رضوى شاهبور
رضوى شاهبور


هل يعلن الذكاء الاصطـناعى موت المترجم ؟!!

رضوى شاهبور

الأحد، 28 سبتمبر 2025 - 08:14 م

لم تعد الترجمة مجرد جسر لغوى تنقل بها الإنسان بين الثقافات، بل أصبحت ميدانا لقدرات العقل البشرى وإمكانات الذكاء الاصطناعى. فمن جهة، يقف المترجم البشرى مسلحا بخبرته ووعيه وسياقه الثقافى، ومن جهة أخرى تندفع تقنيات الذكاء الاصطناعى بسرعة مذهلة، قادرة على معالجة ملايين الكلمات فى ثوانٍ، وبين هذين العالمين يثور السؤال الأهم: هل سيظل المترجم البشرى سيد الكلمة والمعنى، أم أننا على أعتاب عصر تصبح فيه الترجمة حكرًا على الآلة؟ وعلى طريقة الناقد الشهير «رولان بارت» فى كتابه «موت المؤلف» نتساءل هل يعلن الذكاء الاصطـــــناعى موت المترجم؟ شهادات الخبراء والأكادیمیين تكشف أن المسألة أعقد مما تبدو، وأن الصراع ليس مجرد منافسة، بل معركة بين الإبداع والآلة.

قال د. طارق عبد البارى، أستاذ علوم الأدب والحضارة الألمانیة وعلوم الاصطلاح بجامعة عین شمس: إن الذكاء الاصطناعى بات یغطى مساحة واسعة من الترجمة، وأصبح قادرًا على إنتاج مستویات عالیة الدقة من الترجمات التى ینجزها مترجم ضعیف أو متوسط المستوى، ومع ذلك، سیظل وجود المترجم الخبیر أمرًا لا غنى عنه، على الأقل فى أجیال الذكاء الاصطناعى الحالیة، وحتى تصل التقنیات إلى مستویات أكثر تطورا كما هو متوقع.
وأوضح أن هناك أنواعًا من النصوص متعددة المعنى لا یمكن للآلة النفاذ إلى أعماقها إلا بمساعدة المترجم البشرى الخبیر، خصوصًا فى مستوى المصطلحات الدقیقة والمعقدة التى یرى أنها ستظل حكرًا على البشر «إلى ما شاء ﷲ»، فالترجمة الاصطلاحیة، بحسب وصفه، تحتاج إلى وعى لغوى وثقافى عمیق لا یمكن أن تنشئها الخوارزمیات وحدها.
ویرى عبد البارى أن الذكاء الاصطناعى یمثل فرصة حقیقیة للتخلص من المترجمین غیر المحترفین أو منتحلى صفة المترجم، لأنه قادر على إنجاز أعمالهم بكفاءة أكبر، لكنه شدد فى الوقت ذاته على أن الترجمات الناتجة عن الذكاء الاصطناعى تحتاج دومًا إلى عین المترجم الخبیر، الذى یستطیع أن یلتقط مكامن الخلل بحكم خبرته الطویلة، مؤكدا أن أى خطأ بسیط فى الترجمة، خصوصًا فى العقود القانونیة أو الوثائق الرسمیة، یؤدى إلى كوارث، ولهذا فإن دقة الترجمة یجب أن تقترب من 100%، وإلا فإن النص یصبح مصدرًا لمعلومة خاطئة.
أشار إلى أن هناك مجالات ترجمة لن یستطیع الذكاء الاصطناعى اقتحامها، مثل النصوص الأدبیة والفلسفیة، التى تتمیز بتعدد المعانى وعمق الدلالات، فكلما ازداد النص ثراءً وتعددًا فى معانیه، دلّ على عمق فكر صاحبه، وهو ما لا تستطیع الآلة إدراكه، لأن اللغة- فى جوهرها- مرتبطة بالوجدان والشعور الإنسانى، فالنص الأدبى الرفیع أو النصوص المقدسة تكشف معانى جدیدة مع مرور الزمن، وهو ما یعجز الذكاء الاصطناعى عن محاكاته رغم تطوره.
وأوضحت الأكادیمیة والمترجمة، د.هبة شریف، أن تطور الذكاء الاصطناعى یسیر بوتیرة مخیفة، غیر أنه فى مرحلته الحالیة لا یمكن الاعتماد علیه بشكل كامل فى الترجمة، لأنه یعتمد إلى حد كبیر على الترجمة الحرفیة، وهو ما یؤدى غالبًا إلى أخطاء فى المعنى.
وأشارت إلى أن العلاقة بین المترجم البشرى والذكاء الاصطناعى فى الوقت الراهن هى علاقة مساندة لا شراكة، متوقعة أن تتطور مستقبلًا لتصبح أقرب إلى الشراكة الحقیقیة، لكنها شددت على أن الذكاء الاصطناعى یظل الیوم مساعدًا ثانویًا لا یمكنه منافسة المترجم البشرى، خاصة فى ترجمة الكتب، التى ترى أنها تحتاج جهدًا إبداعیًا وثقافیًا لا تستطیع الآلة إنجازه.
وأضافت أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعى فى ترجمة الكتب فقط لاعتبارات السرعة أو انخفاض التكلفة سینتج عنه كتب غیر مفهومة وغیر مقروءة، مؤكدة أن المترجم الذى یلجأ إلى الذكاء الاصطناعى دون مراجعة دقیقة أو تعدیل سیقدم بالضرورة ترجمة ردیئة، وبینت أن مجالات الاستخدام الممكنة للذكاء الاصطناعى تقتصر على النصوص البعیدة عن الإبداع أو المصطلحات متعددة المعنى، ویقتصر دوره حالیا على المجالات حیث تصلح الترجمة الحرفیة فیها بدرجة أكبر.
وشددت على أن الوضع الحالى یكشف عن قصور كبیر فى قدرات الذكاء الاصطناعى، فهو غالبًا ما یغیر المسمیات المتداولة أو المصطلحات التاریخیة لأنه لا یدرك السیاق أو الخلفیات المعرفیة للنصوص، لذلك لا یمكن الاعتماد علیه اعتمادًا كاملًا، بل یجب مراجعة نتائجه بدقة قبل اعتمادها.. وأكد الروائى والمترجم، خالد أمین، أن المترجم البشرى سیظل موجودًا وضروریًا وحتمیًا، خاصة فى مجال الترجمة الأدبیة، موضحًا أن التاریخ یثبت أن الإبداع الإنسانى لا یمكن أن یُمحى مع كل تطور تكنولوجى، وضرب مثالًا بما حدث عند ظهور التلفاز فى ستینیات القرن الماضى، حیث سادت آنذاك مقولات تتنبأ بانتهاء الكتب، لكن الإبداع الأدبى استمر وازدهر رغم تلك التوقعات.
وأشار إلى أن القارئ قادر على التمییز بین الترجمة البشریة والآلیة، فالترجمة الأدبیة لیست مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل هى عملیة نقل للتجربة الإبداعیة بكل ما تحمله من مشاعر وأحاسیس، بما یتناسب مع ثقافة المجتمع المتلقى، وأبدى استغرابه من فكرة إمكانیة تولید نصوص إبداعیة عبر الذكاء الاصطناعى، مشددًا على أن ما یمیز الأدب هو اللمسة الإنسانیة التى لا یمكن للآلة محاكاتها.
وتابع أن القراءة فى جوهرها عملیة غامضة تعتمد على الإحساس والشعور، خاصة فى الروایات، حیث یمیز القارئ بسهولة بین الترجمة الجیدة والفقیرة.
أعرب أ.د أسامة غازى المدنى، أستاذ الإعلام البدیل بجامعة أم القرى فى السعودیة، عن اعتقاده بأن العلاقة بین المترجم البشرى والذكاء الاصطناعى تتجه نحو التكامل لا الاستبدال، موضحًا أن الذكاء الاصطناعى سیُحدث تحولًا جذریًا فى طبیعة عمل المترجم، لكنه لن یتمكن من أن یحل محله بالكامل، خصوصًا فى المجالات التى تتطلب فهمًا عمیقًا للسیاق الثقافى والفروق الدقیقة فى المعانى.
وأكد المدنى أن التدخل البشرى سیظل ضروریًا لمراجعة وتحریر مخرجات الترجمة الآلیة، ضمانًا للدقة.
واختتم قائلًا إن المترجم البشرى سیبقى عنصرًا محوریًا فى العملیة، لكن دوره سیتحول من مجرد ناقل للنصوص إلى محرر سیاقى وخبیر جودة، یعید صیاغة ما تنتجه أدوات الذكاء الاصطناعى.
أكدت دكتورة هالة الألفى، مدرس الإعلام المسموع والمرئى والوسائط المتعددة وخبیرة الذكاء الاصطناعى المعتمدة، أن تقنیات الذكاء الاصطناعى أحدثت طفرة هائلة فى مجال الترجمة، إذ أصبح بإمكان أى شخص ترجمة نصوص من أى لغة حتى دون معرفته بها، لافتة إلى أن هذا التطور یحمل فى طیاته مشكلة جوهریة.
وعلى الصعید الأخلاقى، أشارت دكتورة هالة الألفى إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعى فى الترجمة العلمیة یطرح مشكلات متعددة، أبرزها أن النصوص تُترجم حرفیًا دون نسب للمصادر، مما یوقع الباحث فى مأزقین، الأول أن المحتوى لا یعد أصلیًا بل منسوخًا، والثانى أن أدوات التدقیق الأكادیمى تكشف أن العمل إما مولد بالكامل عبر الذكاء الاصطناعى أو معاد صیاغته به، وهو ما یضعف مصداقیة الباحث.. یكشف الجدل الدائر بین الأكادیمیین والمترجمین والباحثین أن الذكاء الاصطناعى أحدث تحولًا جذریًا فى عالم الترجمة، غیر أن هذا التحول لم یصل بعد إلى مستوى الإحلال الكامل، فالتقنیات الحدیثة نجحت فى تسریع عملیات البحث والتمهید أمام المترجمین، لكنها أخفقت فى مضاهاة العمق الإنسانى المطلوب لفهم النصوص الأدبیة والفلسفیة والمعقدة.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة