جـلال عـارف
جـلال عـارف


فى الصميم

فى عيد النصر.. درس «بورسعيد» مازال حيًا

جلال عارف

الجمعة، 20 ديسمبر 2024 - 08:34 م

بعد غد «٢٣ ديسمبر» تحل ذكرى واحد من الأيام العظيمة فى تاريخنا الحديث، حين تكلل كفاح مصر باندحار قوى العدوان الثلاثى الذى قامت به بريطانيا وفرنسا ومعها الذيل الإسرائيلى، وخرج آخر جندى من «بورسعيد» ليكون يوم النصر العظيم الذى غَيّر المنطقة والعالم، وفتح أبواب الحرية أمام كل الشعوب العربية والإفريقية وشعوب العالم الثالث.

كان عام ١٩٥٦ عاماً فاصلاً فى تاريخ مصر والمنطقة، يكفى أن نتذكر أنه فى هذا العام كتبنا كلمة النهاية لاحتلال بريطانى استمر ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن، وبعد أسابيع فقط كانت مصر تكتب تاريخاً جديداً وهى ترد على محاولة أمريكا والغرب ومنعها من بناء السد العالى بسحب التمويل المتفق عليه من البنك الدولى، ليكون الرد الذى زلزل العالم وفتح أبواب الأمل أمام الشعوب الواقعة تحت الاستعمار والنهب المنظم لثرواتها، كان إعلان عبدالناصر تأميم شركة قناة السويس واستعادة المرفق العالمى لأحضان الوطن، لتفقد فرنسا التى كانت تسيطر على إدارة المرفق العالمى، ومعها بريطانيا التى كانت تحتل مدن القناة صوابهما، ولتكون المؤامرة مع إسرائيل بهدف احتلال مدن القناة واستعادة السيطرة على أهم ممر ملاحى دولى.

صمدت مصر أمام المؤامرة، واصطدم العدوان بما لم يتوقعه فى مدينتى «بورسعيد» حيث كانت المقاومة الشعبية الأسطورية التى عطلت جيوش العدوان التى كانت تقصف المدينة الباسلة بالطائرات الفرنسية والبريطانية وبمدافع الأساطيل التى احتشدت فى مواجهة بورسعيد، كان الصمود أسطورياً وكأن مصر كلها تقاتل فى المعركة، وكانت الشعوب العربية وشعوب العالم كلها تنتصر للحرية، وطوال بقاء قوات العدوان فى المدينة لم تتوقف المقاومة يوماً واحداً حتى فجر ٢٣ ديسمبر الذى شهد خروج آخر جنود العدوان مكللين بعارهم، كنت مع الحشود المنتصرة على شاطئ القناة نرقب آخر السفن الهاربة ونستنشق عطر الحرية، كان هذا هو اليوم الأول فى حياتى الذى أعيشه فى مدينتى وقد استعادت الحرية بعد طول احتلال، وبعد أن أنهت مصر أخطر عملية نهب واستغلال للقناة التى حفرها أجدادنا بدمائهم وأرواحهم ليستعيدها الأحفاد أيضاً بأعظم التضحيات.

كان انتصاراً فاصلاً فى تاريخ المنطقة والعالم كان اندحار العدوان إعلاناً بنهاية الاستعمار القديم ممثلاً فى آخر امبراطورياته «البريطانية والفرنسية» وكان بعثاً جديداً لحركة التحرر فى عالمنا العربى من المحيط إلى الخليج، ولم تتأخر إفريقيا عن ركب التحرر والاستقلال واستعادة ثرواتها المنهوبة.. وتمضى الأيام ويظل التاريخ حاضراً ويظل الدرس حياً: لم يكن النصر ممكنا إلا بعد أن استعادت مصر قرارها الحر وإرادتها المستقلة، وبعد أن أكدت وحدتها الوطنية وراء ثورتها العظيمة فى يوليو ٥٢ التى انحاز فيها جيش مصر - كما كان الأمر دائماً- لأهداف الحركة الوطنية فى الحرية والاستقلال والتقدم، وبعد أن ضربت الثورة مؤامرات خفافيش الظلام وتجار الدين وأعداء الوطن..

هنا فقط استطاعت مصر أن تفرض كلمتها، وأن تطلق كل طاقاتها، وأن تجمع كلمتها لتحقق فى أربع سنوات حلم إنهاء الاحتلال، ولتستعيد القناة من غاصبيها، ولتصمد أمام عدوان آثم من قوى الاستعمار والاستغلال يرافقها الذيل الصهيونى، ولتكتب فى بورسعيد صفحة خالدة فى تاريخ سيظل حياً وما نواجهه الآن من تحديات ليس قليلاً لكننا قادرون على الانتصار دائما ما دمنا نملك إرادتنا ونبنى قوتنا، ونحفظ وحدتنا، ونعرف دائماً قيمة وطن عَلّم الدنيا كلها معنى الحضارة وقيمة الإنسانية.

سلمت مصر من كل شر، ودامت وطناً يعانق النصر ويحتفى به، ولو كره الأعداء، وخفافيش الظلام وكل الذين كانوا يتمنون هزيمتنا فى ٥٦ ومازالوا يأملون «!!».

كل عام ومصر المنتصرة هى الضمان والأمان، وليكن احتفالنا بعيد النصر احتفالاً وطنياً شاملاً وليس عيداً لبورسعيد الباسلة فقط، كل عام ومصر تنتصر.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة