محمد العزبي محمد العزبي

ليلة في «معتقل» كورونا

الأخبار الأربعاء، 08 ديسمبر 2021 - 06:03 م

 ساعتها قررت أن أنفد بجلدى. قالوا تنفد بجلدك.. مش ممكن.. ولا ببوليس النجدة.. وهات يا تسويف..

تعرضت لتجربة قاسية وقد بلغت من الكبر عتيا؛ وكأننى اتحسدت؛ وأهلى وأحبابى ومن تبقى من الأصدقاء يصرون على الاحتفال بعيد ميلادى التسعين وأصر صديقى الكاتب الصحفى "محمد توفيق" أن يكرر كلمة "الشاب التسعينى"  كلما ذكر اسمى بمناسة أو بدون مناسبة يغفر له كتبه التى أصدرها وأهمها "ملك وكتابة" من ثلاثة أجزاء تؤرخ للصحافة المصرية؛ سبقها كتب ضمت حوارات مع عدد من الشخصيات التى أحبها وأولهم "أحمد رجب" الذى أذكر له أننى ذهبت إليه موفدا من مجلة "كاريكاتير" أدعوه للكتابة على صفحاتها وبالدولار وبالمبلغ الذى يحدده فقال لى: تشرب قهوة - ولم تكن تلك عادته -  ورفض استكمال الحديث فى ما ذهبت إليه من أجله لأنه لا يكتب إلا فى أخبار اليوم.. أما الكتاب الثانى من كتب توفيق فكان عن الخال "عبد الرحمن الأبنودى" الذى عرفته جيدا من عشرة ست أشهر معتقلين مع آخرين فى سجن "مزرعة طرة" وأتذكر حوارا دار بين "خالد محيى  الدين" المتحمس للإفراج عنا فذهب إلى وزير الداخلية يستشهد  بالأبنودى شاعرا جميلا يجلس على قهوة "ريش" كثيرا ويتكلم طويلا وأراد أن يذكره بأغنيته "تحت الشجر يا وهيبة" فأبدى شعراوى جمعة عدم معرفته به وأجاب: "الأبنودى مين؟ ثم قال ضاحكا: تقصد "وانا كل ماقول التوبة".. ولم يتم الإفراج عنا.

للأبنودى  قصيدة "يا حضرة الظابط" لم تكن للنشر أو الغناء..
"أنا المسجون المطحون اللى تاريخى مركون.. وانت قلاوون وابن طولون  ونابليون.. الزنزانة دى مبنية قبل الكون".. وباقى الكلام يزعل الحكومة!
ولقد داهمتنا الكورونا إذا قفلنا الباب دخلت من الشباك.. علاجها اسمه "بروتوكول" اجتهاد من الأطباء فليس لها علاج حتى عند من يتيهون بأنهم وصلوا إلى القمر!

أصابنا القلق وفقدنا أحباء فنصحونا
بمسحة ثمنها مبالغ فيه.. وقد كان!
 المهم أنه حدث ما لم نكن نتوقعه أنا وزوجتى: "إيجابى"
احتار ابنى الذى كان قد جاء من لندن حيث يعيش هو وأسرته فحاول أن يخفى الأمر عنا واحتار حتى نصحه صديق بأخذنا إلى مستشفى وساعده على أن يجد لنا مكانا فيما يسمونه معزل والله هو الشافى.

أخذنا نضرب أخماسا فى أسداس والمستشفى يطاردنا: إن ما جيتوش خلال ساعة سنلغى الحجز.. وكان الإلحاح بما يشبه التهديد مما جعلنا نرتبك أكثر حتى توكلنا على الله فهرولنا لنستقل الإسعاف الذى أرسلها المستشفى على عجل وعلى حسابنا.
 كان الليل قد انتصف واكتشفت عند وصولى أننى ببيجامة وزوجتى بفستان ولكنها عارية القدمين!
 كله تمام فقد استقبلنا الأطباء وأحدث الأجهرة على أكمل وجه لندخل عنبرا وحجرة فيها شخص ثالث ولا بأس مادام العزل قائما.
 حاولنا النوم لولا أن وردية منتصف الليل من الممرضات ملائكة الرحمة قد وصلت ولا يساعدها على سهر الليالى إلا الغناء الجماعى بصوت مرتفع لم أعرف منه إلا "عندى شعرة ساعة تروح وساعة تيجى".

وماله.. تسالى آخر الليل!
 وجاء الصباح وموعد الإفطار يوزعونه على المرضى فى عربة صغيرة تجرها فتاة صغيرة حائرة فليس معها إفطار لى وسمعتها تتساءل مع كبيرة الممرضات ماذا تفعل؛ أمهلتها حتى تسأل إيه الحكاية على طريقة "عمرو أديب" حيث نأكل بعدها حلويات غير أنه بدلا من ذلك حوار بشكل مختلف وصوت مرتفع مع مندوب من مطعم المستشفى يجادل بأننى سرير بدون أكل أما الحاجة زوجتى فمريضة عادية.. لم أفهم فناديت بأعلى صوتى: ممكن تيجى عشان أفهم.. لا حياة لمن تنادى.. جاءتنى الممرضة تقول: يمكن تغيير التعليمات أو يشترى أكله من بره.. ماشى وأنا فاكر إن المستشفى بالفلوس.. ولكننى سرعان ما تذكرت أننا فى "عزل" وكيف يدخل عبر الأسوار سندويتش فول من العربية اللى واقفة ع الناصية أمام المستشفى؟!

يا نهار أسود!
 ساعتها قررت أن أنفد بجلدى. قالوا تنفد بجلدك.. مش ممكن.. ولا ببوليس النجدة.. وهات يا تسويف..
كل المفاوضات طول النهار مع الممرضات ولا مسئول بأى  درجة يسأل أو يظهر؛ حتى قضى الأمر عندما جاء الليل.. تشخيص الحالة بأننى مشاغب أما الحاجة فيمكنها أن تبقى!

 كانت النهاية على يد طبيب يبدو أنه شاطر فى ترويض أمثالى وتلك هى الحكاية:
 دخل من غير سلام يشير إلى رقبته ويقول بندى حقنة كبيرة من هنا منها نعالج الكلى التى تهاجمها الكورونا.. أجبته بهدوء أننى لا أظن ذلك ولكننى سوف أسأل طبيبى المعالج لأنى خارج من هنا.. أسرع بقوله: أصل انت مهدد بفشل كلوى.. قلت بثقة ما أظنش لأنى عامل تحليل من كام  يوم يقول غير كده.
 أردت أن أتلطف معه فسألته: انت خريج جامعة إيه؟.. قال متأففا: عين شمس.. قلت: تعرف الدكتور فلان.. رد باقتضاب لأ مع أنه أستاذ عيون شهير فى طب عين شمس.. قلت بهدوء: يمكن كبير على سنك؛ طيب الدكتور فلان أستاذ مساعد فى أمراض الشيخوخة القسم الوحيد فى كل جامعات مصر إلا عين شمس.. قال بتأفف ما اعرفش حد.. فلم أسأله أكثر لكن هو الذى سأل: تقدر تقول لى: النهارده يوم إيه وكام؟..

• شكلها من أول يوم محاولة لعدم تنفيذ التوسط أو الرجاء أو الأمر لإنقاذى من هول الكورونا من أول الإسعاف وحتى مع السلامة بلاش وجع دماغ ! -
 بالصدفة كنت عارف اليوم والتاريخ؛ فقال بتأفف أكثر: دلوقتى نقدر نتكلم.
  ولكن الكلام خلص!!

كبار السن.. يمتنعون!
داهمتنا الكورونا ولا نملك حتى الآن سوى الدعاء؛ أن عجزت أعتى الدول وأغنى شركات الدواء عن إيجاد حل فقال الفقراء إنه غضب من الله وبداية سنوات يوم القيامة.

الغريب هو استهتار الناس بذلك الهول العظيم الذى لا يترك الغنى أو الفقير ولا الحاكم أو المحكوم. الناس فى الشوارع لا تلبس الكمامة ولا يحاسبهم أحد بل يسخرون ممن يحمى بها نفسه ويحميهم!
والزحام على أشده احتفالات الموالد لا تتوقف والشيشة لها أماكنها المعروفة.. ولن أحكى لكم ما تعلمونه وتعملونه.
ولم يقصر الإعلام !.. تجاهل الاهتمام اليومى بأخبار الكورونا التى تهم القراء فيكاد يخفى أخبار المشاهير الذين أصيبوا بها إلا إذا توفاهم الله.. وأنا لا أعرف ولا أحد يعرف أخبار زميلنا الصحفى والإعلامى "وائل الإبراشى".. أما أصحاب البرامج التليفزيونية فيستضيفون الخبراء والمسئولين ليتكلموا هم ويؤمن الضيف على كلامهم.. والسلام عليكم!.

ولم يحظ حادث ضبط  كميات من التطعيم ملقاة فى ترعة بأحد فروع النيل بالصعيد - وما يعنيه ذلك من شبهات - بإبراز إعلامى يتناسب مع خطورته.. حتى أحيل الأمر للقضاء!.

ناهيك عما يروى عن مراكز التطعيم وازدحام والفوضى التى تصل إلى حد البهدلة والضرب.. والتشكيك فى ذمة شهادات التطعيم والمبالغة فى رسوم استخراجها إلى آخره.

وكان الحل هو المنع الذى فرضته الحكومة باشتراط إظهار شهادة التطعيم قبل دخول المصالح الحكومية أو المدارس والجامعات.. والبقية تأتى!
 كل ذلك وغيره معروف ومسكوت عنه.. ولكننى أعتقد أنه مثل أمور أخرى كثيرة يبدو وكأننا فوجئنا بالكارثة فلم نستعد لها.. والذى يهمنى: ماذا تفعلون مع كبار السن والمرضى الذين لا يستطيعون مغادرة سرايرهم؟!

لم أجد إجابة ولم تفلح واسطة مع أننا بلد علشان خاطرى؟.. هذا ومازلت أبحث عن واسطة رابعة أو خامسة.. يا مسهل!
فى الشهر العقارى مثلا - وهو أيضا حكومة - ندفع رسم انتقال رسميًا!!
 هل ننتهزها ووزير الصحة بالنيابة "الدكتور خالد عبد الغفار" كى نناشده أن يجد حلا سريعا ورسميا لتطعيم كبار السن والمرضى فى منازلهم ؟! وأنا أعرف سعة أفقه وسماحته من أيام ممارسته لطب الأسنان.. أم أن للوزارة أحكاما أخرى؟!

 


 

الاخبار المرتبطة

لا بد من لمَّا لا بد من لمَّا الخميس، 27 يناير 2022 06:04 م
سَلَبتْ ليْلَى مِنِّى العقلَ سَلَبتْ ليْلَى مِنِّى العقلَ الأربعاء، 26 يناير 2022 06:06 م
المشـــــى فــــى الزمــــن المشـــــى فــــى الزمــــن الثلاثاء، 25 يناير 2022 05:48 م
آه يا ليل.. يا «مواعين»!! آه يا ليل.. يا «مواعين»!! الإثنين، 24 يناير 2022 05:25 م

إنها بهجة الكتب إنها بهجة الكتب الأحد، 23 يناير 2022 07:21 م
كتالوج الصحة النفسية كتالوج الصحة النفسية السبت، 22 يناير 2022 08:03 م
«ياريت العمر يستنى»! «ياريت العمر يستنى»! الخميس، 20 يناير 2022 07:55 م
المنصات الإعلامية.. حرة المنصات الإعلامية.. حرة الأربعاء، 19 يناير 2022 06:59 م
أنت وهى وأنا.. «نحن» المجتمع المدنى أنت وهى وأنا.. «نحن» المجتمع المدنى الثلاثاء، 18 يناير 2022 06:36 م

الأكثر قراءة



 

 

 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة