الكاتبة وفاء عبد الحفيظ
«جِلسة» قصة قصيرة للكاتبة وفاء عبد الحفيظ
السبت، 02 نوفمبر 2024 - 08:46 ص
خلف أصيص العمر، وقف يرقب ما تزاحم من صولات وجوالات، تهيأت الرحلة لتسير بسلام، عبر تعاريج الزمن، كسياج تراءت وراءه أزمنة عابرة، يقلب صفحاتها، يعود للوراء بينما كان يسرق الحلوى من حقيبة أخيه الأصغر، ويفر سريعا دون أن يدركه أحد، كان الأخ الأكبر لصغيرين، لكنه كان يتمتع بشقاوته المحببة لدى الأباء، كلما سنحت الفرصة له، أقتنصها دون تفكير، يطمع في مستلزمات مجدي ومسعد، رغم أنه ينال مثلهما بل وأكثر منهما، يظل يعبث بأشيائهما، تارة يأخذها وأخرى يخبئها ثم يظهرها بعد حين، عندما يسمع بكاء أخيه.
شب عن الطوق وصار يافعا، جعله والده ذراعه الأيمن في تجارته، ليكون خليفته فيها، بعد عمر طويل،
بعد أن تخرج في كلية التجارة، اعتاد الخروج مع والده عند الشراء، لكي يمارس ما يراه بعد ذلك، الحج أحمد والده عُرِفَ بذكائه، بين التجار، كان يقسو عليه كلما ارتكب خطأ صغيرا، يقوم بخصم ثمن الخسارة وعندما يفاتح والده في ذلك، يقول مبتسما :-
- أنا أعلمك فنون العمل( التجارة شطارة، التاجر الشاطر لا يخسر أبدا) .
يقول :-
- أليست الخسارة والمكسب صفتا التجارة؟!
- لأ التاجر إذا تعوّد على الخسارة، لا يكبر أبدا، يظل محلك سر.
بدأ محمود يخشى مناقشة والده، أدرك أن الحوار لن يجدي.
وكلما وقفت أمامه معضلة يجلس طويلا ويردد على مسامعه ( جمل والده التاجر لا يخسر أبدا).
تزوج من ابنة عمه وداد، طيبة وودودة، لكنه لا يحبها، طاعة للوالد وخوفا من بطشه، رزق بولد كان قرة عينه.
صار مجدي طبيبًا ومسعد كان على شاكلة أخيه الكبير(تجارة).
مرض الوالد مرضًا شديدًا، وصار مقعدًا يلازم الكرسي المدولب،
محمود داخله السرور لأن والده اعتكف في البيت، ولن يحاسبه أحدًا بعدذلك،
مسعد بدأ يذهب إلى المصنع، فعلم بما يقوم به أخوه الكبير، أضمرها في نفسه، عندما سمعه يحادث أحدهم عن رصيده بالبنك، في آخر المكالمة ..( لقد وضعت المرة السابقة مائة ألف. دون تحرير أي سند.، مسعد أدرك أن أخاه يسرق والده، تضاعفت صحته، أراد مسعد أن يبلغ والده لكنه تراجع في النهاية خشية أن يصاب بجلطة، لأنه مريض قلب، حتى جاء اليوم الذي سمع فيه محمود، وهو يقول:-
- لقد ضاعفت المبلغ مرتين ألم يكفي ذلك، استشاط مسعد، وصمم أن يخبر والده.
جاء في نهاية اليوم وجلس مع والده وهو كان يشعر بمحبة والده الزائدة له، عندما علم الوالد صرخ في مسعد محذرا، أن يقول لمحمود شيئا، لكن والده كان مستاء مما سمعه، لكنه تظاهر بغير ذلك. فجأة كان هناك بضاعة محملة من الخارج لمصر، تعطلت شهورًا، الوالد هبّ فيه ذاكرًا له سرقته أموال كثيرة من المصنع، غضب محمود غضبًا شديدًا ولم يقل سوي كلمة واحدة:-
- الله يسامحك يا حج، حضرتك تراني " حرامي"
كان مسعد يستطيع أن يدير المصنع، أحيانا كان محمود يطلب منه ذلك حتى يعود من السفر،
فجأة تغيب محمود وآثر الصمت والبعاد.
مسعد لم يستطع الإلمام بكل الأمور كما اعتاد عليها، بدأت الطلبيات تقل، فجأة جاء تليفون على هيئة فاكس، عندما استلمه وقع باسم محمود، لأنه المتصرف في كل الأمور الخارجية، قرأها فوجئ بأن محمود يرتب لسفر والده بالخارج ليشفى من مرضه وكان يحوّل أموالًا إلى المستشفى التي سيرقد فيها الوالد، أصابت الصدمة مسعد وصار مشتتًا يفاتح والده أم يبحث عن أخيه المتغيب ليعتذر منه، أثناء حيرته جاءته رسالة من زوجة محمود تقول:-
- إن الوالد أصيب بغيبوبة، ونُقل إلى المستشفى، ومجدي لا يعلم شيئًا ليس تخصصه ولم يكمل بعد دراسته،أسرع إلى المستشفى، رأى محمود أمامه، أمسكه من كتفه بقوة معتذرًا بخجل شديد حتى سقطت دمعة، حضنه محمود، وذهب على الفور إلى الطبيب المعالج وأخبره بترتيب السفر وسأله عن الحالة قال:-
- يستطيع السفر وطبعا لابد أن تلازمه،
- أكيد يا دكتور.
أعد اللازم للأمر، كان الوالد في حالة إعياء لا يدري شيئا، سافرا معا وبعد الفحوصات تحدد إجراء عملية حيث تبين أنه مصاب بورم جعل الأمور لا تتضح، وأن الأعراض متباينة، تم استئصال الورم من الكبد، وبدأت الأحوال تستقيم، بعد فترة النقاهة عادا سليمًا إلى بيته لكن لن يعود للعمل.
شعر الوالد بسعادة بعد معرفة الحقيقة واحتضن ابنه طويلا ولم الشمل بمجيء مجدي من الخارج، جلس الوالد مستعيدًا للذكريات حتى وصل لجلسته التي جعلته يقلب دفاتر حياته، بعد أن صار ملازمًا للبيت لكن الأولاد كلهم في أمان وسلام، حمد لله على نعمه.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي
«السهنة» قصيدة للشاعر البيومي عوض
«شرع الدبح» قصيدة للشاعرة سهير سليم
«فراشة النيران» قصة قصيرة للكاتب الدكتور صلاح البسيوني
«ستي فاطنه» قصيدة للشاعرة أمل حجاج
«اتجاه العباسية» قصة قصيرة للكاتب الدكتور فراج أبو الليل
خنزير "عم جرجس".. قصة قصيرة للكاتب ياسين سعيد









