د. محمد زكي السديمي خلال حواره مع «الأخبار»
د. محمد زكي السديمي خلال حواره مع «الأخبار»


خرائطنا أسهمت فى اكتشاف منابع النيل.. وحسمت قضية طابا

رئيس الجمعية الجغرافية: المبنى الأثري في خطر.. والترميم ضرورة حتمية | حوار

فادية البمبي

الإثنين، 16 سبتمبر 2024 - 09:26 م

◄ المياه الجوفية تحاصرنا.. وننتظر إعادة أموالنا من الأوقاف

هنا الجمعية الجغرافية المصرية التى أنشأها الخديو إسماعيل عام ١٨٧٥بقلب القاهرة وأسهمت فى الكشوف الجغرافية لمنابع النيل وعمق الصحراء وقامت بدراسات لكل محافظات مصر.. هنا عقل مصر الجغرافى ومستودع خرائط مصر وأفريقيا.. كان لخرائطها دور عظيم فى استرداد طابا.. هنا يتعانق التاريخ مع الجغرافيا وتتجسد مقولة العالم المصرى الكبير د. جمال حمدان صاحب كتاب وصف مصر: «الجغرافيا تاريخ متحرك والتاريخ جغرافيا ساكنة».. هذا المبنى الأثرى القابع فى أحضان ساحة مجلس الشيوخ بشارع قصر العينى يبلغ عمره ١٦٠ عاماً، ويضم بين جنباته كنوزاً أثرية ومتحفاً منسياً آيلاً للسقوط تصدعت جدرانه بفعل زلزال عام ١٩٩٢ والمياه الجوفية تهدد كنوزه ومقتنياته.. فهى تمتلك وقفاً خيرياً يُقدر بمليارات الجنيهات وتحتاج إلى ١٤٠ مليون جنيه تطلبها وزارة الآثار لترميم المبنى العتيق.. وقد حرصت «الأخبار» على إجراء هذا الحوار مع د. محمد سيد السديمي، رئيس الجمعية الجغرافية المصرية، وإلى تفاصيل الحوار:

◄ الكثيرون لا يعرفون أن ساحة مجلس الشيوخ تحتضن واحدة من أقدم الجمعيات الجغرافية في العالم نريد المزيد من المعلومات عنها؟

• هذا المبنى الأثرى العتيق هو مقر الجمعية الجغرافية، وهذه الأسوار الحديدية لمجلسي النواب والشيوخ تحجب الجمعية الجغرافية عن أعين المارة بشارع قصر العيني، بالإضافة إلى الإجراءات الأمنية المشددة لأى زائر نظرًا لحساسية الموقع، لذلك نطلق عليها نحن الجغرافيين: «المتحف المنسي»، وقد لا يعلم الكثيرون أن الجمعية الجغرافية المصرية لا تقل أهمية عن المجمع العلمى ومجمع البحوث والمجلس الأعلى للآثار؛ لأنها أقدم جمعية علمية فى أفريقيا وآسيا تم إنشاؤها بمرسوم من الخديو إسماعيل عام ١٨٧٥ .. وتضم مقتنياتٍ أثرية رائعة لا توجد فى مكان آخر، منها : المتحف الإثنوجرافى الفريد الذى يجسد مظاهر الحياة فى مصر فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وقاعة القاهرة، ومتحف أفريقيا، وبانوراما قناة السويس.. كما تضم الجمعية الجغرافية قاعات الخرائط، وبها نحو ٣٠ ألف مجلد نادر و١٣ ألف خريطة نادرة، وأكثر من ٦٠٠ أطلس، ومئات اللوحات وصوراً تاريخية زيتية للشخصيات العلمية والسياسية فى تاريخ مصر الحديث، وصور الرحالة والمستكشفين لحوض النيل والقارة الأفريقية وقناة السويس، وتماثيل لمحمد على وأولاده من حكام مصر الحديثة وأمرائها وغيرها من مقتنيات غاية فى القيمة والأهمية. 

◄ اقرأ أيضًا | «الاتصالات والتضامن» يبحثان رقمنة مقتنيات الجمعية الجغرافية المصرية

◄ كنوز ثقافية

◄ وماذا عن محتويات الجمعية الجغرافية؟ 

• تضم الجمعية ٤ قاعات رئيسية تضم كنوزًا أثرية وثقافية نادرة.. القاعة الأولى «قاعة العادات والتقاليد» ويوجد بها أدوات الزينة، والحلى للمرأة المصرية، وأوانى الطهي، وأدوات السحر، والحى البلدى وتتوسط هذه القاعة أهم المقتنيات ممثلة فى المحمل النبوي الشريف وهو من عصر الملك فؤاد الأول وكانت مصر ترسله للحجاز مع أستار الكعبة الشريفة المصنوعة من الحرير الثقيل.. كما يوجد بها التخت الذى كانت تُزف فيه العروس وصور الأمشجي، وبائع حبّ العزيز والشادوف، بالإضافة إلى مقتنيات دول حوض النيل من تماسيح وسن الفيل وغيرها.. أما القاعة الثانية فهى «قاعة الحرف والصناعات» وتجسد مجموعة من الحرف والصناعات المصرية الأصيلة، مثل: صناعة النحاس، والصناعات الحديدية والزجاج، والمكوجي، وعصارة القصب، وأدوات البناء.. والقاعة الثالثة «قاعة أفريقيا» وبها كل المقتنيات التى أهداها إلى الجمعية «مختار باشا» رئيس هيئة أركان الجيش المصرى وعدد من الرحالة الذين شاركوا فى اكتشاف القارة السمراء.. والقاعة الرابعة هى قاعة «قناة السويس»؛ حيث إنه فى عام ١٩٣٠ أهدت شركة قناة السويس محتويات هذه القاعة إلى الجمعية وتحتوى على عددٍ كبير من الوثائق والصور، والخرائط والمجسمات، التى تلخص تاريخ القناة منذ بدء حفرها وتضم تمثالاً للمهندس «ديليسيبس» مصمم القناة، وصورة زيتية بالحجم الطبيعى للخديو إسماعيل فى فترة افتتاح القناة، كما يوجد بها مجسم حفل افتتاح القناة، ويشمل مقدمة السفينة الإمبراطورية «النسر» وعليها الإمبراطورة «أوجيني» إمبراطورة فرنسا، وبجانبها المهندس «ديليسبس» يشرح لها مراحل حفر القناة.

◄ خرائط الجمعية لعبت دوراً رئيسياً في استرداد طابا.. كيف حدث ذلك؟ 

• بالفعل، لعبت الجمعية الجغرافية أدواراً وطنية كثيرة، لعل أهمها: مشاركة العالم د. يوسف الحجاج، الأستاذ بجامعة عين شمس، والأمين العام للجمعية، ضمن وفد مفاوضات استرداد طابا لدى محكمة العدل الدولية.. وعلى مدى عامين ونصف العام قدم الوفد المصرى الكثير من الأدلة والمستندات والتقارير وصوراً لجنود مصريين تحت شجرة دوم فى طابا ومذكرات ومرافعات وشهود، وكان لا بد من الحصول على دليل قاطع، وجاء قرار الجغرافى يوسف أبو الحجاج بطلب مهلة من اللجنة المصرية يوماً واحداً لزيارة الجمعية الجغرافية التى تعد منارة الجغرافيين، وكانت هى ليلة البحث عن الكنز المهمل حتى عُثر على خريطة رأس النقب وبها حدود مصر الحقيقية، وهنا حكمت محكمة العدل الدولية بأن طابا مصرية، بعد سبع سنوات من المفاوضات.
أطالس نادرة

■ وماذا عن المكتبة الأوتوجرافية؟

• المكتبة الأوتوجرافية يوجد بها آلاف الخرائط والأطالس النادرة، التى لا مثيل لها فى العالم.. كما تضم خرائط نادرة لقارة أفريقيا وغيرها من بلاد العالم، وكذلك أطلس الأمير»عمر طوسون» وأطلس الحملة الفرنسية، بالإضافة إلى خريطة جغرافية «لجون بول» صاحب مشروع منخفض القطارة وصاحب أقدم كتابٍ درس مصر .. هذه الخريطة أعُيد طباعتها عام ١٩٣٠ وتظهر بها حدود مصر مع خط ٢٢ ، مما يؤكد أن حلايب وشلاتين مصرية مائة بالمائة.

◄ تم اختيار الجمعية الجغرافية المصرية لاستضافة المؤتمر العالمي المزمع عقده بداية العام القادم .. ما الجديد الذي يقدمه المؤتمر؟

• بحلول العام القادم سيكون قد مر مائة عام على أول كونجرس للاتحاد الجغرافى الدولي، عُقد خارج أوروبا، وأمريكا الشمالية واستضافته مصر عام ١٩٢٥ وحضره الملك فؤاد، وبهذه المناسبة سوف تستضيف الجمعية الجغرافية المصرية هذا المؤتمر فى ١٤ - ١٥ أبريل القادم.. لكن رغم اقتراب موعد المؤتمر فالجمعية تعانى العديد من المشكلات، فالشروخ والتصدعات والمياه الجوفية تهدد المبنى وتهدد كنوز الجمعية بالتلف والضياع لعدم وجود كاميرات مراقبة ونقص المراوح، كلها مشكلات تؤرقنا وتهدد الآلاف من المقتنيات بالتلف والسرقة، كما أن الجمعية تعانى من أزمة مالية رغم أنها تمتلك وقفاً كبيراً عبارة عن مئات الأفدنة وأراضٍ سكنية. 

◄ وقف راتب باشا

◄ وما حكاية وقف راتب باشا الذي تتحدث عنه ولمن يذهب ريعه؟ 

• الجمعية لديها مورد رئيسي، وهو وقف خيرى خصصه لها محمد راتب، سردار الجهادية، كان يدر عليها ٤ ملايين جنيه سنوياً، ويتألف الوقف من نوعين: الأول: أطيان زراعية مساحتها ٦٠٠ فدان فى قرية كتاما الغابة  فى مركز بسيون بمحافظة الغربية، بينها ٢٠ فدان أراضى سكنية مؤجرة، الفدان بـ ١٥ ألف جنية لـ ٤٠٠ مستأجر لا يدفعون، والثانى عقارات فى حلوان والدرب الأحمر، فضلاً عن أطيان زراعية مساحتها ١٠٥ أفدنة أخرى، ومنذ عام ١٩٣١ وحتى عام ٢٠٠٢ واظبت وزارة الأوقاف على دفع ما يخص الجمعية من ريع وقفها الخيرى بانتظام، وفى عام ٢٠٠٣ ادعى مزورون أنهم أحفاد راتب باشا وحصلوا على حكم قضائى ضد وزير الأوقاف استناداً إلى مُحررات مزورة بأحقيتهم فى الوقف.. وطعنت وزارة الأوقاف والجمعية الجغرافية على ذلك الحكم وتم إيقاف تنفيذه، وتم تداول القضية بين محاكم الغربية وكفر الزيات والقاهرة؛ وفى ٢٦ أبريل عام ٢٠١٤ أصدرت محكمة شمال القاهرة الابتدائبة حكمها بأن الوقف خيرى وليس للمدعين حق فيه، وتم تأييد الحكم وصار نهائياً وباتاً، وصدر حكم آخر من محكمة السيدة زينب فى عام ٢٠١٥ بأن المدعين قاموا بتزوير إعلامات الوراثة، وأنهم تعدوا على أرض الدولة بموجب هذه المحررات المزورة، وأنهم غير مستحقين لأى من أعيان الوقف أو ريعه، ورد العقار، وكذلك رد ما عاد عليهم من منفعة؛ وقضت المحكمة بحبسهم سنتين مع الشغل وقضوا العقوبة بالفعل.. وخلال فترة التقاضى توقفت وزارة الأوقاف عن سداد المستحقات السنوية من ريع الوقف الخيري، ورغم حصولنا على حكم قضائى نهائى بمبلغ ١٨ مليون جنيه متأخرات على الأوقاف للجمعية، لكن نحتاج إلى ٢٠ مليون بشكل عاجل، ورغم أننا ناشدنا وزير الأوقاف السابق أكثر من مرة لاسترداد هذه المبالغ فإن الوزارة لم تعطنا إلا مبلغاً ضئيلاً، ويبقى الأمل فى الوزير الجديد الذى سوف نلتقيه قريباً.
مؤتمر عالمى

◄ وما التحديات التي تواجه الجمعية مع اقتراب عقد المؤتمر الدولي؟ 

• سعدنا بتفضل الرئيس برعاية المؤتمر، لكن هناك بعض التحديات التى تواجه الجمعية، فالمبنى التاريخى للجمعية يعانى من الشروخ والتصدعات والمياه الجوفية وبعد الحريق الأخير فى وزارة الأوقاف، أرسلت الوزارة إلينا مليونى جنيه لعمل منظومة حريق وأمن صناعى وكاميرات للمحافظة على مقتنيات الجمعية التى تعد كنوزاً فريدة وتراثاً لا يُقدر بمال، ونسعى مع وزارة الآثار ليتم الترميم للمبنى التاريخى على أساس علمي، وفى ١٥ يوليو عام ٢٠٢٢ تمت معاينة المبنى بناء على طلب الجمعية، وأوصت اللجنة بإدراج المبنى ضمن مشاريع الترميم، وكانت المفاجأة أن طلبت أن يتم الترميم على نفقة الجمعية وتحت إشرافهم، وأخبرنا الآثار أكثر من مرة أن الجمعية ليست لديها موارد تفى بذلك، خاصة أن تكاليف الترميم تصل إلى ١٤٠ مليون جنيه؛ ولهذا أرسلنا مناشدة لكل المسئولين لاتخاذ ما يلزم للحفاظ على المبنى الأثرى.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة