محمد ناصر فرغل
محمد ناصر فرغل


يوميات الاخبار

عبقرية الحب بين بابل وهولندا

محمد ناصر

الأحد، 25 أغسطس 2024 - 08:17 م

محمد ناصر فرغل

.. ولأن الدافع وراء القصة من الأساس هو «الحب»؛ كانت النتيجة أن عاشت الأميرة الحبيبة «آميتس» بين الأشجار، والزهور العطرة، وزوج مخلص صادقًا فى حبه.

الأحد:
رحلة إلى «الساحل الطيب» أحلم بها فى طريقى إلى شارع الصحافة هروبًا من سخونة أجواء السيارة الحارقة.. حاولت إجهاض الحلم مبكرًا قبل أن يتحول لكابوس من الديون أحتاج لسداده الجمع بين مرتبات ٣ وظائف لمدة عام.. (وكأنى أسعى لجمع ثروة «المستريح» بغرض السفر يومين فقط مع أسرتى وفقًا لأسعار مصايف العام الجارى)!
فتحت الراديو لأصرف انتباهى عن الحلم المزعج فسمعت المذيع يتحدث بإيجاز عن إنجازات هولندا فى الزراعة بتحقيق المرتبة الثانية عالميًا بعد أمريكا فى تصدير المنتجات الزراعية بنحو ١٠٦ مليارات يورو منذ خمس سنوات.. (سرعان ما انتابنى حلم ثان بفيضان من «ملايين اليوروهات» لكونى الوريث الوحيد لأحد الأقرباء من الدرجة السادسة يمتلك مزرعة كبيرة فى ريف امستردام)!
اختتم المذيع فقرته بمعلومة أيقظتنى من حلمى، دوت فى أذنى بصوت أعلى من أبواق السيارات بجوارى تقضى بأن مساحة البلد الأوروبى لا تتجاوز «نصف محافظة الجيزة».. (وهنا عجزت عن الإجابة إن كنت فى حاجة ملحة إلى طبيب يعالج أذنى، أو بثبوت علاقة طردية بين حر الصيف والخيالات الواسعة)!
عبقرية الحب
قبل الميلاد بـ٦٠٠ عام، أدرك «نبوخذ نصر» ثانى ملوك الإمبراطورية البابلية الحديثة وأطول من حكم بين ملوك الكلدان (٥٦٢- ٦٠٤ ق.م)، أن زوجته الأميرة الكردية «آميتس» تشعر بالغربة فى صحبته بعد انتقالها من موطنها الأصلى للعيش معه بعد الزواج، فأمر بزراعة الحدائق والنباتات على شرفات قصرها لتشهد بعينيها صورة من بلدها ومهد حياتها «مادى» شمال غرب إيران حاليًا، فتزول الغربة وتُستبدل بالحب والألفة.
لكن تنفيذ الأمر لم يكن بسهولة إصداره، فالزراعة فى بابل (٨٠ كيلو مترًا جنوب بغداد حاليًا) صعبة لغلبة المناطق الصحراوية على حساب الأراضى الخصبة، فما كان للملك إلا أن يطلب من مهندسيه البحث وراء تنفيذ ابتكارات جديدة.
ولأن الدافع وراء القصة من الأساس هو «الحب»، فكانت المحاولات فى إثباته «صادقة»، وبعد فترة قليلة أفضت جهود المحبين إلى واحدة من عجائب الدنيا السبع القديمة «حدائق بابل المُعلقة»، لتعيش الأميرة الحبيبة بين الأشجار والزهور العطرة وزوج مخلص صادقًا فى حبه.
عبقرية هندسية فى نظام الرى لرفع المياه أسست أجمل الصروح البشرية وفق ما سطره التاريخ عن «حدائق بابل» كونها أول تجربة للزراعة العمودية بالعصور القديمة تمت بابتكار طريقة جديدة لإنبات المزروعات، وهى مُشكّلة من ٤ أفدنة على هيئة شرفات، بها ٨ بوابات فخمة أشهرها «عشتار الكبيرة»، ويحيط بها خندق مائى كان يُستخدم لردع الأعداء والجيوش الغازية.


ولأن قواعدها مبنية على أعمدة ترتفع عن سطح الأرض ٧٥ قدمًا وعلى امتداد أفقى على شرفات القصر الملكى بنحو ٦٠٠ قدم وبإجمالى طول ٧ كيلومترات، فهى توهم الناظرين بأنها مزروعة بين السماء والأرض مما جعلها تبدو من مسافة بعيدة كأنها «مُعلّقة».
مِحنة هولندا
بينما كان «الحب الصادق» الدافع وراء الإنجاز العظيم، فبعد نحو ٢٦٠٠ عام لعبت «المأساة» دور المِثل فى هولندا بعد أن شهدت أزمة «شتاء الجوع» خلال الحرب العالمية الثانية إبان الاحتلال النازى للبلد الأوروبى.
مِحنة وفاة ٢٠ ألف هولندى جوعًا كانت المنحة الحقيقية، دفعت السلطة إلى نبذ التبذير والشعب إلى تعزيز الإنتاجية لمضاعفة الغذاء الزراعى فى مرحلة الإصلاح عام ١٩٤٥ بقيادة وزير الفلاحة «سيكو ليندرت مانشولت»، الرجل الذى وضع استراتيجية شاملة ناجحة لتحويل القطاع داخل بلاده إلى نشاط اقتصادى كبير حقق المرتبة الثانية على العالم بعد أمريكا فى تصدير المنتجات الزراعية بقيمة وصلت نحو ١٣٥ مليار دولار داخل دولة ناتجها القومى تخطى العام قبل الماضى (٢٠٢٣) حاجز التريليون دولار!
ناطحات سحاب زراعية
حدائق بابل «الأسطورة» هى ذات الهندسة المعمارية التى تستخدمها هولندا لإطعام العالم دون استخدام التربة التقليدية وتوصيل المحلول الغذائى لجذر النبات الذى ينمو فيه عبر سلسلة البيوت الزجاجية من الأعلى لتحقيق أكبر كثافة من خلال التنسيق العمودى لتحفيز المساحات الضيقة الخصبة بإقامة «ناطحات سحاب زراعية».
ناطحة سحاب واحدة بارتفاع ٦٠ طابقًا بتكلفة تقل عن ٤٠٠ مليون دولار يمكنها أن توفر منتجات زراعية تكفى احتياجات ١٠٠ ألف شخص، النموذج المطلوب لسد القفزة فى عدد سكان العالم المقدر بـ١٠ مليارات نسمة فى ٢٠٥٠ مع جفاف يحتل مساحة كبيرة من الكرة الأرضية تتضمن أفريقيا وآسيا ووسط وغرب أفريقيا، خاصة أن النموذج يساهم فى امتصاص المزيد من ثانى أكسيد الكربون، علاوة على تقليل ١٤% من الانبعاثات الغازية الملوثة للبيئة ناتجة عن احتراق الوقود اللازم من الحصاد الزراعى وعملية النقل.
حقول صغيرة تتخللها مدن وضواحى وأرياف هى هولندا، تُطعم العالم بربع استهلاكه من الطماطم، وخُمس ما يلزمه من التفاح والثُلث من الفلفل والخيار، وثُلث آخر فى تصدير إجمالى بذور العالم من الخضراوات، كذلك هى أول مصدر عالمى للبطاطا والبصل، والأولى فى إنتاج الأغذية الصحية.. كل ذلك عبر زراعة عمودية توفر ما يكفى من الشمس والهواء لنباتات خالية من المبيدات الحشرية، وتحقق ٢٠ ضعف إنتاج المساحة المزروعة بالطريقة التقليدية، وفى دورة أسرع، ولا تستهلك سوى ١٠% فقط من كميات المياه المطلوبة كونها تُدار فى «حلقات مغلقة»، بينما تستخدم الزراعة التقليدية ٧٠% من المياه العذبة فى العالم وسط تبدد إمداداتها بفعل تداعيات تغير المناخ.
عجائب الدنيا الحديثة
هولندا التى تعانى من أزمة مناخ الأراضى المنخفضة على مدار قرون (ربع أراضيها تحت سطح البحر والخُمس مُعرض للغرق)، وضربها فيضان مدمر فى ١٩٥٣ قتل الآلاف وأهلك الأخضر واليابس، أنجزت مشروع «درع حماية بحر الشمال» تضمن بناء سدود كبيرة وحواجز وبوابات تحكم بمجرى المياه جرى تصنيفه ضمن «عجائب الدنيا السبع» فى العالم الحديث!
الإثنين:
قرأت الرد على رسالتى ٥ مرات على الأقل، فهى المرة الأولى التى يخط قلمى فيها مساحة «اليوميات» بالصفحة الأخيرة.. هنا كتب عظماء الصحفيين، تكليف بمثابة تشريف من الأستاذ محمد درويش الأب الروحى لكل شباب «الأخبار»، أرسلت له مقالاً لبحث إمكانية النشر فكان الرد مكافأة غالية: «المقال مناسب لليوميات».. (أدامه الله لنا سندًا ومُعلمًا فاضلاً).
الثلاثاء:
أظن نفسى قفزت مباشرة من الشارع إلى عتبة مكتب أستاذى إيهاب الحضرى مدير التحرير التنفيذى، حاصرته بـ١٠٠ سؤال عن اليوميات، فأجابنى بما يزيد على حاجتى.. طاقة وحماس لم تشهدها دارنا العريقة إلا مع العظيم الراحل الأستاذ ياسر رزق، والأستاذ الكبير أسامة عجاج (متعه الله بالصحة ودوام البسمة)، ورئيس التحرير د.أسامة السعيد الذى طالما كان تصميمه منذ توليه المسئولية على تقديم «محتوى نظيف، ينتقى الكلمة، ويختار الصورة، ويحترم المواطن».
خاتمة:


عزيزى صديق «الأخبار»، تفوق هولندا فى الزراعة، أو ألمانيا فى الصناعة، أو الصين فى مجالى التجارة والصادرات التكنولوجية، لم يتحقق إلا باتفاق شعوب تلك الدول على إنجاز النجاح.. نماذج ليست بعيدة عن مصرنا الحبيبة، فريادة مصر «فرض عين» علينا جميعًا.. فقط، نتفق على أن نجتهد لتحقيق أحلامنا، وحلمى هو:
«بيت بسيط، وبنت تقولى يا (بابا)، ووطن عظيم أفتخر به».
اللهم احفظ مصر، وفلسطين،
وأهلك كل من يُفسد فيهما.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة