ميرفت حسين
ميرفت حسين


ميرفت حسين تكتب: لمحات تأملية في قراءة رواية «حُشَيْفَة»

بوابة أخبار اليوم

الإثنين، 04 نوفمبر 2024 - 11:22 ص

 

أطل علينا الكاتب حامد أحمد الشريف بعمل عميق الغاية يحمل اسم في طياته الكثير من معاني الذل و الهوان و ما كان يعانيه بطل روايته في حياته، فكان(حُشيفة) هو المعنى الأقرب للصورة التي يقصدها.

فهي رحلة نفس أرادت لروحها الخلاص من براثن المجتمع ورسم خارطة حياة جديدة تشكل وعيها من خلال خبراتها الخاصة دون توجيهات وقيود مَن أحاطته بحنانها القاتل.

واستهل الكاتب حديثه بوصف شدة فرح بطل روايته "حُشيفة" وتمكنه من كسر أول قيد له حيث سافر بمفرده للمرة الأولى، وهنا ثمة حقيقة تمتزج بالخيال حين قال: (انتقلت إلى دولة أخرى شقيقة تجاورني، أقصد تجاور موطني الأم) فهنا قد تختلط الأوراق والمشاعر أيضًا لامتزاجها بالوطن وكأنه هو، في قوله "تجاورني".

من خلال قراءتي وسبري المشاهد المتواترة التي رتبها الكاتب البارع بتصاعد الأحداث، ظهر استخدامه لتشبيهات قوية من النزاعات الواقعة بالمنطقة العربية الملتهبة، وللمرة الثانية أضع يدي على امتزاج يتقنه حامد أحمد الشريف يفسر من خلاله عيوب الشخصية العربية بصفة عامة وإحجامها عن أصل القضية، ويتضح ذلك في وصف ردود أفعال البطل بكلمة(آنية) أي تزول بانقضاء الحدث، كما ينتقل لأحد العيوب الخطيرة في واقعنا العربي وهو انعدام التخطيط المسبق لأي عمل يتوجب القيام به،ثم يتبع بعيب آخر نعاني منه جميعا في مشهد الحلاق وهو المحسوبية والخوف من بطش صاحب النفوذ الأكثر سيطا، حقيقة ندركها ونتجنبها حرصا على السلامة المزعومة.

ثم ينفذ سهم الكاتب باستخدام بعض الألفاظ القبيحة مثل (الأوباش-الرعاع- القاذورات) في مشهد المطعم وهو ينتظر وجبة طعامه ليصف بها أحوال بعض الشعوب التي هيأتهم حكوماتهم لقبول المهانة، ما أفصح عن عيب آخر تابع لما سبق.

وبعيدًا عن أن الرواية رمزية بامتياز، فإنها لا تبتعد كثيرً عن الواقع إذ أن كل رمز يشير إلى حقيقة أو العكس، ويمكننا ملاحظة ذلك في إشارة الكاتب لقناعات الأم وحِكمها المُلازمة لبطل الرواية على الدوام من خلال الحوار الدائر برأسه وكأنها قيود من حديد توغله في أرضها كي لا يمكنه الحراك دون الرجوع إليها وكأنها نهر من الغثيان يتقيأ عليه أينما حل.

وبعيدًا عن الإغراق في الرمزية والمعاني المضمرة في النص السردي فإن الرواية تميزت أيضًا بمنهجيتها الكتابية حيث كان السرد عبارة عن مشاهد متتابعة،فبت وكأنني أشاهد عمل درامي سينمائي لا يمل من مشاهدته على الإطلاق،ورغم أنني لم أعهد ذلك في الأعمال السردية التي اطلعت عليها سابقًا إلا أنني أحببت الفكرة واستحسنتها، كما راق لي انقطاع المشاهد غالبًا وقت ذروة الصراع وإنهائها بجملة تشويقية تدفعك لترقب المشهد من جديد ومتابعته بشغف كبير عند الرجوع إليه مرة أخرى بعد الانتقال لمشهد في كادر سابق، وفيما يبدو أن الكاتب أراد للقارئ تنشيط ذهنه ورفع مستوى ذكاء النص وكأنه يقول هيا يا رفيق تعلم كيف تُعمل عقلك في النصوص ولا تتلقى النواتج الجاهزة فقط، وهنا يكمن ذكاء كاتب أراد لقارئه الخلاص من التبعية المطلقة ووضع بصمته على النصوص وهو الاتجاه الحديث في التلقي، وهكذا يتضح لنا أن الرواية تحمل في طياتها الكثير من القناعات الفلسفية التي يسوقها لنا الكاتب من خلال عمل متكامل البنية.

وهناك الكثير من الدلالات التي ترجمها الكاتب في بعض الشخصيات مثل الأم وهي ترمز للأرض وفي باطنها تكمن الحكاية،أما عودة وهو اسم رفيق حُشيفة في هذه الرحلة، فإن لهذا الاسم دلالة يقصد بها العودة للديار مرة أخرى بعد أن يتحرر من الجن الداخلي الذي يكبل حياته ويعيقه عن الانطلاق والحركة،

كما نجد في تكرار عبارة (الزجاج المتسخ) سواء عند الحلاق أو المطعم؛ إشارة إلى أن علينا إدراك عيوبنا ورؤيتها بشكل واضح حتى يمكننا تلافيها مستقبلًا وربما أراد إيصال مفهوم أن ذلك يتعذر كثيرًا كناية عن الزجاج المتسخ الذي غالبًا ما يحجب الرؤية.

ونقطة أخرى أجد أنها أكثر أهمية وينبغي التوقف طويلًا أمامها تتعلق بالاختلاف الذي عادة ما يصاحب الأديان والطوائف المختلفة وحاول النص وضع كل هذه الاختلافات في سلة القناعات المترسخة بداخلنا جميعًا، ليوقفنا في نهاية الأمر على حقيقة أن النجاة لا تكون إلا بالتكاتف والتعاضد دون النظر لهذا الاختلاف الديني فللإنسانية علينا حق.

وكما يظهر فإن هذه السردية تحمل مضامين فلسفية وفكرية مضمرة تحتاج لبعض الاشتغال القرائي لفهمها كموت الأم قبل عودته بأيام قليلة الذي لربما أوحى لنا بمفهوم صريح يعتنقه النص ويشير إلى أن كل ما تخشاه سينتهي عند وصولك لحقيقتك وتعرفك على ذاتك،وبمعنى أدق فأن اكتشافك لذاتك يعني اقتحامك حياة جديدة تملك خيوطها وحدك.

وبعد فإن عدد صفحات الرواية بلغت ٣٧٤ صفحة مدججة بالنفائس اللغوية المضمخة بالأفكار والفلسفات وسأكتفي في نهاية هذه المراجعة بنثر القليل منها لتكون هي حلقة الوصل بيننا وبين النص الذي راق لي كثيرًا كقوله:"إن الخروج من الوحل يستلزم أن ينالك شيء من الطين تزيله لاحقا"، وقوله: "لأول مرة ينتابني إحساس قوي بأن الحياة التي كرهتها معها وبتُ أحبها هنا، لها أبواب، إن أغلقنها سئمنا أجواءنا الخانقة، وإن فتحناها بقدر، شعرنا بجمالها وأحببناها!"وقوله:"الأشياء الثمينة لا تُفسدها أغلفتها السيئة، بل تؤجل اكتشافنا لها فقط.."، وأخيرًا قوله: "إن البشر على أحوال شتى، بعضهم يُنكه حياتك، يصبغها بمزيج من الألوان الرائعة، لكنه لا يدفعك إلى الأمام،بل يعيدك كثيرا للوراء".

وقد بلغنا نهاية هذه المراجعة فإنه لابد من القول أن الكاتب الأريب ترك لنا عدة مفاتيح منثورة في نصه السردي، إن عثرت عليها وأجدت قراءتها فذلك يعني وصولك إلى حل اللغز، ومن ثم فك قيودك أنت أيضًا وتحررك مما لحق بك في غمار حياتك العابثة لتكون هذه الرواية مفتاح نجاحك وانطلاقتك الجديدة نحو الألق والإبداع، ولعل ذلك ما يدعوني للقول بدون أي تحفظ أن رواية حشيفة عمل جيد يستحق القراءة والتأمل بالفعل.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة