديث متصل.

.. وحفظ الله الجميع.
 



الاخبار المرتبطة


الأكثر قراءة



 

 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة