يحي حقي يحي حقي

الاغتراب في أدب يحيى حقي

أخبار الأدب الإثنين، 24 يناير 2022 - 02:29 م

كتبت :  د.عطيات أبو العينين

استطاع يحيى حقى من خلال تحقيق التوازن بين العلم والإيمان فى شخصية «اسماعيل» أن يعيده إلى توازنه، بعدما مر بأزمته مع فاطمة النبوية، ومجتمعه ولكن هل يا ترى استطاع المجتمع فى عصرنا الحالى أن يعود لتوازنه، ويعود من غربته، أم أنه أصبح أكثر اغترابا؟

 يشهد العالم فى العصر الحاضر من الأزمات، أكثر مما شاهد خلال كل تاريخه الطويل، سواء من حيث تنوع هذه الأزمات أو شدتها أو النتائج المترتبة عليها بحيث يجعلنا نعرفه بعصر الأزمات، ومع أن لكل عصر من العصور زمانه ومشكلاته الخاصة، ومع أن هناك بعض أوجه الشبه بين كثير من الأزمات فى مختلف العصور، إلا أن ما يمر به الإنسان يفوق كل تلك الأزمات فى عمق تأثيرها وتغييرها لنظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم الذى يعيش فيه، بحيث يجد نفسه مضطرا إلى التمرد على ذاته وعلى إنسانيته،  ولقد نجمت هذه الأزمات فى الأغلب عن نفس الظروف، التى يمر بها العالم منذ بداية هذا القرن، وترجع إلى أواخر القرن 18 وبداية القرن 19، حيث دخل العالم عصر التصنيع وما أدى إليه من سيادة الآلات وسيطرتها وتحكمها فى حياة الإنسان، ثم جاء القرن العشرون بحروبه الطاحنة المدمرة، فشهد العالم حربين عالميتين مدمرتين تركتا وراءهما الخراب والدمار والضياع، والإنسان لا يستطيع أن يعيش وحيدا فى مجتمعه منعزلا عن مسايرته لعصره، وإلا كان منبوذا مكروها وعضوا غير ناجح فى المجتمع، فلا ينجح من عاش لنفسه فقط.

 وفى عصرنا هذا أصبحت فكرة الاغتراب النفسي، التى تعبر عن أزمة الإنسان المعاصر وخاصة بعد طغيان الحياة الرقمية والثقافة الرقمية التى جعلتنا ننفصل عن العالم المحيط، وما ينتظره العالم من خلال الميتافيرس.

ويصف «نبيل رمزى إسكندر» هذا العصر بأنه عصر وعى الإنسان باغترابه، ومشكلة الإنسان المعاصر كما يراها «فروم» أنه يعيش فى مجتمع يركز كل همه فى الإنتاج الاقتصادي، ولا يهتم بتنمية العلاقات الإنسانية الصحيحة بين أفراد المجتمع حتى يفقد الإنسان، مكانة السيادة فى المجتمع ويصبح خاضعا لمختلف العوامل التى يتأثر بها ولا يؤثر فيها ذلك، بأن الإنسان الحديث فى رأى «فروم» قد خلق لنفسه عالما من النظم المختلفة ثم فصل نفسه عن هذه النظم، فلم يعد جزءا منها منسجما معها بل باتت على كاهله عبئا ثقيلا، كما فصل عن إخوانه فى الإنسانية وعن الأشياء التى يستخدمها ويستهلكها وعن الحكومة، التى تدير له أمره بل لقد انفصل عن نفسه وأمسى شخصية مسيرة ليس له أن يختار.

الغربة والاغتراب من أهم  الظواهر المجتمعية
وتمثل ظاهرة الغربة والاغتراب النفسى واحدة من أهم الظواهر التى برزت فى المجتمعات وكثرت حتى أصبحت غاية لدى البعض وهدفا لدى الشباب وأمنية لدى الكثير، فإن الهجرة أو الغربة من الوطن الأم إلى دولة أخرى، أصبح بمثابة الخروج من الظلمات إلى النور، أو من الفقر إلى الغنى، تحدث الهجرة نتاجا لمجموعة من الأسباب الاقتصادية والسياسية النفسية وغيرها من الأسباب.

 

 يسعى الشخص المهاجر أو المغترب من خلال هجرته إلى الخارج إلى تحقيق أهدافه التى يرسمها وأمانيه التى يحلم بها وأحلامه التى وضعها، ولكن المتأمل لأثر انعكاس الهجرة والاغتراب النفسى على الفرد أنها فى الغالب، تأتى بنتائج عكسية خصوصاً إذا كانت هجرة غير شرعية.

الباعة الجائلون كيف أثروا فى يحيى حقي
فلقد عاش «إسماعيل» بطل رواية «قنديل أم هاشم» وسط نداءات الباعة بنغمها الحزين، وبائع الدُّقة الأعمى والشحاذ والطُرشجي، مع الفئات المطحونة من عامة الشعب، التى تعيش الواقع المر. تفانت أسرة «إسماعيل» البسيطة الكادحة، لتوفر له نفقات التعليم فى الخارج، ليتعلم الطب والذى لم يؤهله مجموعه لدراسته فى بلده، جمع الأب كل ما استطاع من مال، وباعت الأم حليها، واشترت تذاكر السفر والملابس الثقيلة، التى تقيه من برد أوروبا واقترب موعد السفر، وحل الوداع وودعته الأسرة بقلوب حزينة وأعين دامعة، ولم ينس الأب أن يوصيه «وصيتى لك أن تعيش بره كما عشت هنا حريصا على دينك وفرائضك، وإن تساهلت مرة لا تدرى إلى أين يقودك تساهلك، واعلم أن أمك وأنا قد اتفقنا على أن تنتظرك «فاطمة النبوية».

ولم يستطع أن يتخلص من الموقف فقرأ الفاتحة مع أبيه، وخرج إسماعيل من القرية الصغيرة بقيم آبائه وأجداده وتعاليم دينه إلى عالم كبير، وفضاء واسع من حوله قضى سبع سنوات فى الغربة، فى بلاد غير بلاده، وبالتأكيد كان لابد أن تطرأ عليه بعض التغيرات، فخرج من قريته «عفا فغوى وصاحيا فسكر، كما أنه راقص الفتيات وفسق، هذا الهبوط يكافئه صعود لا يقل عنه جدة وطرافة، ذلك على حد تعبير الكاتب».


وبطل قصة قنديل أم هاشم «إسماعيل»، خرج من بلاده وهو فى سن المراهقة فى فترة تغير فيها كل شيء من تغيرات فسيولوجية وجسمية وفكرية، علاوة على أنه كان شابا خجولا تربى على قيم ومبادىء، لم تسمح له هذه القيم أن يعبر حتى عن مشاعره للفتاة السمراء، التى كانت تتردد على مقام السيدة الطاهرة.

وتدعو الله أن يتوب عليها وتنذر للسيدة الطاهرة خمسين شمعة، فقد خرج «إسماعيل» فى مرحلة ليست بمرحلة نضوج فكرى وكان يعيش فى مجتمع له حدوده وقيمه الدينية.

وإن كان هذا المجتمع فى ذلك الوقت يخلط بين الدين والخرافات، لأنه مجتمع بسيط غير متعلم فوجد «إسماعيل» نفسه فى خضم هائل، فضاء واسع عالم نظيف ليس فيه قذارة الحارة والشارع اللذين تربى فيهما مجتمع لا يراعى تلك القواعد أو الحدود التى تربى عليها، مجتمع مختلف فى كل شيء قيمه و تقاليده و لغته، و فهمه لطبيعة الأشياء ونظرته للعلاقة بين الرجل والمرأة. 


 ونجد أن (ماري) زميلته فى الدراسة ساعدته على أن يتعرف على عالمها، فوهبته نفسها فى أول فرصة، وهنا الكاتب يصف سذاجة وعدم خبرة «إسماعيل» بأنه(عندما وهبته نفسها، كانت هى التى فضت براءته العذراء) فجعلته يكفر بالقيم والمبادىء ولا يقيم وزنا لتعاليم دينه. فقد بهرته الحياة الجميلة المريحة التى يدفع ثمنها الأبوان من صحتهما وقوتهما والتعامل السهل البسيط فى كل شيء مع الفتاة يأخذ كل شيء دون تعقيدات ودون أن تطلب منه شىء مقابل ذلك لا حدود.. لا قيم..


إسماعيل وخوفه من الحرية

 لقد بهرته الفتاة بأفكارها وجدالها المستمر كانت تحدثه فى الفن، فى الموسيقى، فى الطبيعة، بل فى الروح الإنسانية عندما كان يحدثها عن الزواج، تحدثه عن الحب عندما يحدثها عن المستقبل تحدثه عن اللحظة الراهنة، كان قبلها يبحث عن شيء خارج نفسه يتمسك به ويستند إليه ألا وهو دينه وعبادته تربيته وأصولها، لكنها جعلته ينظر إلى كل هذه الأشياء بل أصبح يرى فيها قيودا كنظرة «ماري» لتلك القيم والمبادىء، بل كانت تعتبرها مشجبا لو علق عليه معطفه سيظل أسيرا لتلك القيم والمبادىء، فكانت أكثر ما تخشاه «مارى» القيود وأكثر ما يخشاه «إسماعيل» الحرية وكانت حيرته محل سخريتها، كانت روحه تتأوه وتتلوى تحت ضربات معولها إلى أن استيقظ فى يوم فوجد روحه خرابا، لم يبق فيها حجر على حجر، وأين «فاطمة النبوية» ابنة عمه وخطيبته من «ماري» ففاطمة مريضة لا تتكلم وإذا تكلمت لا تجيد فن الكلام، ولا تعرف سوى أن تنظر إلى «إسماعيل» نظرة إكبار واحترام، دون حتى أن تعبر عن هذا الرأي، أما «مارى» فهى تعرف كل شيء بل ربما أكثر منه وتجيد فن الحديث وتحدثه فى كل شيء.


اغتراب إسماعيل عن مجتمعه فى قنديل أم هاشم
 هنا اغترب «إسماعيل» عن مجتمعه، عن مبادئه عن قيمه بل اغترب عن ذاته حيث بدا له الدين خرافة، لم تخترع إلا لحكم الجماهير والنفس البشرية، لا تجد قوتها ومن ثم سعادتها إلا إذا انفصلت عن الجموع وواجهتها، أما الاندماج ضعف ونقمة ونجد أنه طبقا للنظرية النفسية لستوكلز Stokols عن الاغتراب النفسى والتى توضح أن الاغتراب النفسى يتضمن بعض الأعراض مثل العزلة وغيرها من الأعراض ينطبق الاغتراب النفسى على «إسماعيل» لشعوره بالعزلة، سواء عن قيمه أو مبادئه أو وطنه، عندما كان غائبا عن الوطن، أو عندما عاد إلى الوطن بجسده فقط، ولكن «إسماعيل» عاد شخصا آخر بمعتقدات وأفكار جديدة، يحملها من ثقافة غريبة عنه ودين مختلف، لقد اندمج «اسماعيل» فى مجتمع مختلف وانعزل عن أفكاره وقيمه ودينه وثقافته.

 


الإنسان الحديث أكثر اغترابا
 ربما تكون غربة «إسماعيل» عن أهله ووطنه سببا فى اغترابه، لقد شعر «إسماعيل» بأنه تائه فشعوره بالعزلة وبالوحدة أظهرت لديه شعورا بالقلق والحيرة، كما بدت فى نظراته لمحات الخوف والذعر، كل هذا التيه والشعور بعدم التوازن، جعله يتعرض لهزة عنيفة انقطع على أثرها عن الدراسة، وكأنه غريق فقد طوق النجاة كل هذه المشاعر، ما هى إلامظاهر لاغتراب «إسماعيل» عن كل ما عرفه ووعاه، وعاش فيه فى وطنه وسط أهله ومجتمعه، وهو يتلمس الحلال والحرام ويمارس العادات والتقاليد، ولقد استطاعت «مارى» أن تقف بجانبه وتخرجه من محنته، واستطاع أن يعود إلى دراسته ولكن بعد أن أضحى شخصا غير الذى كان من قبل، فاكتمل اغترابه بعد أن اغترب عن دينه، فقد طرح الاعتقاد فى الدين جانبا واستبدله بإيمان أشد وأقوى بالعلم، وعلى هذا فقد اغترب عن ذاته.


 لقد استطاع يحيى حقى من خلال تحقيق التوازن بين العلم والإيمان فى شخصية «اسماعيل» أن يعيده إلى توازنه، بعدما مر بأزمته مع فاطمة النبوية، ومجتمعه ولكن هل يا ترى استطاع المجتمع فى عصرنا الحالى أن يعود لتوازنه، ويعود من غربته، أم أنه أصبح أكثر اغترابا؟

اقرأ ايضا | استطاع يحيى حقى من خلال تحقيق التوازن بين العلم والإيمان فى شخصية «اسماعيل» أن يعيده إلى توازنه

الاخبار المرتبطة

الأكثر قراءة


 

 

الرجوع الى أعلى الصفحة