سمير الجمل سمير الجمل

يوميات الأخبار

متى تفتح الباب.. يا محمد؟!

بوابة أخبار اليوم الأحد، 29 نوفمبر 2020 - 08:10 م

يكتبها اليوم : سمير الجمل

وفى ليلته الأخيرة بل وساعاته التى ما بعدها ساعة فتح بابه.. وأطل عليها واحتضنها على غير عادته وطلب منها العفو والسماح.

كأنه الراهب فى صومعته لا يغادرها إلا للضرورة.. ثم يعود إليها.. ويغلق عليه باب احزانه وهمومه ويقبض عليها.. بنفس خوف من يخشى على ثروته من السرقة.. ويغلى من داخله.. ولا مجال لبخار الغضب أن ينفذ حتى لا ينفجر.
وأهله ينظرون إليه لا حول لهم ولا قوة.. يتابعون اخباره الشحيحة التى تتسرب من زملاء العمل وهم على كثرتهم.. إليه اقل القليل حتى انه اختصرهم فى صديق واحد.. جعله خزينة المواجع.. وكثيرا ما وقفت أمه على بابه تناديه فى عزلته ولا مجيب ويأتى من يأتى من اختيه وزوجيهما وعيالهما.. فيحكم اغلاق باب ألمه على نفسه خاصة فى مناسبات تجتمع فيها العائلات على لقمة وضحكة وذكرى.
أولادهما يلعبون ويصرخون وهو من الداخل.. يفكر فى ولديه وقد ابتعدا عنه بفعل فاعل.. واقصى ما يجد سلواه فيه أن يفتح معرض صوره على الموبايل أو الكمبيوتر يقلب اللقطات والحكايات وتزداد حيرته وحسرته على ذلك البيت الذى كان صرحا فهوى على غير ما اراد.. يحاول أن يقول لمن تسكن بيته وتأكل رغيفه.. براءتى ليست جريمة يتم عقابى عليها.. ومكرك وتدبيرك ليست ميزة تستحقين عليها جائزة وبقدر حاجتك إلى المال الكثير تطيرينه فى المولات والمحلات.. فإن المودة تبنى أكثر.. ولا مجيب..
هو من النوع الذى يعبر عن حبه بموقف فلا يجيد الكلام.. ولا يميل إلى الاغانى والدباديب وحتى تاريخ تجنيده فى معسكر الزوجية بسلاح العكننة والنكد.. ابتعد عن مناسبات الأهل والأقارب إلا أن يمشى فى الجنائز ويقدم واجب العزاء، وعن الافراح وأعياد الميلاد فهو عازف وزاهد فيها.. وربما ورث ذلك من ابيه الذى يعتذر عن التجمعات الرسمية بجملة اعتبرها نشيده القومى:
للأسف لا أملك بدلة وكرافتة!
ولم يكن يبالغ فقد وضع رابطة العنق ١٨٠ ثانية فقط هى عمر التقاط الصورة التذكارية الرسمية لرجل وامرأة يدخلان إلى العش.. وفيها من يهش ومن ينش ومن يكش ومن يدش ومن لا يملك إلا وجهه الواحد.. ومن يحتفظ فى دولابه اليومى بألف وش.. ووش.
خطوة منك .. خطوة منى
قانون عمرو دياب وتامر حسنى واليسا وانغام.. لا يعمر البيوت ولا يصفها.. لان كلام الأغانى.. ومنهجها يصلح للتسالى على الكورنيش مع اتنين ليمون سواء على السور أو فى الكازينو.. البيوت يكهربها ذلك الحب الذى يشتعل فجأة ثم يتحول إلى رماد.. لكن الصداقة هى الضمان وأساسها قاعدة: انت لست ملاكا لكى تعتبرنى من الشياطين، وانظروا إلى نسبة الطلاق بين الشباب والبعض منهم يهتم ببروجرام الفرح.. أكثر من اهتمامه ببروجرام بيته وادارته بالمودة والرحمة.
أتعس أنواع الارتباط تحت سقف الزوجية.. أن يتحول البيت إلى حلبة مصارعة.. بسبب عدم التكافؤ فى المال، فى العلم، فى القيمة، فى الحسب، وهؤلاء عند أول خلاف يتنابزون بالالقاب والممتلكات بعكس الذين دخلوا إلى الحياة العائلية وقد قرر كل واحد منهما أن يقبل الطرف الآخر، كما هو وإن نجح فى تغيير خصاله المذمومة إلى الحسنى فله اجره وإن لم يفلح.. ينزل هو من برجه لكى يأخذ بيده ودائما يرفع الكلفة والمتاريس والحواجز بالفعل وبالانسانية وليس بالكلام.. فقط.
وقد عشت تجربة اديب كبير.. مع زوجته التى لم تبلغ من المؤهلات إلا القليل.. وكان هو حقوقيا.. التحق بالصحافة فى مؤسسة شهيرة. وكانت له قصصه ومسرحياته ومسلسلاته واسمه.. ورفض أن تكون زوجته التى احب فيها فطرتها وجدعنتها مجرد ظل لشمسه المتوهجة.. فقد أخذ بيدها.. فقرأت ودرست.. وعرفت الطريق إلى الكتابة.. وأصبح لها اسمها فى عالم المسرح والمسلسلات حتى وقعت بينهما الواقعة.. عندما كانت هى بمسلسلاتها فى دائرة الضوء الواسعة.. وهو بأدبه المكتوب فى دائرة الادباتية المحدودة.. لم تتمرد عليه.. ولكنه نظر إليها بعين الماضى.. وكانت هى تنظر إليه بعين الحاضر.. واصطدم الاستاذ بتلميذته.. وعاشا فى البيت الواحد كل له بابه وحياته.. وعمله.. لكن هذا لم يدم طويلا لان ارادة الحب كانت أقوى.. لان كليهما وإن كان يعتز بذاته.. لم يشطب الآخر.. ويتجاهله أو يلغه.. هى ببساطتها تعترف فى كل مكان انه استاذها وهو يقول سرا وعلانية وبالمكتوب والمسموع: هى حب العمر.. وقد انتصرت ارادة القرب.. على شياطين البعاد.. لان النوايا خالصة.. وما يجمع أقوى مما يفرق.
خلف الباب
تتطلع الأم إلى الباب المغلق الذى يفصلها عن ابنها الوحيد.. وتشعر بالندم.. لانها ساقته إلى الزواج رغم أنفه.. ولم يرفضه ارضاء لأمه.. ولانه يرى ابناء جيله وقد أصبحوا من الاباء.. وعلى الجانب الاخر يرى زملاء العمل من المتزوجين ومنهم الكثير من يأتى إلى الشغل يحمل هموم الدنيا على كاهله.. يعانى ويعانى حتى تحول إلى ذلك الثور الذى يدور فى الساقية وهو مغمض العينين.. ووصايا السابقات من الأمهات:
- نفضى جيوبه أولا بأول.
- اشغليه بالعيال حتى لا ينشغل عنك.
- عوديه على طبعك.. واستخدمى اسلحتك فى الوقت المناسب.. والمرأة فى فنون الكيد والغواية لها تاريخها عبر التاريخ والجغرافيا.
وقد تفلح هذه القوانين مع فلان.. لكن مع علان يلاعبها على الشناكل.. وهى مثل الخاتم فى اصبعه.. ويكون كيده أعظم ومكره اشد والعياذ بالله.
لكن البرىء الواضح قد يتحول فى كل ثانية إلى متهم عليه أن يصرخ طوال الوقت:
- برىء يا ناس.. برىء يا عالم!!
ولا من مجيب.. حتى يظل طوال الوقت فى قفص اتهامه لا يبرحه.. لان رضا الست.. من رضا أمريكا على دول العالم الثالث!!
والناس معادن.. والناس اذواق.. ودرجات.. وعقول فيها الصالح وفيها من لا تصلح معه ورش الحرفيين كلها.. والعقل هو النعمة الكبرى.. بشرط أن يكون الموتور الذى يحركه يدور ناحية اليمين.. ويرفض الدوران فى اتجاه الشمال وقد قال الحكماء إن الانسان الذى يتحرك قلبه قبل عقله.. قد يفقد ارادة السيطرة على مشاعره.. لكن من يتحرك عقله أولا قبل قلبه قد يصبح آلة.. بلا احساس فإذا اجتمع العقل والقلب معا.. كانت «البصيرة» والله سبحانه وتعالى يقول فى كتابه الكريم الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فى الآية رقم ٤٦ من سورة الحج:
 «‎أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ» وفى الآية يبين ربنا سبحانه وتعالى الفارق بين القلب الذى يعقل.. والقلب الطائش الأعمى.. الأول يعرف طريقه ومهما ابتعد عنه عاد إليه.. والثانى ينزلق إلى دوامة لا يعرف فيها رأسه من قدمه.. وتتلاعب به الأمواج من كل جانب.
الأم تعرف أن ابنها مثل سائر الخلق له ما له وعليه ما عليه لكنها تدرك جيدا انه رفع رايات الاستسلام مبكرا.. فلا درع له ولا سيف فى تلك الحروب اليومية التى لا تنتهى كأنها بحر الظلمات.
وفى ليلته الأخيرة بل وساعاته التى ما بعدها ساعة فتح بابه.. واطل عليها واحتضنها على غير عادته وطلب منها العفو والسماح.. وانهارت أمام اعتذاره الذى لم تنتظره.. ولم تطلبه.. ويكفى انه فتح بابه لها وهى لا تدرك انها الفتحة النهائية.. ويعقبها نشيد الوداع يسأل عن اختيه.. بل ويطلبهما على غير عادته وقد اقترب الفجر من اوانه ودخل الليل فى ثلثه الأخير.
احتضنته وقرأت له ما تيسر من القرآن الكريم وكان يتلو معها.. ثم بدأت الدعاء وهو يردد خلفها فى كورال اللحظات العصيبة.. عندها بلله العرق وزاغ منه البصر.. وسألته أن يرتاح قليلا.. وعاد إلى غرفته وهذه هى المرة الوحيدة التى لم يغلق عليه بابه.. ونام وكانت هى النومة ودخلت بعد قليل تقلبه ذات اليمين وذات الشمال ولا من مجيب وكانت رسالته:
- اشبعوا بدنياكم ويارب انى مغلوب فانتصر.. ها أنا قد تركت لهم بابى ولجأت إلى بابك وانت ارحم الراحمين وقد قلت فى كتابك العظيم فى سورة الحديد:
 «‎مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» صدق الله العظيم.

الاخبار المرتبطة

نهاية «الحجر الداير» ! نهاية «الحجر الداير» ! الإثنين، 25 يناير 2021 07:46 م
٢٥ يناير.. تضحيات وبطولات ٢٥ يناير.. تضحيات وبطولات الأحد، 24 يناير 2021 08:52 م
التعليم فى زمن الكورونا التعليم فى زمن الكورونا السبت، 23 يناير 2021 09:27 م
ويدفع الأطفال الثمن! ويدفع الأطفال الثمن! السبت، 23 يناير 2021 12:23 ص

 

الصالحون الذين لا نعرفهم الصالحون الذين لا نعرفهم الخميس، 21 يناير 2021 10:02 م
وحيد حامد: باق فى مصر بإبداعاته وحيد حامد: باق فى مصر بإبداعاته الثلاثاء، 19 يناير 2021 09:59 م
ذهب ما أعطيتموه وبقى ما أعطاكم! ذهب ما أعطيتموه وبقى ما أعطاكم! الإثنين، 18 يناير 2021 09:16 م
«الهوا.. له ودان» «الهوا.. له ودان» الأحد، 17 يناير 2021 06:47 م
المونديال.. جرعة أمل المونديال.. جرعة أمل السبت، 16 يناير 2021 05:27 م

الأكثر قراءة

 

 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة