محمد عدوي
كيفك إنت ؟
أعيروه أبصاركم
الخميس، 23 يناير 2025 - 01:47 م
وكأن محمود درويش يعيش بيننا، وكأنه يعي ما حدث حينما قال: “ستنتهي الحرب ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل، لا أعلم من باع الوطن.. لكني رأيت من دفع الثمن”.. أيام ثقال مرت على أهلنا في غزة، حرب لا هوادة فيها، آلة قتل استمرت لأكثر من 400 يوم، وضعت أوزارها أخيرا بجهود دبلوماسية وإنسانية شاركت فيها مصر وقطر والولايات المتحدة، منذ البداية والموقف المصري شديد الوضوح ضد ما يمارس على أهلنا هناك، ووقف ضد تهجيرهم مرارا وتكرارا.. وتحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي بفهم ووعي وخوف على القضية رغم سيل الاتهامات الموتورة، تحدثوا عن صفقة القرن وترحيل أهلنا في غزة، فتحدث بقوة ورفض كل المغريات التي يعرفها القاصي والداني، وقال بالفم المليان “لو وافقت لانتهت القضية إلى الأبد”.. دور سوف يتذكره التاريخ طويلا وسوف تحكي عنه الأيام كثيرا، ولو إن مصر وقادتها التي وقفت ومازالت مع القضية الفلسطينية، قضيتنا لا تنتظر أي ثناء أو إطراء، وأن كان الثناء والإطراء قد خرجوا بالفعل من أهلنا في غزة الذين يعرفون قيمة مصر ودورها، والفيديوهات والتويتات والبوستات على وسائل التواصل الاجتماعي شاهدة، وموجودة بكل اللغات التي تعلمها الإنسانية .
أعود إلى درويش وما قاله، فقد تحدث البعض عقب اتفاق وقف إطلاق النار عن نصر هنا أو نصر هناك، وربما تناسوا أن الحرب ليس بها فائز، كلهم خاسرون، الأطفال خسرت ذويها، والنساء ترملت، والعجائز فقدت أعزائها، أي انتصار وقد دمر القطاع عن بكرة أبيه؟!، أي انتصار يمكن أن يعوض أسرة شردت وطفلة يتمت وشاب فقد الأمل؟!، عن أي انتصار تتحدثون؟، وهل هذا توقيت مناسب لمثل هذا حديث؟!، لا أظن أن الوقت أو الوضع مناسب للاحتفال والتباهي بنصر يراه البعض قد تحقق، أظنه وقت العودة والبناء
أعلم إن هذا الرأي سوف يغضب البعض، أعلم إن هناك من يرى أن ما تحقق بقتل ما يقترب من 50 ألف وإصابة مثلهم نصر!!، هم أحرار في رؤيتهم، ولو أن أهل غزة أدرى بما هو عليه حالهم الآن، هم من يمكن أن يحدثونا عن هذا الانتصار أكثر من أي شخص آخر.. فنحن نتعاطف ونشاركهم في كل شيء، لكننا نفعل ذلك من بعيد، والصورة كاملة ليست أمامنا، وبالتالي هم وحدهم من يمكن أن يحددوا انتصارهم، إن كان فهل فعلوا؟
أغلب سكان القطاع تحدثوا بحزن، ومنهم الباحث الغزاوى محمد العكشية، الذي كتب على حسابه في “فيس بوك”: “لا أرى في المشهد كله إلا طفلا أختنق تحت الركام حتى الموت، وامرأة فقدت عقلها بعد أن مات أطفالها جميعا وهم جائعون، لا أرى سوى ذلك.. لأنني متشائم وسيئ وقليل الوطنية والأدب وإنهزامي، ولا يملك مؤونة الوصول إلى الهدف.. أنا لا أرى في الصورة إلا هذا الركام المترامي على مد البصر والهياكل العظمية بالآلاف تشكل طبقة أرضية جديدة لم يصنفها الجيولوجيون بعد..!، ووطنا قضمت أطرافه، وجيلا ضاع، وحواجز عسكرية، ونفوس فقدت بوصلتها، ومساحات كبيرة من عقولها وإنسانيتها، لأنني متشائم وسيء وقليل الوطنية والأدب وإنهزامي ولا يملك مؤونة الوصول إلى الهدف.. أنا لا أرى ما ترونه يا سادة.. أعيروني أبصاركم أرجوكم!!، أنا لا أرى بيتي، ولا أرى الحارة، ولا أرى الحياة التي كانت في داخلنا”.
الحقيقة إن ما كتبه العكشية يعبر عن قطاع كبير عانى وذاق ما ذاق من ويلات رأيناها بأعيننا، قطاع فرح مثلنا بتوقف الحرب لكنه لم ير أنه انتصار، وهذا حقه، الغريب إن بعضا ممن يصدرون أنه انتصارا، ومنهم الإخواني الهارب أسعد طه، ضاق به الرأي المخالف لرأيه عندما كتب على “فيس بوك” بوست قال فيه: “والله لو حررتم الأقصى سيقولون وأين هذا النصر الذي تزعمون؟”، واضطر لحذفه بعد أن نال ما نال من متابعينه من أهل غزة، فلجأ إلى منصة “إكس” ليكتب ما كتب، أملا في أن يجد من يعينه في معقل الجماعة، فنال أيضا ما نال ..
نفرح لفرحهم ونحزن ونتألم معهم.. نريدهم معنا وبيننا ولن نفرح وهم تحت الركام.
نعم المقاومة حق، لكن الثمن غال، والحل موجود ومتاح، وهذا حديث آخر.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة
خالد محمود يكتب : رحلة فى « عقل » فاتن حمامة
خالد محمود يكتب : فى عيد ميلاده الـ ٨٦ .. عادل إمام.. الفنان الذى صار ذاكرة المصريين
سيمفونية السيليكون
«Michael» .. حين تتحول الأسطورة إلى إنسـان
الواقعية الجديدة بروح عراقية ..« كعكة الرئيس » رحلة صغيرة تكشف مأزق العالم الكبير
هل انتهى زمن المطربين؟









