قوقعة الأذن - صورة موضوعية قوقعة الأذن - صورة موضوعية

«حياة الصمت تغتالهم».. نرصد ألاعيب مافيا نزع القوقعة من أذن الصم والبكم

بوابة أخبار اليوم الخميس، 29 أكتوبر 2020 - 04:59 م

كتبت: شاهندة أبو العز

◄ محتكرو قطع غيار الأجهزة التعويضية تتاجر بأوجاعهم بوقف إنتاج وصيانة السماعات.. والصحة: «ملناش دعوة»

◄ «3 إخوة» مهددون بالصمم مرة أخرى بعد اختفاء القطع المطلوبة وغلاء الصيانة

◄ محروس: نتحمل جزء من مصاريف تحديث الأجهزة ..و«المريض بيستهلكنا»

 

لم يرحم أحد عجزهم بل بات احتياجهم للأجهزة التعويضية مرتعاً لمافيا التجارة بها .. معاناة كبيرة تواجه الصم والبكم ، في تحقيق حلمهم لزرع القوقعة داخل مستشفيات التأمين الصحي، قد تمتد لأعوام طويلة في طوابير الانتظار .. وبعدما يحصل الأصم عليها يدخل في مرحلة جديدة من العناء بسبب سماسرة قطع غيار الأجهزة التعويضية وصيانتها.. ممن تفننوا في جمع أموال طائلة علي وجع المرضي .


«الأخبار المسائي» ترصد معاناة الصم بعد زراعة القوقعة ورجوعهم  لحياة الصمت مرة أخرى بعد وقف إنتاج السماعات الخارجية للقوقعة من قبل الشركات المنتجة، لإجبار المرضى على تحديث الأجهزة بآلاف الجنيهات.


في عام ( 2001) عادت الحياة تدب في عائلة سعيد يوسف، فبعدما كان أولاده الثلاثة رانيا - إيهاب- رضوى ,يعيشون في صمت بسبب إعاقتهم السمعية “الصم” بدأوا في تمييز الكلمات لأول مرة، بعد خضوعهم لعملية زراعة القوقعة لإعادة السمع، وتأهيلهم من خلال جلسات التخاطب.


لم تكلل الفرحة التي عاشتها عائلة سعيد يوسف بعودة السمع والكلام مرة أخرى، لتبدأ معاناة جديدة في الحصول على قطع غيار بديلة للسماعات الخارجية للقوقعة.


تقول رانيا سعيد يوسف: بعد فرحتنا برجوع السمع شعرنا أن الأعباء المالية زادت جداً، وتراكمت الديون علينا لتوفير مصاريف قطع غيار الجهاز مثل البطاريات تصل إلى 500 جنيه شهريا والكابلات تتراوح أسعارها من 240 لـ 280 جنيهاً.


وتضيف رانيا، في أوقات عدم توافر المال لجأت لِـ ورش “تحت بير السلم” لتصليح الكابلات تارة والبطارية تارة أخرى، وفي بعض الأحيان للجمعيات الخيرية لتصليح الجهاز، حتى لا أتعرض إلى فقدان السمع مرة أخرى، وخصوصاً بعدما تزوجت وأنا لا أعمل.


اليوم وبعد مرور أكثر من 19 عاماً، عادت “رانيا” مرة أخرى إلى الصم محاولة قراءة حركات الشفايف، بعد عطل أصاب الجهاز, ولكن رغم محاولتها تعجز عن فهم طفلتها التي لم تبلغ 7 أشهر.


ففي شهر أكتوبر الماضي أصدر تقرير فني بعدم توافر قطع غيار وصيانه لـموديل السماعات التي تستخدمها رانيا وأخواتها الـ 2 من قبل الشركة الوكيلة بمصر، مطالبة إياهم بتحديث السماعات بأخرى والتى يبلغ سعرها 125 ألف جنيه.


توقف صيانة الموديل


توقفت حياة محمد عواد (48) عاماً ليعود مرة أخرى لعالم الصمت بعد مرور 15 عاماً من السمع والأحاديث، نتيجة لتوقف الشركة الوكيل لجهاز القوقعة بمصر نهائياً عن إنتاج قطع غيار وصيانة “موديل” السماعات التي يستعين بها للخروج من حالة “ الصمم”..وتأثرت حالته النفسية التي ألقت أثرها على صحته الجسدية، بعدما كان أكثر الموظفين نشاطاً في عمله برئاسة حي المطرية.


يقول محمد عواد، أحد زارعي القوقعة ورب لأسرة مكونة من 5 أفراد، تكاليف صيانة جهاز القوقعة بمثابة ميزانية الأسرة كاملة،” كنت بستعين بطوب الأرض ودائماً ما كنت أتردد على جمعيات “شئون الصم” لمساندتي في مصاريف الصيانة التي تتخطى الـ 5 آلاف جنيه، نظراً لأن التأمين الصحي لا يساعد في تكلفة الصيانة”.


بعد معاناة مع البنوك والجمعيات الخيرية التي لجأ إليها “محمد” تجميع المبلغ المطلوب تحديث الجهاز الخارجي للقوقعة نسجت خيوط الأمل لدى عائلة واهتز عالم الصمت بعد تحديث السماعات -الهارموني- بـ 65 ألف جنيه.


يضيف محمد، بعدما دفعت 65 ألف جنيه في تحديث لم أستفيد به، اليوم مطالب بدفع 130 ألف جنيه لكي أحافظ على خاصية السمع، والتأمين الصحي قرر أن يتكفل بـ 15 ألف جنيه، من أصل المبلغ.


لم يستفد محمد عواد بالتحديث الذي قام به منذ سنوات، لعدم توافق السماعات مع الجهاز الداخلي للقوقعة، مما أصابه بالصم مرة أخرى، محاولاً فهم الكلمات بصعوبة تامة، فلم تعد لغة الإشارة تعبر عنه أو حركات الشفاه توضح ما يقصده المستمعون.


45 ألف سماعة 


تحملت مبادرة الكشف المبكر عن ضعف السمع خلال العام 2019 التكلفة الكاملة لـ 45 ألف سماعة، إلى جانب المتابعة المستمرة للتدريب والتأهيل، بينما أجرت مبادرة رئيس الجمهورية لإنهاء ومنع قوائم الانتظار نحو 2500 زراعة قوقعة، وتستهدف الحكومة المصرية إجراء 5 آلاف حالة زراعة قوقعة سنوياً.


 لحظة من فقدان القوقعة


وفي قرية (بهبيت ) بمركز العياط التابع لمحافظة الجيزة، يعيش شهاب عبدالحميد (5) سنوات مهدد بفقدان السمع والرجوع إلى حالة الصم مرة ثانية بعد إجراء عملية زراعة القوقعة في النصف الأخير من عام 2016.


اكتشف الجد في الشهور الأولى من ولادة حفيده أنه لا يستجيب للأصوات، ليخضع الطفل “شهاب” إلى علاج استمر لأكثر من شهرين، دون نتيجة حتى تم تشخيصه بـ “ضعف سمع عصبي حسي شديد”.


يروي عبد الحميد: كنا في معاناة تم صرف سماعة أُذن لمدة 3 أشهر لمعرفة إذا كان الطفل سيستجيب بالسماعة الخارجية أم يحتاج إلى عملية زراعة قوقعة، بجانب جلسات تخاطب.


ويتابع عبد الحميد والد شهاب  قائلاً: “خضعنا لجلسات تخاطب تابعة للتأمين الصحي ،تكلفة المشوار في اليوم كانت لا تقل عن 200 جنيه، ولكن دون فائدة حتى تم إجراء عملية زراعة القوقعة عن طريق إحدى الجمعيات الخيرية.


بعد مرور شهر من إجراء زراعة القوقعة بدأ شهاب جلسات التخاطب ثانية، خصص الأب حينها 5 آلاف جنيه شهرياً حتى يستطيع تأهيل الصغير على الكلام، حيث يبلغ سعر الجلسة الواحدة 480 جنيهاً.


ومن جانب أخر كانت المعاناة مع قطع غيار السماعات الخارجية للقوقعة خلال 6 أشهر من تركيب الجهاز تم تغير سلك وبطاريتين بـ 15000 ألف جنيه.


بعد مرور 3 سنوات على زراعة القوقعة لشهاب وتأهيله من خلال جلسات التخاطب، ناشدت الشركة الخاصة بإنتاج وصيانة سماعات القوقعة وكلائها بضرورة تحديث الجهاز خلال الأشهر القادمة بقيمة 170 ألف جنيه، نظراً لتوقفها عن استيراد أو صيانة الأجهزة المستعملة، الأمر الذي جعل العائلة مُهددة بفقدان سمع طفلهم في لحظة.


مصنع تصنيع القوقعة


وفي سبتمبر عام 2019، أعلنت الحكومة المصرية برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي أنها تستهدف فى خطتها المستقبلية فى مبادرة رئيس الجمهورية للقضاء على قوائم الانتظار دراسة إنشاء مصنع لتصنيع القوقعة وقطع غيار الأجهزة الخارجية لعمليات زراعة القوقعة.


كابوس التحديث


أكثر من سنة ونصف حاول فيها الأب محمد علي حسونة  العامل بقطاع هيئة السكة الحديد، جمع 95 ألف جنيه لإجراء عملية زراعة قوقعة لابنه أحمد (12) عاماً، بعد موافقة التأمين الصحي بالمساهمة في إجراء العملية بـ 45 ألف جنيه  فقط. “ لا أملك مليم أو ورث، وشغال موظف، وبدأت رحلة الشحاته” بهذه الكلمات بدأ محمد علي حسونة حديثه عن معاناة أولاده زارعي القوقعة قائلاً: بعد محاولات عديدة لعلاج ابني أحمد الذي يعاني من إعاقة سمعية.

 

كان الحل الوحيد هو إجراء عملية زراعة القوقعة لإعادة السمع، فكل أب يريد أن يرى ابنه يتكلم ويسمع مثل باقي الأطفال. ..دخل محمد العديد من الجمعيات واقترض العديد من الأموال حتى أصبحت الديون تتراكم عليه واحد تلو الأخر، استطاع الطفل أحمد من زراعة القوقعة في عام 2012 بمستشفى عين شمس التخصصي، لتبدأ رحلة صيانة أجهزة القوقعة والتي يتخطى صيانة أي جزء منها 10 آلاف جنيه.

 

لم تنته معاناة محمد علي حسونة عند ابنه الأول، بل في عام 2016 قرر إجراء عملية زراعة القوقعة لابنته الكبرى داليا ذات الـ (20) عاماً بعدما عانت من ضعف شديد في السمع وكادت أن تفقد سماعها نهائياً.


يتساءل محمد.. كيف لموظف في هيئة حكومية ,أن يوفر بمفرده أسعار قطع غيار لسماعات القوقعة والتي يبلغ سعرها 30 ألف جنيه ,وصيانتها  لطفلين، أو رجوعهم للصمم مرة ثانية؟. “كابوس التحديث” الحالة التي يعيشها الأب محمد علي حسونة بعدما أرسلت شركة صيانة أجهزة القوقعة تقرير فني بوقف إنتاج قطع غيار الأجهزة التي يستخدمها أحمد وداليا، مطالبة إياه بتحديث نوع السماعات الخارجية بالنوع الأحدث والذي يبلغ سعره 175 ألف جنيه.


 70% منهم يعانون من الصمم 


الدكتورة فادية عبد الجواد رئيس جمعية السمع صوت الحياة تقول :إن 70% ممن قاموا بإجراء عملية زراعة القوقعة يعانون من صم مرة أخرى، بسبب عدم توفير الأموال الباهظة التي تحتاجها السماعات الخارجية للقوقعة من حيث صيانة أو قطع الغيار.


وأشارت إلى أن الجزء الخارجي يحتاج إلى صيانة وقطع غيار مدى الحياة. ونوهت فادية أن زراعة القوقعة يحتاج شهرياً كابلات وبطاريات يتراوح أسعارهم من 3 لـ 6 آلاف جنيه، متساءلة كيف لرب أسرة أن يتحمل كل هذه الميزانية بمفرده طيلة حياته؟ حيث توجه ميزانية الأسرة بالكامل إلى من زرع القوقعة. وتابعت رئيس جمعية السمع صوت الحياة، أن أجهزة القوقعة الخارجية تحتاج إلى تحديث دوري، حتى لا يرجع المريض للصم، فلماذا لم يتم وضع خطة مدروسة لمعاناة الأهالي بعد زراعة القوقعة في توفير قطع الغيار والتحديث.


ونوهت فادية أن منذ سنتين قررت الشركات الوكيلة في مصر عن كل ما يتعلق بأجهزة القوقعة وهم 4 شركات فقط، بمخاطبة جميع الأهالي بوقف تصنيع الأجهزة التي يستعملونها وبالتالي عدم توفير قطع غيار قائلة: “ حتى لو الأهل مش عايزين تحديث الأجهزة الخارجية ولا مميزاتها عشان سعرها اللي بيوصل 195 ألف جنيه مش هيلاقي قطع غيار للجهاز اللي معاه”.


كما يقول الدكتور علي محروس نائب رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، إن قطع الغيار أجهزة القوقعة المختص بها الشركات الخاصة المنتجة، وليس مسؤولية هيئة التأمين. مضيفاً أن المنتفع - زارعي القوقعة- يقوم بتقديم طلب لهيئة التأمين سواء لشراء قطع غيار أو تحديث الأجهزة لمراسلة الشركات.

 

وأوضح نائب رئيس هيئة التأمين الصحي أن هناك بروتوكولات لتحديد المدة المطلوبة لتحديث أجهزة القوقعة، ولكن في بعض حالات يجرى عليها استثناءات إذا كانت البروتوكولات تقف في طريق الطفل أو تسبب له مشاكل. ويشير محروس، أن الهيئة تتحمل جزء من مصاريف تحديث أجهزة القوقعة والجزء الأخر يتحمله الأهالي، بسبب ارتفاع تكلفة التحديث والتي قد تصل إلى 180 ألف جنيه.

 

ونوه إلى أن الهيئة تنظر إلى حالة زراعة القوقعة إذا كان قد أجرى تحديث سابق أو ساهمت هيئة التأمين في صيانة القوقعة أو قطع الغيار ثم تحدد النسبة التي تساهم بها في التحديث قائلاً “ دي فلوس كتير ومش مفروض زارعي القوقعة يستهلكني لازم يحافظ على حاجته”. وفي محاولة للاتصال بـ”رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي” دكتور محمد ضاحي للرد على حل أزمة توقف الشركات المنتجة لأجهزة القوقعة بعض الموديلات السماعات التي يستعملها العديد من أهالي القوقعة، امتنع عن الرد.


الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة



 
 
 
الرجوع الى أعلى الصفحة