الدكتور إيمان يحيى الدكتور إيمان يحيى

قبل النكسة بيوم

أخبار الأدب الإثنين، 24 يناير 2022 - 01:22 م

الدكتور: إيمان يحيى

«ركلته فى جنبه. ركلته مرةً أخرى بقوة أشد. ركلته الثالثة بعنف، وجن جنونى فانهلت عليه بطرف الحذاء فى شتى أطرافه حتى أفرغت غضبى وهياجى. تراجعت إلى السياج، وأنا أترنح من الإعياء مرددًا: «لقد قضيت عليه». كنت أتنفس بصعوبة وأشعر بتقزز، وسيطر عليَّ إحساس مضنٍ بأننى مجنون يمارس حركات جنونية عنيفة تضيع فى الظلام»

تكاد تنفذ أصوات السيارات المنتظمة فى صفوف مزدحمة، عبر زجاج النافذة الواسعة لغرفة مكتبى. اعتدتُ على ازدحام ما قبل عطلة نهاية الأسبوع. صارت «نيويورك» موطنى، منذ أربعين عاما. مدينة كبيرة ممتلئة بالحركة، والحياة. يكرهها البعض، ويعشقها آخرون. أعيش فيها غير عابئ بكشف كنه عواطفى تجاهها. تركزت كل مشاعرى فى محيط أسرتى الصغيرة، «جين» والولدين. لم يبق لنيويورك مكان فى جوارحى، يشغل العمل معظم تفكيرى. معالم المدينة ترتسم أمام عينيَّ، ولا تتسرب إلى داخلى.

يأتينى صوت سكرتيرتى «آن» من سماعة داخلية أمامى على المكتب:
- مستر «واطسون» جاء فى موعده، هل أدعه يدخل؟
- بالطبع، أنا أنتظره.
يدخل «دافيد واطسن»، ومن ورائه «آن» بابتسامتها الرائقة. «دافيد» زميل عمل قديم، تعاونتُ معه فى استشارات إدارية، ومراجعات مالية فى عدة بلدان فى أمريكا اللاتينية، وآسيا، وأفريقيا. جاءنى صوته الأجش المألوف، وهو يصافحني:
- كيف حالك يا هامزا؟ وكيف القاهرة؟
- كما هى، ترتجف من البرد فى درجة حرارة تزيد عن العشرين فوق الصفر فى شهر يناير!
ضحك بصوت عال، فظهرت سنته الذهبية فى أقصى يمين فكه العلوى. عجيبٌ أمر «واطسن»، كل الناس تُركِب أسنان البورسلين منذ عشرين عاما، إلا هو. يُصِر على الاحتفاظ بالذهب فى فمه كصياد عجوز! انتبهت على صوت «آن» وهى تسأل:
- بماذا أضيِّفكما؟
- كأس من البراندى وكوب من القهوة السوداء لمستر «واطسن»، وفنجان كبير من النسكافيه بالحليب لي.
أعرف «ديفيد»، وما يفضله جيدًا، بفضل فترة العمل الطويلة معه. أومأت «آن» برأسها وذهبت مغلقة الباب وراءها، بينما هز «ديفيد» رأسه مسرورًا، ووضع ساقًا على ساق وهو يجلس أمامى. نظَّر إلى مليًا من خلف زجاج عويناته الطبية، وسأل بروِية مبالغ فيها:
- هل قرأت تقريرى الذى بعثت به على بريدك الإلكترونى ؟
- نعم قرأته ودرَّسته.
- ما رأيك؟
- توقعاتك تكاد أن تصيب هذه المرة. ثورة تونس قلبت كل الموازين، هاهو بلد صغير ينتفض شعبه ضد حكم استبدادى كبقية أنظمة الحكم فى بلدان الشرق الأوسط. أعتقد أن مشروع التقييم ودراسة الجدوى للبنية التحتية فى مجال الكهرباء يحتاجان إلى مراجعة!
- بالتأكيد، ولا أستبعد أن كلا من هيئة المعونة الأمريكية والبنك الدولى يعيدان حساباتهما.
- المهم أن دراسة الجدوى تحتاج إلى تحديث.
«واطسُن» من نفس عمرى تقريبًا، عمل فى «المؤسسة» فى نفس السنة التى بدأت خدمتى بها. سنوات السبعينيات الأولى من القرن االماضى التى شهدت قفزة البترودولار التى قلبت أوضاع دول الخليج العربى، بل الشرق الأوسط بأكمله.

إقرأ أيضاً | «العلاج جواك»..جامعة المنيا تطلق حملات لنشر ثقافة التبرع بالبلازما

عندما أتذكر كيف التحقت بشركة «ماكينزى وشركاه للاستشارات المالية والإدارية»، أزداد يقينا بأن العالم صغير جدًا، أصغر مما كُنتُ أتصور! بعد مغادرتى القاهرة عقب وفاة «عبد الناصر»، ذهبت إلى الكويت للعمل فى مكتب محاسبة قانونى. دفعتنى معاناة الهزيمة المُرة فى السابع والستين، والفترة التى قضيتها فى المعتقل قبلها، وبعدها إلى التفكير فى الهجرة إلى عالم غير مهزوم، وغير مريض بهواجس كاذبة. تحطم حبى الأول على صخرة الاعتقال والتقاليد البالية لأهل «كريمة»، وباركت الفوارق الطبقية بين عائلتى وعائلتها تلك النهاية. لم يعد هناك أى شيء يربطنى بالبلد. مشروع سياسى آمنت به، فظهر سرابًا خادعًا. كان الخروج هو الحل.

الرفاق الكويتيون فى «حركة القوميين العرب» أتاحوا لى الفرصة. فُرصة العمل والتنفس. محاسب مبتدئ فى مكتب محاسبة قانونى متوسط الحجم فى «السالِمية». صاحب المكتب عضو فى الحركة، يزوره بين كل حين وآخر الدكتور «أحمد الخطيب». أعداد مجلة «الحرية»، أطالعها بكل حرية فى بيتى. ملصقات منظمات المقاومة الفلسطينية تنتشر على جدران الشوارع، وحملات التبرع لها ومؤتمرات المساندة متتالية، وتكاد تكون منتظمة أسبوعيًا. فى تلك الأيام، تعرفت على «باولا» التى حولَّت من مجرى حياتي.

انفتح الباب، ودخلت «آن» تجر عربة الشاى المحملة بما طلبته، لأستفيق من دوامة الذكريات. بعد خروجها نظر «ديفيد» فى عينيَّ مستفهِمًا:
-    أين ذهبت بفكرك؟! لقد تركتنى، وطِرت إلى السماء محلقًا وحدك!
أدركت أننى _ رغما عنى _ لم أقاوم سيل الذكريات الذى تدفق بقدوم «واطسُن»، ابتسمت متلجلجًا:
-    الحق على تونس! ذكرتنى بموطنى الأصلى مصر. اليوم يوم جمعة، يوم الأجازة الأسبوعية فى مصر، وهناك دعوة للتظاهر ضد نظام الحكم هناك أسوةً بتونس!

نظر «واطسن» فى عينيَّ متسائلًا بخبث:
-    هل تشعر بشوق إلى الوطن القديم (هوم سيكنيس)، أم هى (نوستالجيا) وحنين إلى الماضي؟!
فاجأنى سؤاله الذى أثار استغرابًا شديدًا داخلى. أخفيت انفعالى، وتشاغلت برشف «النِسكافيه». لمحته يبتسم ابتسامة ماكرة، وهو يرفع كأس «البراندى» إلى فمه. قبَّل حافة كأسه بشفتيه قبلة خفيفة، ثم ارتشف القهوة المُرة باستمتاع شديد. وقبل أن يواصل حديثه، قررتُ تغيير دفة الحديث. لكن عقلى كان مشغولًا بسؤال: ما الذى يقصده «واطسُن» بالحديث عن الماضي؟! هل يعرف ماضى شبابى السياسي؟ وكيف، وهو قد التحق بالعمل فى المؤسسة معى وربما بعدى بشهور؟!

- «ديفيد»! لو تكرر ما حدث فى تونس فى مصر وغيرها من دول المنطقة، فإن أعمالنا فى الشرق الأوسط قد تتعرض لنكسة، واتفاقاتنا مع هيئة المعونة الأمريكية الخاصة بالمراجعة والحوكمة لما نقدمه، ودراسات الجدوى مهددة بالإلغاء. بل، وفى أحسن الأحوال بالتأجيل.
- أوافقك، ولكن لماذا تعتقد أن ماحدث فى تونس قد يتكرر فى بلد آخر؟ ياعزيزى مستوى التعليم فى تونس مرتفع ومؤشرات التنمية البشرية بها أعلى من غيرها، ثم أن الجيش هناك ليس بشراسة جيوش الدول العربية الأخرى. لا تنسَ أن «بن علي» ليس إلا ضابط شرطة!

دائما يُدهِشُنى بطريقة تحليله للأمور، لديه معلومات وتصورات مبدئية عن المنطقة. لكنه يتناول الأحداث بطريقة أقرب إلى السطحية من العمق. هو لا يفهم أن تلك المنطقة ثقب أسود من الاستبداد، والظُلم الاجتماعى، والتخلف. لا يدرك أن انتصار ثورة شعبية فى بلدٍ منها، قد يُغرِى شعوب البلدان الأخرى بالانتفاض. لا يمكن أبدًا استبعاد سقوط أنظمة ودول، كسقوط قطع الدومينو تباعًا!

تشاغلت مع «واطسُن» بطرح تساؤلات عن تقريره، ومحاولة الإجابة عليها. عندما أَجهَّز على قهوته السوداء وكأس البراندى، كنا قد انتهينا من مناقشاتنا. استأذن فى الانصراف، واتفقنا على موعد آخر بعد يومين لنرصد التغييرات التى قد تحدث، وقد تؤثر على مشاريعنا فى الشرق الأوسط.

الساعة الآن الثانية بعد الظهر، لن أذهب إلى المقصف فى الدور الثالث لأتناول غدائى. ذهبت السكرتيرة بعد أن أعدت قهوتى بالحليب، ووضعت أمامى فطيرة «الدوناتس»، وبقيتُ وحدى. اقتربت من النافذة الزجاجية العريضة التى وراء مكتبى، ونظرت من خلال شرائح ستارتها المعدنية المفتوحة. ضجيج السيارات يصل إلى مسامعى، رغم أننى فى الطابق الثانى والعشرين من مبنى تبلغ أدوارُه أربعة وأربعين طابقًا. واجهة المبنى- الذى يأخذ هيئة كتاب مفتوح- تطل على شارع 52 الشرقى الذى يصل مابين «ماديسون أفينيو»، و«بارك أفينيو». تبدو حركة المرور مزدحمة، فنحن فى قلب جزيرة «مانهاتن». أتذكر المرة الأولى التى دخلت فيه المبنى، كنت موظفًا جديدًا قادمًا من «الكويت». ولكن كيف وصلت من «الكويت» إلى «نيويورك»؟ تلك قصة طريفة، بطلتها «باولا» الأمريكية التى قابلتها فى مكتبة «جامعة الكويت».

كنت قد التحقت بالدراسات العليا بكلية التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية، الى جانب عملى بمكتب المحاسبة. وبينما كنت جالسًا فى صالة المطالعة بالمكتبة، إذا بسيدة شقراء طويلة ترتدى تاييرا لَبَنِيًا تقترب من الطاولة التى أجلس عليها، وتجلس فى الكرسى المقابل لى. لاحظتُ نظراتِها المصوبة نحوى من وراء نظارتها الطبية. لمحت عنوان الكتاب الذى تقرأ فيه، ولدهشتِى وجدت عنوانه مكتوبًا باللغة العربية: « تاريخ الكويت وإمارات الخليج العربي». أومأت لى برأسِها قائلةً بلغة إنجليزية راقية:
- الجو حارٌ جدا بالخارج، كيف تستطيعون تحمله؟!

ابتسمتُ، وأنا أؤكد لها أننى لست من أهل البلد، ومِثلها أعانى من حرارة الطقس. كانت تلك بداية تعارفى مع «باولا». «باولا» سكرتيرة بشركة «نفط الكويت المحدودة»، تكبُرنِى بعدة سنوات. وللغرابةِ، هى امرأة عزباء تعمل فى بلد عربى وسط ذكور يعتبرون المرأة الغربية مغنمًا حلالًا، وخاصَةً إذا كانت من ذوات الشعر الأصفر. كانتْ تسكُن فى المدينة، رغم أن مساكن الشركة فى «الأحمدي»، وكانت تُبدى اهتمامًا شديدًا باللغة العربية. فى البدء تَصورتَها إنجليزية، فهى تعمل بشركة انشأتها «بريطانيا». شركة، كان اسمُها «شركة النفط البريطانية الإيرانية»، قبل أن تتحول إلى صيغتها الحالية. تبيَّن لى جهلى عندما عرفت من «باولا» أن شركة «النفط الكويتية» هى فى الأصل شراكة ما بين شركة «البترول البريطانية» وشركة «غالف» الأمريكية التى أصبح الآن اسمها «شيفرون»، وأن «باولا» نفسها أمريكية من سكان «ميتشجان».

عندما عرِفتْ «باولا» أننى مصرى أعملُ محاسباً قانونيًا، وأترددُ على الجامعة، برقت عيناها وأبدتْ رغبتها أن أساعدها فى تعلم اللغة العربية، وخاصة اللهجة المصرية. قالت بتدللٍ واضح:
- ياللمصادفة السعيدة، كنت أبحثُ عمن يساعِدنى فى التقدم فى اللغة العربية، وهأنا أجدُه أمامي!
جاءت «باولا» فى الوقت المناسب، لتُنسينى قِصَّتى مع «كريمة» وأهلها المتعصبين لنوبيتهم. حضرتْ الشقراء بكل بهائِها، لتذهبَ سمراء النيل بعيدًا فى طَّيات الماضى. مع تطور علاقتنا، اكتشفتُ أن معلوماتها عن العالم العربى عميقة ومتنوعة. عندما أبديتُ اندهاشى، ضحِكتْ وغمزتْ بعينها اليسرى:
- أنا أعمل هنا منذ خمس سنوات. سافرتُ من الولايات المتحدة بعد زواجٍ فاشل. والفضل لشركة «غالف» التى كنت أعمل بها هناك.

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة


 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة