حسين عبد العزيز
حسين عبد العزيز


«عالم بلا رجال».. قصة قصيرة للكاتب حسين عبد العزيز

صفوت ناصف

الجمعة، 08 مارس 2024 - 04:52 م

تقدمت من نفسى وأنا محتار مما يحدث لى. جلست إليها وبالى مشغول بما قرأت اليوم فى الإميل الذى تصفحته منذ ساعة " بأن عمى المقيم فى البرازيل سوف يصل إلينا عصر الغد، الوقت يجرى منذ أن عرفت بهذا الخبر الذى وصلنى، ولم أفوق من ذهولى، فأقوم وأنام وأتحرك وأنا أحاول أن أتخيل شكل عمى الذى لم أره غير مرة واحدة عندما حضر إلينا فى وفاة أبي الذى مات سنه ١٩٨٥ ، فلما هو عاد  الأن ، أمن أجل الورث، أى ورث ونحن أغلب من الغلب وهو أغنى من الغنى كما كان يقول عندما كان يعزى فى وفاة أبي ؟!

 وأفوق من شرودى على وقوف ابنى وهو يصرخ عمو بتاع البرازيل وصل، حدقت فيه ثم وقفت فوجدت رجلا يدخل من باب الشقة به ملامح من أبي الذى رحل من زمن بعيد، أسرعت إليه وأخذته فى حضنى، وبوسه من هنا وبوسه هنا .. وأخذنا نتحدث فى أشياء كثيرة ثم فجأة وجدته يقول:

_  انت حمدينو أليس كذلك، فهل هل تعرف أحد فى أسوان ؟!

-  نعم انا حمدينو ..

لكن لما ياعمى، هل معك  شيء لأحد من أهلها، أنا أحبهم جميعا، فهم إناس خلقت من الحب وللحب تعيش

_ بتتكلم بجد حمدينو ؟! لكن يا ابن أخى أنا جاى فى بحث عن عالم خالى من الرجال ؟!

جحظت عينى وقلت مندهشا

_ بتقول ايه عمو !!

_ كما سمعت يا ابن اخى

_ ولما أسوان

_ لأنه توجد بها قرية لا يعيش فيها غير النساء وممنوع أن يعيش بها رجال

- بتقول ايه؟!

_ دعنى أحدثك عن الموضوع دون أى مداخلات أو استفسارات من أى نوع

_ حاضر عمى

القرية اسمها "السماحة" تتبع مدينة إدفو، فقد قامت الحكومة المصرية بتخصص تلك القرية منذ 18عاما للنساء فقط من الأرامل والمطلقات وأطفالهن .. ولايسمح للرجال بالدخول إليها على الإطلاق ..

ومن تفكر من سكان القرية فى الارتباط والزواج تطرد على الفور، ودون أى تردد..

وقد بدأ مشروع تلك القرية عام 1998عندما اتخذت وزارة الزراعة قرارا بتخصيص قريتين جديدتين للسيدات المطلقات والأرامل .الأولى تقع فى النوبارية بمحافظة البحيرة .أما الثانية فتقع فى أسوان  كما قلت لك منذ قليل .

والهدف من هذا المشروع الحفاظ على مستقبل الأبناء داخل الآسر التى فقدت عائلها، وخوفا عليهم من التشرد والضياع وأيضا مساعدة الآسر التى فقدت الأب ..

وفى القرية يتم منح كل سيدة قطعة أرض مساحتها 6 أفدنة وبيت .. وإدارة  وزارة الزراعة تساعد السيدة فى الزراعة من خلال القائمين على المشروع، والمنظمات الدولية تكفلت بالفرش من أثاث ومفروشات وآدوات زراعية، ومنحهن قروضا قصيرة الأجل  ...

_ والله، معقول..  لا أصدق يا عمو

- يابنى اصبر ودعنى أكمل قبل ما أدخل أنام لأن الموضوع مزال به الكثير..

وتلك القرية يعيش فيها حوالى ما يقرب من ٣٠٠ أسرة عبارة عن نساء فقط مع أولادهن وبيوت القرية مكونة من طابق واحد وكانت الحكومة قد دعمت تلك البيوت ماليا حيث تسد السيدة الأقساط مقابل الانتفاع بها .

وفى حال ثبوت زواج أى سيدة منهن يتم سحب الأرض والمنزل منها لأنها أخلت بشروط الانتفاع والإقامة بالقرية.

 

خبط حمدينو جبينه براحة يدة ويقف ليقول لعمه العائد من البرازيل ومعة أغرب شئ فى التاريخ وكمان فى مصر " يخرابى" قالها وهو يعود إلى الجلوس من جديد وقبل أن يفتح فمه ويعقب على كلام عمه أو حتى ينتهى من السيجارة التى بين شفتيه سمع عمه يقول:  وتلك القرية موجد مثلها كثيرا فى دول العالم شرقه وغربه.

فتمتم حمدينو بقوله: كله ده وأنا عامل مثقف وأعرف دبة النملة، ويفوق على قول عمه

_ لكنها بدأت من البرازيل حيث أعيش وأقيم هناك يا أبن أخى، وهذا يعنى أن لها جذور فى التاريخ العالمى.

فأول قرية ظهرت وأنشأت وكتب عليها للنساء فقط، كانت فى جنوب شرق البرازيل حيث يعيش عمك، وبالتحديد عام١٨٩١ ، وفى بلدة ( نويفا دى كوديبيرو) التى تأسست على يد إمرأة تدعى " ماريا دى ليما " فقد اضرت تلك المرأة لترك قريتها بعد اتهامها بالخيانة الزوجية، حيث تم إرغامها على الزواج من رجل لا تحبه .. وأصبح هذا التجمع ذائع الصيت وأطلق عليه " كوكب النساء " أى مكان يتجمع  فيه نساء سيئة السمعة، واللاتى أوقع بهن رجال الكينسة عقاب الحرمان الكنسى، الذى شمل حتى الجيل الخامس من ذريتهن، وبمرور الوقت أصبحت تلك القرية خاصة بالنساء فقط، مما يعنى أن أى رجل يفكر فى العيش بالقرية فلابد أن يفكر مليا لأن القرية تسير وتعيش على قانون نسائى وتطبقه النساء ؟!

 

وهنا يقف حمدينو وهو يضرب كف على كف، ويطلب من عمه أن يتوقف عن الكلام، ويغلق تلك السيرة ولا يفتحها مع أحد قط من أهل القرية لأن نسائها قد تعلن التمرد وتطلب الحكم الذاتى وحق تقرير المصير، ومن ثم تطردنا من قريتنا، أو تمارس علينا العنصرية وتطبق سياسة الفصل العنصرى .

ضحك العم البرازيلى من قلق ابن أخيه وقال: لا تخف حمدينو، لكن يجب أن تعلم  أن نموذج تلك القرية موجد فى كثير من دول العالم

_ يعنى انتشر، مهى النسوان ما بتصدق تعرف حاجه زى كده، ولا تفوتها حتى تنتقم من الرجاله إللى مقصرين رقبتنا .

_ كمل كمل يا عمى مهى معدتش فرقة

قال العم بعد أن توقف عن الضحك:

_ لكن الوضع تغير قليلا، حيث اكتشفت النساء أن الوضع صعب أن تعيش المرأة دون رجل، حيث أعلنت كثير من نساء القرية عن رغبتهن فى الزواج وأن الحياة لا تستقيم دون زواج حتى ولو كان رخم وعاوذ قطع رقبته لكن الزواج يكون على حسب شروطهن .. فقد قالت  إحدهن ( كلنا نحلم بالحب والزواج لكننا لا نريد ترك قريتنا بحثا عن زوج، بل نريد رجالا مستعدين لترك حياتهم، ليصبحوا جزءا من حياتنا. لذلك على الرجال الذين يرغبون بالحضور الى أن يوافقوا على شروطنا والتقيد بقوانينا وعاداتنا .

هنا وقف حمدينو صارخا فى عمه:

_  عمو لو سمحت توقف السكر ارتفع ومراتى قداره سمعها جايه، وهى قادرة ولما تعرف الموضوع ده هتبقى قادره تعمل زيه .

يا خرابي يا حمدينو يا بنى، قالها لنفسه وفتح الباب وهو يشاهد ويفكر فى كيف يسفر عمه ولا يعود هنا أبدا، حتى تأمن قريتنا من هذا الفيروس، ويكفينا فيروس لوى البوز المنتشر فى تلك الأيام بصورة مقلقة !.

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 
 
 
 
 

مشاركة