د.هالة رمضان د.هالة رمضان

د. هالة رمضان مدير المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية تتحدث لـ «الأخبار» :

«القومى للبحوث الاجتماعية» : المصرى مسرف فى مشاعره واستهلاكه

هاني قطب السبت، 10 أبريل 2021 - 07:27 م

الغارمات ضحية مجتمع لا يرحم  ..الحكومة تنفذ إصلاحاً حقيقياً .. وتدير أزمة جائحة كورونا باقتدار

الدراما الوطنية
 بـ «عافية»..
و«الاختيار»
بداية الإصلاح

ما أن تعبر بوابات «المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية»، ستقع عينك على لافتة ضخمة تتكون من كلمتين هما « العلم والعدالة»، اللتان اتخذتهما هذه المؤسسة العريقة شعاراً لها»، ليكون العلم وفق أهدافها هو الوسيلة والطريق لتحقيق العدالة . ومنذ تأسيس المركز عام 1955 على يد العالم د. أحمد خليفة، عكست سياساته هذا الشعار حتى فى تولى مناصبه القيادية، فكانت العدالة حاضرة فى المساواة بين الرجل والمرأة فى تولى مسئولية هذا الصرح العلمي، الذى تديره ، حاليا د. هالة رمضان.
وبينما يعانى العالم من جائحة عالمية أفرزت بعض التغييرات فى العلاقات الاجتماعية وأسلوب التعليم ، بل وحتى فى علاقتنا ببيوت العبادة، إضافة إلى إطلالة بعض الظواهر القديمة بوجه أكثر قبحا مثل ظاهرة التحرش، يكتسب الحوار مع السيدة القابعة فى محراب «العلم والعدالة» أهمية خاصة.
وخلال الحوار كانت د. هالة على قدر ما توقعناه، حيث قامت بتشريح بعض الظواهر علميا، لنصل معها فى النهاية إلى أن ما كنا نظنه ظلما هو عين الحق والعدالة.. وإلى نص الحوار.

 

- بداية كيف رأيتى قضية الطفلة ضحية التحرش ؟
--   للأسف وبصراحة لقد تم الاعتداءعلى الطفلة مرتين، مرة عن طريق الشخص المتحرش، ومرة أخرى فى التسابق إلى نشر تفاصيل الواقعة.
- من وقت لآخر تطفو على السطح حالات تحرش أو وقائع اغتصاب خاصة فى الفترة الأخيرة.. هل أصبحت ظاهرة ؟
--  بالطبع لا، لأنها حالات فردية ولم تصبح ظاهرة ، لسبب بسيط، وهو الرادع العقابى، وتغيير مفاهيم الفتيات اللاتى أصبحن لا يخشين الإبلاغ عن أى واقعة مخلة بالحياء،ومثل هذه الوقائع محدودة وفى طريقنا للقضاء عليها.
- فى ظل أزمة كورونا أصبحت المساجد تغلق فور كل صلاة، فهل ذلك يؤثر على دورها كأداة للتنشئة الدينية ؟
--   بناء الساجد قبل المساجد، مقولة يجب أن نعيها جيدا، فقد كان المسجد جامعة وليس جامعا لتعليم نشء وتقويم شباب وتصحيح مفاهيم، ولكن مادامت الحاجة قد دعت لإغلاقه جزئيا كنوع من الإجراءات الاحترازية، فهذا لايمنع من أن يستمر دور المسجد خارجه،فنحن بحاجة لجهد الإمام قبل فتح المكان لبناء الإنسان.
- ماذا تقصدين بأننا فى حاجة لجهد الإنسان قبل فتح المكان؟
 يجب ألا نغفل دور رجل الدين، وهو إمام المسجد،الذى يجب أن يكون له دور اجتماعى ونفسى وثقافى يستطيع من خلاله التأثير فيمن حوله وفى محيطه، ودوره ليس مقصورا على المسجد فقط، لأن دوره ببساطة ليس مجرد وظيفة بل رسالة يؤديها، وكنت أتمنى أن يظهر هذا الدور فى أزمة كورونا فى الشارع المتمثل فى حصر المحتاجين والسعى لتوفير الدواء للمرضى, فهو الأقدر على ذلك.
وهذا بالتحديد ما كان يدعو إليه الرئيس السيسى، عندما طالب بإثقال مهارات الأئمة بالعلوم الإنسانية، وإن كنت أرى أن عودة فتح المساجد لأداء دورها بعد انتهاء الجائحة أمر ضرورى، لأن ذلك يشعر المواطن بأن هذه الأماكن ملكا له، فيشعر بامتنانه للدولة.
 كنتم رئيسا لقسم التعليم بالمركز، فهل ترون أن «التعليم عن بعد» الذى أوجدته جائحة كورونا أثبت فاعليته كبديل للتعليم المباشر؟
  إدارة الأزمات هو البحث عن أفضل البدائل، وأؤكد أن مصر تعاملت مع ملف التعليم بنوع من الاحترافية الشديدة فى ظل الجائحة والتى جعلت من «التعليم عن بعد» واقعا الا أنه ليس بديلا، لكن يمكن الاستفادة منه ككل، لأن الواقع ببساطة يشير إلى أن الدول التى اخترعت مثل هذه النوعية من التعليم، اتجهت إلى التعليم المباشر باعتباره لاغنى عنه، فهو الموجه لسلوك الشخص والمكون لشخصيته والداعم لتوجهاته والتفاعل مع المدرس والتلميذ والمدير والفراش كلها دعائم للشخص نفسه.
 وكيف تقيمين خطوة رفع الدعم عن بعض السلع مثل الوقود، هل هى خطوة للعدالة أم توفير للبناء ؟
  رفع الدعم خطوة حقيقية على طريق الإصلاح، فهو عدالة للتوزيع، فمن غير المعقول أن يشترك الغنى مع الفقير فى حقه، وأيضا هو وسيلة توفير لبناء دعائم دولة جديدة سيعود نفعها على أبناء الجميع، فليس على الإطلاق حرمان للمحتاج من حقه، بدليل أن المستفيدين من أموال التضامن الاجتماعى فى زيادة سواء فى عددهم أو ما يتقاضونه، وهذا ما كان يجب أن يتم منذ فترات بعيدة، ضمانا لوصوله إلى مستحقيه، فالعدالة فى التوزيع، هو الضمان لمعيشة أفضل، وما ينطوى عليه من إعلاء لقيمة الانتماء التى تكتسب بما تقدمه الدوله لأبنائها.
 معيار الاستهلاك لدى المصريين هل هو ثقافة أم توارث أجيال ؟
  المواطن المصرى مسرف بطبعه, ليس فى مشاعره فقط سواء فى الفرح او الحزن، ولكن أيضا فى استهلاكه، وهذا ليس له علاقة بالغنى او الفقر، بدليل أن مواسم عروض الأجهزة وبيعها بأسعار أقل فى مهرجانات، يجده المواطن فرصة يجب استغلالها حتى ولو لم يكن فى حاجة لها، وكذلك فى حفلات العرس أو تجهيز العرائس تتكبد الأسرة فوق طاقتها وهذا ما يحتاج إلى ثقافة للحد منه، فما الفائدة من أن نحمل أنفسنا ما لا نطيق والنتيجة مشكلات وأعباء تضاف على كاهلنا.
 وهل هذا له علاقة بقضية الغارمين والغارمات والتى تم إعداد ندوة لها بالمركز ؟
  الغارمون والغارمات فئة من محدودى الدخل ، إن لم تكن من معدومى الدخل وقعت تحت طائلة ووطأة الحاجة لتجهيزأبنائهم من أجل الزواج ، والنهاية الزج بهم فى السجن، فهم ضحايا مجتمع لم يرشدهم ولم نعتبر بأجيال زمان، الذين كانوا يرددون «خذوهم فقراء يغنكم الله».
  معدل حالات الطلاق فى ارتفاع حتى تكاد تصل إلى ظاهرة.. فما السبيل لحل المشكلة ؟
  للأسف هذه حقيقة صعبة والأخطر أن ما يسمى بـ «الطلاق السريع» بلغت ذروته فى الفترة الماضية، وأهم أسباب الطلاق تدخل الوالدين بشكل سافر فى حياة الزوجين، علاوة على عدم تقدير الزوج للمسئوليات الأسرية، بخلاف الاستقلال الاقتصادى للمرأة، فلم تعد رهن دخل زوجها، وبالتالى لها الحرية فى الانفصال متى شاءت، والنتيجة قضايا نفقة وطلاق تمتلئ بها المحاكم عن آخرها، والنتيجة أطفال ناقمين على من حولهم بسبب نشئتهم فى جو غير سليم، لذلك يقع حل مثل هذه القضية على عاتق رجال الدين، لأنهم الأقدر على توعية المقبلين على الزواج بمسئولياتهم.
 هل أصبح المجتمع فى حالة توازن مع تمكين المرأة بشكل لم يحدث من قبل ؟
   يجب ألا يقتصر مفهومنا لتمكين المرأة على الحقائب الوزارية أو زيادة عدد النائبات فقط، ولكن بتوفير فرص عمل ومصادر دخل ومشروعات تضمن دخلا مرتفعا للمرأة، وكل هذا ينطوى تحت مسمى التمكين.
وتمكين المرأة لا يعنى منافسة الرجل، ولكن التمكين الحقيقى هو أن تكون مساندة للرجل،فالمرأة المصرية طوال تاريخها وبالأخص فى الريف المصرى كانت مساندة للرجل،فهى ربة منزل وعاملة فى الحقل وعائلة لأطفالها.
 وما هو تقييمك لمدى اهتمام الدولة بأطفال الشوارع، هل حدث أى تغيير فى ادارة الدولة لهذا الملف ؟
  بالتأكيد أصبح هناك العديد من دور الإيواء خلاف الخط الساخن لنجدة الطفل، وأنا شاهد على دوره الفاعل، لكن المشكلة فى رفض هذه الفئة الذهاب معهم بسبب تكسبهم من وراء عملهم بالشارع.. وللأسف هناك ظاهرة زواج أطفال الشوارع والتى تنتج جيلا أخطر ومن هنا تأتى ضرورة الأسر البديلة بجانب دور الإيواء والتى قام الرئيس السيسى بالتأكيد على دورها برفع رواتبهم.
 وهل زيادة بدل الأسر البديلة كفيل بالقضاء على أطفال الشوارع الجدد؟
   بصراحة هذه الخطوة مفيدة جدا لأن زيادة بدل هذه الأسر إلى 1000 جنيه يجعلها أكثر إقبالا واهتماما بدورهم، وهذا يضمن بالفعل القضاء على جيل جديد من اطفال الشوارع.
 بمناسبة تمكين المرأة، كيف ترين وصول المرأة الإفريقية لمنصب رئيس دولة؟
  آخر النماذج المشرفة التى تقلدت هذا المنصب الرفيع هى السيدة سامية صالح حسن رئيس تنزانيا، التى أصبحت تاسع امرأة فى أفريقيا تتولى منصب رئيس الدولة وثانى مسلمة أفريقية تتقلد هذا المنصب لتكون قائمة الشرف النسائى فى زيادة، وتمثل سامية صالح حسن أو ماما سامية، كما تسمى فى تنزانيا، بداية مرحلة تصالحية فى السياسة التنزانية، بما يعزز من الانتقال الديموقراطي.
 وماذا عن المشروعات الضخمة التى تقوم بها الدولة ؟
  هناك إصلاحات حقيقية على أرض الواقع، تحدث تعويضا لسنوات عجاف من الإهمال، فلا يعقل أن نعيش على ٤٪ من مساحة مصر والرقعة الزراعية فى تناقص، فمثل هذه المشروعات ستصب فى مصلحة الجميع إن عاجلا أو آجلا، ولنا أن نفخر بمشروعات مثل القضاء على العشوائيات، واستصلاح أراض جديدة،وكل ذلك لاستيعاب الزيادة السكانية، والفئات البسيطة أول المستفيدين من هذه المشروعات، فالمواطن البسيط الذى كان يعيش فى العشوائيات، يعيش الآن حياة آدمية،والربط بين المحافظات جعل الاستثمار فى أى مكان سهلا للغاية.
 وما الذى يدفع إلى الهجرة غير الشرعية.. هل عدم وجود فرص حقيقية أم البحث عن الثراء السريع ؟
  كلا السببين وجهان لعملة احدة, وهي المخاطرة بالنفس والأموال، برغم إنه وبقليل من التوجيه السليم، نجد أن استغلال المبالغ التى تم دفعها للهجرة، يضمن للشخص رزقا معقولا، وبمزيد من البحث عن فرص حقيقية من السهل إيجاد الطريق لتحقيق ثراء بشكل افضل فى البلد.
 كيف قرأتِ تأثير وباء كورونا على مصر اقتصاديا ؟
  حقيقة لاشك فيها، فقد هدد الوباء اقتصاديات العالم، وأودى بحياة الملايين، وكان له تأثيره على مصر شأن الجميع، لكن التوفيق فى إدارة مثل هذه الأزمة جعل الحكومة المصرية تسعى للحد من الأضرار بقدر المستطاع، وكان همها الأول صحة المواطن،  وكم كان الرئيس السيسى عظيما عندما قام بإرسال معونات لدول متقدمة جعلتها الجائحة دول عاجزة، ليثبت للعالم أن مصر فعلا «خزائن الأرض».
   وفيما يخص تأثير الوباء على المواطنين سلوكيا واخلاقيا ؟
  الشعب المصرى لايستجيب للرسائل الشفهية، لكن يؤمن بالتجربة العملية، وهذا ماحدث عندما وجد أن الأمور تسير للأسوأ والدائرة تضيق، فحمل على عاتقه كل الإجراءات الإحترازية،وقد أتى ذلك بثماره فى تقليل العدوى بشكل كبير، وضرب الجميع أروع القيم أخلاقيا، عندما تسارعوا فى الوقوف بجوار من اضطرته الجائحة إلى ترك عمله أو كان لديه حاجة للعلاج، وكم كانت تنهال التبرعات على المؤسسات الخيرية بشكل لم يحدث من قبل،وأخذت ثقافة الوعى الصحى لدى المواطن شكلا جديدا على كل المستويات، ونتمنى استمرار ذلك، لأننا بدأنا نلاحظ بعض التراخي.
 الدراما المصرية إلى أين تسير بالمجتمع وبالنشء الجديد ؟
  الدراما زمان كانت انعكاسا للواقع والمجتمع، لكن الآن اصبح المجتمع يستمد قيمه من الدراما التى تعكس قيما مهتزة، فجيلى ممن تربى على دراما لها تأثيرها فى وجداننا،وشكلت قيمنا، وكنا نلتف جميعا حول تلك المسلسلات التى كنا نشعر من خلالها بدفء الاسرة وتمدنا بقيم ندين لها حتى الآن، فمن منا لايتذكر «ليالى الحلمية»، « الوتد»، «الضوء الشارد»، « أهالينا، لكن الدراما الآن بـ «عافية» وتصدر لنا قيما سلبية، وللأسف أصبحت قدوة للجيل الجديد, ولنا أن نتخيل كم مشاهد المخدرات والكحوليات بشكل يعكس قيما سلبية للمجتمع المصرى، وينعكس على أسلوب النشء الجديد.
وماذا عن مسلسل «الاختيار» بجزءيه ؟
  بداية جديدة لدراما تتناول تجسيدا لبطولات شهداء الوطن بشكل مميز والحرص على إنتاج الجديد كل عام خطوة لتعليم النشء حب الانتماء وإصلاح ما أفسدته دراما أثرت بالسلب على أجيال كاملة، وإن كنت أرى أن يمتد هذا المحتوى على الدراما الأسرية أيضا.
 وهل تستشعرين خطرا بعد أن أصبحت الدراما الهندية والتركية ضيفا فى كل بيت مصرى ؟
  مثل هذه الدراما ليست غزوا ثقافيا، بل ثراء فى الإنتاج،وتمكين المشاهد من التعرف على الثقافات والعادات المختلفة، حتى إن كانت تتعارض مع القيم والعادات الوطنية،فمن شأن ذلك تعليم الجيل الجديد «ثقافة الاختلاف»، وللدراما الوطنية دور فى تصحيح كل ما يتعارض مع ثقافتنا.
  وأخيرا.. ما هى مكانة المركز بين المراكز المتخصصة فى البحوث الاجتماعية والجنائية عربيا وإفريقيا ؟
  المركز هو الأفضل بشهادة المؤسسات المتخصصة فى التقييم، فقد تم منحه جائزة التميز كأفضل مركز فى الشرق الأوسط وإفريقيا من «المؤسسة العلمية الأمريكية لتبادل المعرفة»، وتم تسليم هذه الجائزة عام 2015، وهذا نتاج تضافر جهود كل العاملين به على امتداد سنوات .

 

 

 

الاخبار المرتبطة

 

الأكثر قراءة


الرجوع الى أعلى الصفحة