عبدالباسط عبدالصمد
عبد الباسط عبد الصمد .. صوت بمساحة العالم
الأربعاء، 07 مايو 2025 - 01:39 م
بقلم هيثم أبوزيد
ام المسجد الزينبى الشيخ على سبيع بالميكروفون، وخاطب الجماهير المحتشدة للاحتفال بمولد السيدة، قائلا: أقدم لكم قارئًا من الصعيد، فتردد الشاب عبد الباسط عبد الصمد، الذى لم يجاوز وقتها 23 عامًا.. قال له سبيع مشجعا: اقرأ عشر دقائق فقط، فبدأ الشيخ الصاعد التلاوة: «إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما».. اهتزت جنبات المسجد بصيحات آلاف المستمعين المستحسنين، وامتدت التلاوة ساعتين، لكن لم يخطر ببال أحد حينها أن هذا الشاب القادم من مركز أرمنت بصعيد مصر، سيصبح خلال بضع سنوات أشهر قارئ، بل أشهر شخصية إسلامية فى العالم، يمتد أثر تلاوته من نيو دلهى إلى واشنطن، ومن لندن إلى جوهانسبرج، ويمثل صوته فتنة وسحرا للجماهير فى القرى والنجوع والمزارع والسهول والجبال والصحاري.. قارئ بهذا الوزن والتأثير، جدير ببذل الجهد لفهم أسباب صعوده السريع، وشهرته غير المسبوقة.
عبد الباسط محمد عبد الصمد، واحد من أكبر القراء المصريين وأشهرهم فى القرن العشرين، كان انضمامه إلى الإذاعة عام 1951 سببا فى زيادة الإقبال على شراء أجهزة الراديو، واتساع دائرة المهتمين بفن التلاوة.. ظهر فى عصر مزدحم بالمواهب والعبقريات، واستطاع خلال فترة وجيزة أن يحجز لنفسه موقعا بين الكبار والأعلام.. هو شريك مهم فى بناء صرح التلاوة العريق، وواحد من ضمن الكبار، وهو زعيم إسلامى على المستوى العالمى، تحمل الجهد الأكبر فى نشر معالم المدرسة المصرية فى التلاوة، وترسيخها فى جميع أرجاء العالم الإسلامي، وبين الجاليات العربية والإسلامية فى بلاد الغرب.
مقاطع نادرة
حفظ الشيخ عبد الصمد القرآن مبكرا، وأتقن أحكام التجويد بمستوى عال جدا، ثم تلقى علم القراءات على يد الشيخ محمد سليم حمادة، وقد كان لهذا التأهيل المتين أثره الواضح فى تلاوة عبد الباسط التى اشتهرت بدقة أحكام التجويد ومخارج الحروف وتوفية المدود والغنن ومقاديرها.. وفنيا فقد امتلك الشيخ صوتا استثنائيا، قويا، فى غاية العذوبة، مع نفس طويل مدهش، وذبذبات سريعة جدا، ومع كل هذه الإيجابيات، لم يكن عبد الباسط من أصحاب التفنن النغمي، وكانت درايته بالمقامات الموسيقية محدودة، وهو من أقل القراء الكبار فى التلوين الموسيقي، وبعض المقامات الأساسية لا نكاد نجد منها بصوته إلا مقاطع نادرة.. لكن هذه الصفات كانت من أسباب قوته وانتشار تلاوته فى أرجاء العالم، فقد جاءت تلاوة الشيخ متسمة بالسهولة والوضوح، وخلت دوما من كل أشكال التعقيد النغمي، أو الاستعراض المقامي، وإنما هى جمل سهلة واضحة، مع صوت قوى صداح، ونفس طويل جدا، وذبذبات سريعة.. أى أن تلاوته كانت دائما فى متناول فهم المستمع العادي، الذى يشكل الأغلبية الساحقة من الجماهير.
أصبح الشيخ عبد الباسط مدرسة كبرى فى التلاوة، يقتفى أثرها ويحاول تقليدها مئات، وربما آلاف القراء فى آسيا وإفريقيا، وصارت الجماهير فى الهند وباكستان وإندونيسيا وماليزيا وأفغانستان وبنجلادش يسمون التلاوة بالطريقة المصرية "قراءة عبد الباسط".. بل إن كثيرا من جماهير هذه البلاد -لاسيما بسطاء الناس- لم يكونوا يعرفون عن مصر شيئا إلا أنها "بلد الشيخ عبد الباسط"، وهذا مستوى من الشهرة والتأثير ليس له نظير فى التاريخ المعاصر.
ثبات صوته
ربما كانت التلاوة الشهيرة من سورتى مريم والتكوير، التى أداها الشيخ عبد الباسط فى المسجد الأموى بدمشق عام 1958، من أفضل النماذج الموضحة لأسلوب الشيخ فى تقديم "السهل الممتنع".. إذ هى سهلة فى جملها النغمية، لكنها ممتنعة على أى قارئ لم يؤت ما أوتى عبد الباسط من صوت معجز، وبحة ساحرة، يأتى بها فى مواضع طبيعية دون تكلف أو اصطناع.. بدأ الشيخ تلاوته بداية هادئة كعادته، ولم يستغرق وقتا طويلا حتى تعالت صيحات الجماهير عقب كل جملة يرسلها من حُنجرته.. فالجمهور الشامى الذى لا يقدر إلا الأداء الطربى وجد فى القماشة الصوتية لعبد الباسط ما يغنى عن أى تكلف نغمى أو تعقيد مقامي: أرسل الشيخ صوته برواية ورش عن نافع: "قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا"، ووظف مد البدل فى موضعيه ليستعرض صفاء حنجرته وثبات صوته وسرعة نبراته، وكان التجاوب معه كبيرا ومؤثرا.. وبعد نحو 25 دقيقة، ترك الشيخ سورة مريم، واستهل سورة التكوير مستعرضا طول نفسه، إذ قرأ 9 آيات فى جملة واحدة.
ولاحقا، كانت تلاوة سورة التكوير هذه نواة لشريط كاسيت يحمل مختارات بصوت الشيخ من قصار السور.. ظهر هذا الشريط فى أوائل السبعينيات، وانتشر انتشارا غير مسبوق، إذ كان ينبعث من كل مكان فى مصر، من المنازل والمحال التجارية وورش الصناع وعربات الباعة الجائلين.. وظل لنحو عشرين عاما، وتحديدا خلال عقدى السبعينيات والثمانينيات أكثر التسجيلات انتشارا دون منافسة، لا من القراء ولا المنشدين ولا حتى المطربين.
صوت العرب
ومن اللافت أن الانتشار الخارجى للشيخ عبد الباسط كان سريعا جدا.. إذ لم يكن بين تلاوته فى مولد السيدة زينب عام 1950 وبين الاستقرار فى القاهرة والالتحاق بالإذاعة إلا عام واحد، وبعد أشهر قليلة من الاعتماد الإذاعى كان الشيخ عبد الباسط يقرأ القرآن على جموع الحجاج فى المسجد الحرام، فعرفته وفود العالم الإسلامى كله.. انهالت عليه الدعوات من كل مكان فى العالم الإسلامي، وقبل أن يبلغ الشيخ ثلاثين عاما، صار من أكثر الشخصيات شهرة بين المسلمين، وأصبح يحظى باستقبالات مهيبة على المستويين الرسمى والشعبي. زار الشيخ سوريا وسنه 29 عاما فقط، وكانت مراسم استقباله استثنائية.. وقد وصفت جريدة "صوت العرب" السورية بعض تفاصيل الاستقبال فقالت: "حلب الشهباء كانت فى عيد خلال زيارة المقرئ الشهير عبد الباسط عبد الصمد.. وقد لبى الشيخ الدعوة وسافر من دمشق إلى حلب بالطائرة يوم الخميس 31/5/1956 وعندما وصل إلى المطار كانت جماهير غفيرة تنتظر لاستقباله، وقد ركب الشيخ عبد الباسط السيارة وسارت خلفه أكثر من مائة سيارة تحمل المستقبلين وهم من علية القوم تخترق شوارع حلب.. لقد كان مقررًا أن يقرأ الشيخ عبد الباسط فى الجامع الأموى الكبير فى حلب قبل ظهر الجمعة، وما سرى النبأ حتى غص الجامع الكبير على رحبه بجموع المصلين بكثافة لم يعهدها تاريخ هذا الجامع حتى فى عهد الأمير سيف الدولة الحمداني، ومنذ عامين أعربت سورية عن تقديرها لمواهب المقرئ الكبير فمنحته وسام الاستحقاق السورى من الدرجة الثانية، وفى الأسبوع الماضى تفضل الأستاذ صبرى العسلى رئيس مجلس الوزراء فمنح المقرئ الكبير وسام الإخلاص من الدرجة الأولى. وخلال فترة زمنية اقتربت من 4 عقود، طاف الشيخ عبد الباسط معظم أرجاء العالم، سفيرا أول للقرآن، ومثل بنفسه وشخصه جانبا مهما وقدرا معتبرا من النفوذ المعنوية لمصر.. احتشدت الملايين فى الهند للاستماع إلى صوته، وحضرت رئيسة الوزراء إنديرا غاندى محفلا ضخما من محافله، وتكررت المشاهد المليونية فى باكستان وماليزيا وإندونيسيا التى هطل فيها المطر بغزارة على المستمعين فلم يغادر واحد منهم حتى لا تفوته فرصة الاستماع المباشر إلى الشيخ الأشهر.
المصحف المرتل
وفى جنوب إفريقيا، كان أول قارئ يصل إلى هذه البلاد، رغم الظروف السياسية.. وحين هبطت طائرته فى مطار جوهانسبرج، استشعر مسئولو المطار حركة غير اعتيادية، وازدحاما متزايدا فى انتظار شخصية استثنائية.. تعاملت السلطات إيجابيا مع الحدث، وفُتحت قاعة استقبال كبار الزوار.. لكن المشهد الأكبر كان خارج المطار، حيث احتشدت الآلاف لاستقبال صاحب الصوت الآسر، وعلى مدى أكثر من شهرأقيمت المحافل الكبيرة، وحضرت الجماهير المتعطشة من كل مكان، فأعطاهم الشيخ من روحه ووجدانه.
نال الشيخ عبد الباسط عبد الصمد قدرًا من التكريم الرسمى لم ينله مقرئ فى العالم، فقد حصل على الوسام الذهبى من ماليزيا، ووسام الاستحقاق من سوريا، ووسام الأرز من لبنان، وحصل على أوسمة من السنغال وباكستان والمغرب، واستقبله الرئيس الجزائرى أحمد بن بيلا، والرئيس العراقى عبد السلام عارف، وملك المغرب الحسن الثاني، ووالده الملك محمد الخامس، والرئيس المالديفى مأمون عبد القيوم وغيرهم.. تسابق الحكام إلى دعوته، وحرصوا على لقائه، وتمنوا عليه أن يطلب ما يشاء مقابل إقامة دائمة فى بلادهم.
ولد الشيخ عبد الباسط عام 1927، ورحل فى 30 نوفمبر عام 1988، تاركا ثروة هائلة من التسجيلات القرآنية، والمصحف المجود كاملًا، وكذلك المصحف المرتل بروايتى حفص عن عاصم، وورش عن نافع.. ويوم رحيله عم الحزن أرجاء العالم الإسلامي، وشارك عشرات الآلاف من محبيه فى وداعه، كما شارك أغلب السفراء العرب والمسلمين فى جنازته، وأديت صلاة الغائب على روحه فى كثير من بلدان العالم الإسلامي.. لكن صوته كان قد سرى إلى كل أرجاء الأرض.. كأنه صوت بمساحة العالم.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
الحج رحلة قلبية وتزكية روحانية
«الطلاق العاطفى».. بداية تفكيك الأسرة
طلب العلاج فريضة أم اختيار؟.. العلماء يجيبون
المراهنات الإلكترونية خطر يهدد المجتمع
وزير الأوقاف:لدينا 40 تيارًا متطرفًا يمثلون الخطر الأكبر على بلادنا
خريجو دفعة الأوقاف الثانية يروون رحلتهم التدريبية في الأكاديمية العسكرية
د. رضا عبده مدير مكتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي بمصر: نعمل تحت رعاية الأزهر وتوجيهات الإمام الأكبر
نعمل تحت رعاية الأزهر وتوجيهات الإمام الأكبر
مدير مكتبة الأزهر في حوار خاص: نملك نصف مليون كتاب .. و«٥٠» ألف مخطوطة









